الاسم لا يجب أن يكون «عصر المعلومات»؛ في مقالته، يشرح «جورج مونبيوت» خطر العزلة الاجتماعية، وكيف تقوم «الوحدة» بقتلنا، تمامًا مثل الأوبئة الفتاكة أو أكثر.

ما الاسم الذي نطلقه على عصرنا؟ لا يعتقد «جورج مونبيو» في مقالة نشرها بموقع صحيفة «الجارديان» البريطانية أن الاسم يجب أن يكون «عصر المعلومات»؛ في مقالته، يشرح «جورج مونبيوت» خطر العزلة الاجتماعية، وكيف تقوم «الوحدة» بقتلنا، تمامًا مثل الأوبئة الفتاكة أو أكثر.

يبدو أن عصرنا هذا – تمامًا ـ مثل العصر الحجري، والعصر الحديدي؛ يمكنه أن يتحدث طويلًا عن التحف والحفريات والقطع الأثرية، لكنه لا يمكنه التحدث قليلًا جدًا عن الإنسان، وعن المجتمع. هناك تغير اجتماعي واضح، يميز مجتمعنا الحديث عن العصور السابقة، يرى الكاتب أن هذا التغير يمكن تلخيصه بكلمة واحدة واضحة، إنه عصر «الوحدة»!

ليس من الصعب أن نشرح لماذا يوصف هذا العصر بهذه الكلمة تحديدًا، ثمة أسئلة بسيطة يمكن لأي شخص أن يجيب عليها من خلال تجربته الحياتية الخاصة، ستكون قادرة على شرح الوضع ببساطة. كم مرة شعرت بالانسجام مع الناس من حولك؟ كم مرة شعرت بافتقاد الرفقة؟ كم مرة شعرت أنه لا يوجد أحد يمكنك أن تلجأ إليه؟ كم مرة شعرت أنك لم تعد مقربًا من أي شخص؟ كم مرة شعرت أنك لا تستطيع مشاركة أفكارك ومشاعرك مع الناس المحيطين بك؟ كم مرة شعرت أن علاقتك بالآخرين تفتقر إلى المعنى؟ كم مرة شعرت أنه لا يوجد أحد يعرفك جيدًا؟ كم مرة شعرت أن الناس حولك، لكنهم ليسوا معك؟ كم مرة، ببساطة، شعرت أنك وحيد؟

الكائن الأكثر احتياجًا للتواصل يفقد التواصل

«توماس هوبز» هو أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر، وله أعمال في مجالات، مثل: القانون، والأخلاق، طبقًا لنظرياته كان البشر في قتال دائم ضد بعضهم قبل ظهور المجتمعات، وتطور أشكال السلطة، أو أن المجتمع كان مبنيًا على «حرب كل فرد، ضد كل فرد»، لكن «جورج مونبيوت» يعتقد أنه مخطئ، وأننا كائنات اجتماعية منذ البداية، يعتمد وجودنا بالكامل على بعضنا؛ والذي يميزنا على مر العصور عن الأجناس الأخرى من الكائنات الحية، هو وجود المجتمع والترابط والتواصل مع الآخرين. أما هذا العصر فيبدو أنه لا يشبه أي عصر سابق.

يركز «جورج مونبيوت» في مقاله على الأبحاث التي درست «الوحدة» في «إنجلترا» على وجه الخصوص، حيث أصبحت «الوحدة» وباءً بين الشباب، بالإضافة لانتشارها المأساوي بين كبار السن؛ وجدت دراسة أجريت عام 2014 أن الوحدة في «إنجلترا» تفسد حياة 700 ألف رجل، وأكثر من مليون امرأة، تتجاوز أعمارهم الـ 50 عامًا، و يبدو أن الأرقام تنمو بسرعة مذهلة.
إذا نظرنا للأرقام، سنجد أن «الوحدة» تسببت في القتل أكثر مما فعل فيروس «الإيبولا». «العزلة الاجتماعية» خطرة بما يكفي لتتسبب في الوفاة المبكرة، ينتج عنها نفس الأثر الذي ينتج عن الاستمرار في تناول 15 سيجارة يوميًا. تقول الأبحاث إن «الوحدة» تقتل ضعف من تقتلهم السمنة، كما تزيد «الوحدة» من احتمالات ظهور الأمراض العقلية، وارتفاع ضغط الدم، وجنون العظمة، وإدمان الكحوليات، والحوادث، والاكتئاب، والقلق، والانتحار. أليس هذا هو الوقت المناسب كي نعترف أننا لا يمكننا أبدًا التعايش مع «الوحدة»؟

يرى «جورج مونبيوت» أن التغييرات بدأت في الحدوث؛ عندما أغلقت المصانع التي كان الناس يعملون بها سويًا، وأصبح الناس يسافرون بالسيارات بدلًا من الحافلات، أو يشاهدون «يوتيوب» والمواقع الشبيهة، بدلًا من الذهاب إلى السينما؛ لكن تغيرات كهذه ليست الأسباب الوحيدة التي تفسر السرعة التي ينهار بها التواصل. في الواقع هذه التغييرات ناتجة عن تغييرات أيديولوجية جوهرية أخرى، تدعم وتشجع باستمرار «حياة العزلة الاجتماعية».

الفردية والمنافسة.. الدين الجديد لعصرنا

«حرب كل فرد، ضد كل فرد»، «المنافسة والفردية» أصبحا الدين الجديد الذي يدعو إليه هذا العصر، حرب الإنسان ضد أخيه الإنسان. يهتم هذا الدين بترسيخ لقيم الفردية والأنانية، يظهر ذلك جليًا في اللغة الشائعة التي يعبر بها المجتمع عن النجاح والتحقق والسعادة. تولد هذه العبارات انطباعات إيجابية لدى الناس: «رائد الأعمال»، «رجل عصامي»، «امرأة صنعت نفسها بنفسها»، «فعلها دون مساعدة أحد»، ما يعد شديدة الدلالة على شكل القيم التي أصبحت تؤمن بها مجتمعات بأسرها. أكثر الكائنات الحية تواصلًا واجتماعية، الكائن الذي لا يستطيع أن يتقدم أو يزدهر دون حب، أصبح لا يعرف المعنى الحقيقي لكلمة «مجتمع»، أصبح لا يهتم سوى بالفوز، وصناعة البطولات الفردية، كل ما عدا هذا هو أضرار بسيطة.

لم يعد الأطفال البريطانيون يطمحون أن يصبحوا سائقي قطارات أو ممرضات، في استطلاع نشرت تفاصيله صحيفة «التلغراف» تبين أن أكثر من خمس الأطفال لا يريدون سوى أن يصبحوا أغنياء، 40% من الأطفال الذين شملهم هذا الاستطلاع يطمحون فقط إلى «الثروة والشهرة». دراسة حكومية أخرى تكشف أن بريطانيا هي عاصمة «الوحدة» في أوروبا؛ فالبريطانيون أقل شعوب أوروبا ميلًا إلى تكوين صداقات مقربة وحميمة، وأقل ميلًا ـ أيضا ـ إلى التواصل مع جيرانهم والتعرف عليهم. فلماذا الدهشة؛ عندما يجد الأفراد أنفسهم منعزلين، ويقاتل بعضهم بعضًا؟

يرى «جورج مونبيوت» أن لغة البريطانيين نفسها تغيرت؛ لكي تعكس ما طرأ على مجتمعهم من تغيرات؛ لتصبح كلمة «خاسر» ثمثل أقسى الإهانات. لم يعد هناك حديث عن «الناس»، الآن الحديث دائمًا محوره «الأفراد». أصبحت هذه المفردة منتشرة، لدرجة أنه، وحتى المؤسسات الخيرية التي تحاول إيجاد حلول للوحدة تستخدمها لوصف الكائنات التي تمشي على قدمين، والمعروفة في السابق باسم «البشر». أصبح من النادر أن نتمكن من إكمال جملة واحدة، دون استخدام كلمة «شخصي»، إنها متعلقاتي الشخصية، أصدقائي الشخصيون، أرائي الشخصية، مفضلاتي الشخصية، إلى ما لا نهاية له من الكلمات التي تعج بها لغة بشر منعزلين.

الرضا والسعادة.. غايتان لا تدركان

إحدى النتائج المأساوية «للوحدة»، هي اتجاه الناس للتلفاز؛ بحثًا عن عزاء. 40% من كبار السن حسب تقرير لحملة إنهاء الوحدة، يعتبرون التليفزيون هو رفيقهم الأساسي. هذه المحاولة الذاتية لعلاج الوحدة فاقمت المرض. يقول بحث أجرته «جامعة ميلان» أن التليفزيون يزيد من إشعال نار المنافسة بين الناس. ويعزز بقوة إشكالية عدم الرضا عن الدخل، لهذا وبالرغم من ارتفاع الدخل القومي البريطاني، إلا أن هذا لا يؤثر على مستوى السعادة لدى الناس.

وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يشاهدون التليفزيون كثيرًا يشعرون بقليل من الرضا عن دخلهم، بالمقارنة بهؤلاء الذين يشاهدون التليفزيون بنسبة أقل. التلفزيون يضاعف بسرعة مذهلة من خيارات المتعة، ترتفع طموحات الناس، ويعرفون أنواعًا مختلفة من السلع الاستهلاكية التي يمكنهم الحصول عليها. تجعلنا الإعلانات نعتاد على المتع التي نملكها، ونطمح في المزيد، ليسعى الجميع جاهدين للحصول على المزيد؛ حتى يحافظوا على مستوى معين من الرضا الذي أصبح صعب المنال. يضخم التليفزيون طموحات، مثل: الشهرة، والثروة، ويخلق شعورًا بأن الحياة الحقيقية في مكان آخر، وعلينا دائمًا القيام بشيء ما؛ كي نحصل عليها.

إذن ما الذي يعنيه هذا؟ ما المكسب من وراء هذه الحرب؟ نعم، المنافسة تحرك النمو الاقتصادي، لكن هذا النمو لم يعد يجعلنا أكثر ثراء. الأرقام التي تخبرنا بها التقارير تقول إنه في الوقت الذي ارتفعت فيه أجور المدراء، فإن القيمة الحقيقة لأجور القوى العاملة قد انخفضت. يقول «جورج مونبيوت» إن المدراء يكسبون، ثم يعتذر عن كلمة «يكسبون» ليستبدل بها كلمة «يأخذون»، ويستكمل، يأخذون 120 ضعفًا أكثر من أجر عامل بدوام كامل، (عام 2000 كان الرقم 47 ضعف). إذن فالمنافسة لم تجعلنا أكثر ثراء، ولم تجعلنا أيضًا أكثر سعادة؛ ولأننا أصبحنا نستمد السعادة والرضا من ارتفاع الدخل، ستكون سعادتنا دائمًا ناقصة؛ بسبب الطموحات التي تضخمها المنافسة باستمرار.

1% من سكان العالم يمتلكون 48% من الثروة العالمية، لكنهم أيضا ليسوا سعداء. في استطلاع أجرته «جامعة بوسطن» لمجموعة من الأشخاص يصل متوسط الثروة لكل منهم إلى 78 مليون دولار، تبين أنهم يعانون من القلق العنيف، وعدم الرضا، والشعور بالوحدة أيضًا! كثيرون منهم قالواـ  أيضًا ـ إنهم لا يشعرون بالأمان المادي، وكثيرون آخرون يعتقدون أنهم لكي يشعروا بالأمان المادي يحتاجون إلى 25% أكثر من الأموال «وإذا حصلوا عليها سيشعرون بلا شك أنهم مازالوا بحاجة إلى 25% أخرى». أحدهم قال إنه لن يشعر بالأمان، إلا بعد أن يمتلك بليون دولار في البنك.

عصر ما بعد المجتمعات

يرى «جورج مونبيوت» أننا دمرنا الحياة الطبيعية، وتدهورت معيشتنا، وأسلمنا حريتنا وإمكاناتنا لاطمئنان مزيف وقاهر، واعتدنا على البؤس والغم؛ وبعد أن استهلكنا كل شيء، تحولنا لفريسة لأنفسنا، لقد دمرنا جوهرنا الإنساني، الذي هو «قدرتنا على الترابط والتواصل».

نعم هناك بعض المحاولات التي لا تتعدى كونها مسكنات، تقوم بها الجمعيات الخيرية؛ من أجل كبار السن، الذين يعانون من «الوحدة». لكن هذا ليس كافيًا، إذا أردنا حقًا كسر هذه الدائرة، والعيش سويًا في ترابط مرة أخرى، علينا كسر النظام الذي يدفعنا إلى قتال بعضنا بعضًا.

إن عصر ما قبل تحول الإنسان إلى كائن اجتماعي، الذي اقترحه «هوبز»، لا يعد سوى أسطورة، لكننا الآن ندخل عصر «ما بعد الكائن الاجتماعي»، أسلافنا لن يصدقوا ما حدث لنا أبدًا، لقد تراجعنا؛ فأصبحنا أكثر وحشية، وبهيمية، وفقدنا عقولنا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد