لقد خرج الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد رسميًّا من المؤسسة السياسية على أمل أن يغيرها في نهاية المطاف.

كتب حميد رضا عزيزي، الباحث في «المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية» في العاصمة الألمانية برلين، والأستاذ المساعد للدراسات الإقليمية بجامعة «شهيد بهشتي» سابقًا، مقالًا نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية عن محاولة الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد التسجيل لخوض انتخابات الرئاسة التي ستجريها إيران في العام الجاري، ورفض مجلس صيانة الدستور ترشحه. ويرى الباحث أن أحمدي نجاد يسعى إلى تغيير النظام السياسي في إيران الذي دأب على تحديه منذ انتهاء رئاسته.

ويشير الباحث في مستهل مقاله إلى ما اتَّسمت به رئاسة أحمدي نجاد قائلًا: اشتهرت ولايتا محمود أحمدي نجاد بصفته رئيسًا لإيران، من 2005 إلى 2013، بحماسته الأيديولوجية، وسياسته الخارجية العدوانية، وخطاباته الحادة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. غير أنه منذ ترك منصبه، استفاد في الغالب من مهاراته في التحريض الشعبوي ضد نظام الحكم الإيراني. ووصلت هذه الحملة الأخيرة إلى ذروتها هذا الشهر عندما سجَّل للترشح للرئاسة مرةً أخرى.

وكما هو متوقع، استُبعِد أحمدي نجاد في النهاية من خوض الانتخابات. لكن هذا يُعد انتصارًا للرئيس السابق، إذ إنه لم يكن يريد الفوز بالرئاسة هذا العام، وتتمثل خطته على وجه التحديد في أن يُمنَع من الفوز، لكي يكون في وضع أفضل لتصوير نفسه على أنه ضحية نظام غير عادل في واقع الأمر.

التهديد بالمقاطعة

وأشار الكاتب أنه عند التسجيل في انتخابات هذا العام في وزارة الداخلية، هدَّد أحمدي نجاد على الفور بمقاطعة الانتخابات إذا قرر مجلس صيانة الدستور – الهيئة التي يقودها المحافظون والمسؤولة عن فحص المرشحين – استبعاده. كما أوضح أنه لن يؤيد أي مرشحٍ آخر.

Embed from Getty Images

وكان رد فعل الشخصيات المحافظة سريعًا، كما يقول الباحث، إذ انتقدت أحمدي نجاد لتحديه النظام الانتخابي نفسه الذي استغله في وقت سابق مرتين لكي يصبح رئيسًا للبلاد. لكن الرئيس السابق لم يكن لديه رغبة في التوقف عن إثارة غضب حلفائه السابقين. وبدلًا من ذلك، وفي مقابلة لاحقة، أطلق على نفسه وصف «الديمقراطي الليبرالي»، وهو مصطلح يستخدمه غالبًا المتشددون في إيران لتشويه سمعة خصومهم. وتابع قائلًا: «أنا لست أحمدي نجاد الماثل في ذهنك». وهذا الجزء الأخير هو المفتاح لفهم رسالته: أنه لم يعُد الشخص الذي كنَّا نعرفه.

تحول أحمدي نجاد والاختلاف مع مراكز القوة

يضيف الكاتب: في الواقع، بدأ أحمدي نجاد تحوله قبل عقد من الزمن، خلال مدة ولايته الثانية رئيسًا للبلاد. وكان ابتعاده عن المعسكر المحافظ للحكومة الإيرانية، بما في ذلك المرشد الأعلى، مدفوعًا بتفسيره الواسع للدعم المطلق من جانب آية الله علي خامنئي له في أعقاب انتخابات 2009 المزورة. وبدا أن أحمدي نجاد يفسر ذلك على أنه ضوء أخضر يتيح له أن يفعل ما يحلو له أثناء توليه منصب الرئيس. وكانت النتيجة نشوب خلاف خطير بين إدارته وجميع مراكز القوة الأخرى تقريبًا في إيران، بما في ذلك القضاء والبرلمان والحرس الثوري الإيراني وحتى خامنئي نفسه. على سبيل المثال، اتَّهم نجاد الحرس الثوري الإيراني بـ«التهريب» والقضاء بانتهاك الدستور. كما تحدى أمر خامنئي بعدم إقالة وزير المخابرات حيدر مصلحي، لكنه امتثل له في النهاية.

ويلفت الكاتب إلى الأمر الذي لم يفكر فيه أحمدي نجاد على الأرجح، وهو أن المعسكر المحافظ نفسه الذي قمع الحركة الخضراء (سلسلة احتجاجات في أعقاب الانتخابات الرئاسية الإيرانية 2009، وبعد أن أعلنت الحكومة الإيرانية فوز محمود أحمدي نجاد بولاية ثانية) لصالحه سيفعل الشيء نفسه مع أي مثيري شغب آخرين محتملين. وعند نهاية ولايته الثانية في عام 2013، قرر أحمدي نجاد الحفاظ على قبضته على السلطة من خلال تسليم الرئاسة إلى أحد أعضاء دائرته المقربين. وألقى بدعمه خلف محاولة مستشاره المقرب إسفنديار رحيم مشائي الوصول للرئاسة، حتى أنه رافق مشائي إلى وزارة الداخلية للتسجيل باعتباره مرشحًا للرئاسة.

منطقة الشرق

منذ 10 شهور
«أحلام» أحمدي نجاد.. هل يمكن لمن عصى أوامر خامنئي أن يصبح رئيس إيران المقبل؟

غير أن مشائي، الذي كان يمقته المحافظون بسبب مواقفه المثيرة للجدل بشأن الإسلام ورجال الدين، فشل في تجاوز حاجز مجلس صيانة الدستور. وانتهى به الأمر في السجن بعد أربع سنوات بتهم مثل «العمل ضد الأمن القومي» و«الدعاية ضد النظام». وقد لقي حميد بقائي، وهو مساعد آخر مقرب من أحمدي نجاد، مصيرًا مماثلًا بعد مدة وجيزة من منعه من الترشح في الانتخابات الرئاسية لعام 2017. وكانت تلك الانتخابات نفسها التي استبعد فيها مجلس صيانة الدستور أحمدي نجاد بعد أن تجاهل نصيحة خامنئي بعدم الترشح. وبحلول ذلك الوقت، أصبح من الواضح بالفعل أنه لن يكون له ولا أي شخص مقرب منه أي فرصة لتولي المناصب التنفيذية العليا في البلاد.

تجاوز الخطوط الحمراء للنظام السياسي

ويوضح الكاتب أنه عندما توصل أحمدي نجاد إلى نتيجة مفادها أنه لن يجد طريقًا للعودة إلى السلطة من خلال النظام، قرر أن يحفر له طريقًا حولها. وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، تجاوز عديدًا من أوضح الخطوط الحمراء للنظام السياسي الإيراني، من دعم احتجاجات 2018 و2019 إلى التحدث عن «الفساد المنهجي» في إيران وانتقاد تدخُّل البلاد في سوريا ضد إرادة الشعب السوري.

وذهب إلى حد الادِّعاء بأنه لا علاقة له بقمع متظاهري الحركة الخضراء، مشيرًا بدلًا من ذلك إلى «عصابة منظمة» داخل النظام الأمني هي التي ​​لجأت إلى العنف ضد المحتجِّين. وفي الوقت نفسه، شرع في أداء قوي على وسائل التواصل الاجتماعي لتصوير نفسه على أنه سياسي حديث يستخدم وسائل التكنولوجيا الجديدة لإيصال رسائل عن «السلام والحرية والعدالة» إلى العالم.

وينبغي أن يُنظر إلى ترشيح أحمدي نجاد الذي رُفِض على أنه المرحلة الأخيرة من هذه الحملة الطويلة الأمد لتغيير صورته. لقد فهم أنه من غير المرجح أن يؤهله مجلس صيانة الدستور لخوض انتخابات هذا العام. لكن الرفض كان بالضبط ما يريده، إذ يمكن أن يساعده على إبراز صورة شخصية مُعارِضة تسعى بلا كلل إلى إحداث التغيير ولا تخشى مواجهة المؤسسة الإيرانية مباشرةً.

حكومة إسلامية من دون ولاية الفقيه والمرشد الأعلى

ويمضي الباحث إلى أن أحمدي نجاد لا شك يدرك أنه من غير المرجح أن يصبح رئيسًا مرةً أخرى، لكن طموحاته تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك المنصب. وإذا كان هناك أي شيء، فإنه يبدو أنه ينتظر فراغ السلطة الذي من المرجح أن ينشأ بعد وفاة خامنئي البالغ من العمر 82 عامًا.

Embed from Getty Images

وفي وضع لا توجد فيه معارضة سياسية منظمة داخل البلاد وجماعات المعارضة الموجودة في الخارج إما مجزأة للغاية أو تفتقر إلى الدعم الشعبي، يريد أحمدي نجاد أن يقوم بدور زعيم وطني مناهض للمؤسسة. ووفقًا لعبد الرضا دافاري، مستشار أحمدي نجاد السابق والذي يُعد الآن أحد كبار منتقديه، يعتقد الرئيس السابق أن الجمهورية الإسلامية ستنهار بموت خامنئي. غير أنه على عكس ادِّعاءاته بأنه ديمقراطي ليبرالي، فإن بديله المثالي للنظام السياسي الحالي سيكون نوعًا آخر من الحكومة الإسلامية من دون وجود ولاية الفقيه أو المرشد الأعلى على قمتها.

أحمدي نجاد بحاجة إلى توسيع قاعدته

ويرى الباحث أنه لكي ينجح، يحتاج أحمدي نجاد إلى توسيع قاعدته السياسية. وفي الوقت الحالي، يبدو أن الطبقة الوسطى المتعلمة – التي تمثل القاعدة الاجتماعية التقليدية للمعسكر الإصلاحي – فقدت الأمل في العمل من خلال النظام السياسي بعد أن شهدت سِجِل الرئيس حسن روحاني المخيب للآمال والسلطة المتزايدة التي يمارسها المتشددون والأجهزة الأمنية.

ويبدو أن هدف أحمدي نجاد يتمثل في كسب ولاء الطبقات الدنيا تدريجيًّا، وعلى نحوٍ مثالي، وجيل الشباب الذي ليس لديه ذكريات مباشرة عن رئاسته والحركة الخضراء من خلال تقديم وعود خطابية مستمرة عن العدالة والحرية ومكافحة الفساد. وإذا كان التاريخ مثالًا على ذلك، فقد ينتهي به الأمر إلى تغيير صورته بنجاح لكي يصبح بطلًا للتغيير. وتمكن الراحل آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني، الرئيس الأسبق الذي تشكلت ضده حركة الإصلاح في عام 1997، من تغيير صورته باعتباره مؤيدًا للإصلاح بحلول عام 2005 وحتى باعتباره قائدًا إصلاحيًّا بحلول الوقت الذي توفي فيه في عام 2017.

ويختتم الباحث مقاله بالتأكيد على أن أحمدي نجاد على حق: إنه ليس الشخص الذي عرفه العالم منذ سنوات. وأصبح أحمدي نجاد، الذي كان ذات يوم رئيسًا متعصبًا أيديولوجيًّا عديم الخبرة، سياسيًّا مكيافيليًّا يعرف كيف يلعب لعبةً طويلةً. وسنعرف قريبًا هل اكتسب زخمًا كافيًا ليحظى بفرصة أن ينتهي به المطاف بالوصول إلى القمة أم لا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد