تعلَّم الأردنيون الفقراء في مدينة المفرق الشمالية أن يلعنوا وصول هيئات المساعدات الأجنبية، فمنذ أن بدأت في توزيع النقود على اللاجئين السوريين لمساعدتهم في دفع تكاليف السكن، ارتفعت أسعار الإيجار ارتفاعًا هائلًا، ممَّا تسبَّب في طرد بعض الأُسَر من منازلها بسبب الأسعار. وكما تقول مستشارةٌ لإحدى المؤسَّسات الخيرية البريطانية: «قد نتحمَّس كثيرًا ونُوزِّع أشياء دون النظر إلى أثر ذلك على المجتمعات الأخرى».

تلعب المساعدات الآن دورًا كبيرًا في الشرق الأوسط المضطرب، استهلكَت المنطقة العام الماضي 60% تقريبًا من الميزانية العالمية للإغاثة الإنسانية التي وصلَت إلى 25 مليار دولار تقريبًا. وكان أكبر أربعة من المُتلقِّين للإغاثة من الشرق الأوسط باستثناء واحدة؛ وهي جنوب السودان. ما تزال حكايات الأفعال البطولية الطيِّبة كثيرة، ولكن تبدو هيئات المساعدات اليوم أكثر برودًا من الأم تيريزا.

من الصعب قياس مدى فاعلية كل تلك المساعدات، تُجري هيئات المساعدات تقييمات سريعة للمشاريع، ولكنَّها تقول إنَّ مصادرها ممتدة للغاية على نحوٍ لا يسمح بإجراء تقييمات شاملة. من الصعب عادةً معرفة عدد الأشخاص المُستفيدين، من السهل حساب عدد حصص الطعام المُوزَّعة ولكن صنبور المياه قد يخدم سُكَّان مقاطعة بأكملها. يقول عامل سابق بمنظمة مساعدات تمد غزة بالأنابيب: «نحن نُضخِّم من الأعداد».

هناك مشكلة أكبر، وهي العواقب غير المُخطَّط لها للمساعدات؛ وإحداها رفع الأسعار، ولعب دور المغناطيس عاقبة أخرى. لقد جعل خطف العاملين بالإغاثة وقطع رؤوسهم من العمل في معظم أنحاء سوريا خطيرًا جدًا، وقد توقَّفت منظمة «ميرسي كوربس» الأمريكية؛ التي تُعَد أكبر منظمة تعمل في قطاع تُسيطر عليه المعارضة، عن إرسال عاملين إغاثة أجانب منذ عامين. تشعر هيئات الإغاثة الدولية الكُبرَى أنَّ فرصتها الأفضل هي تقديم معظم مساعداتها على الجانب الآمن من الحدود في العراق والأردن ولبنان وتركيا.

يصبح الأشخاص لاجئين لأسباب عديدة، ولكن أحد الأسباب الكبيرة هو الوصول إلى تلك المساعدات، فيقول رينود ليندرز من جامعة كينجز بلندن؛ والذي يُقدِّم استشارات للحكومات الأجنبية حول المساعدات: «إذا لم يصل الطعام إلى الناس، سيأتون إليه». ما زالت هيئات المساعدات بعد أربعة سنوات من بدء الأزمة السورية تُنفِق حوالي ضعف ما تُنفِقه (5,5 مليار دولار) على اللاجئين السوريين المُسجَّلين خارج البلاد الذين يُقدَّرون بحوالي أربعة ملايين، على مَن يُعتقَد أنَّهم نازحون داخل البلاد والذين يُقدَّرون بحوالي 7,6 مليونًا.

على الرغم من قرارات مجلس الأمن المقصود بها فرض طرق لعبور المساعدات إلى داخل سوريا، إلَّا أنَّ الدخول إلى البلاد ما يزال صعبًا، تقول الأمم المتحدة إنَّ المساعدات الغذائية لا تصل سوى إلى 12% فقط من 4,5 ملايين سوريًّا تُعِدّهم في مناطق «من الصعب الوصول إليها»، وتصل الإمدادات الطبية إلى أقل من 4%، وأولئك الذين لا تصلهم المساعدات شارفت أي محال أو إمدادات لديهم على الانتهاء. ويقول راي ماكجراث الذي يُدير برنامج ميرسي كوربس في شمال سوريا من العاصمة التركية أنقرة: «يقول المنتفعون من برنامجنا في سوريا لأول مرة إنَّهم لم يكونوا لينجوا دون مساعداتنا الغذائية، إذا لم نوصِّل إليهم المساعدات فإنَّ ما يبدو الآن أزمةً في أوروبا سيكون أسوأ كثيرًا جدًا»، مُشيرًا إلى تدفُّق المهاجرين الحالي إلى الغرب.

تقف العديد من العوائق في طريق الإغاثة حتى خارج سوريا، إذ تُقيِّد كلٌ من مصر والعراق وإسرائيل والسعودية وسوريا وصول العاملين بالإغاثة إلى قطاعاتهم، فيرفضون غالبًا منحهم التأشيرات. قد يُعقِّد المُتبرِّعون الأجانب الأمور بتغيير آرائهم حول الأولويات، وتعتمد الهيئات على التوسُّلات العاجلة، وهي طريقة تُفسِد التخطيط.

خفَّض برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة مؤخَّرًا حصص اللاجئين السورين بلبنان إلى 13 دولارًا فقط شهريًا لافتقاره إلى المال، وكذلك أغلقت منظمة الصحة العالمية 184 مركزًا كانوا يزوِّدون 3 مليون نازحًا عراقيًا بالطعام.

بما أنَّه من الصعب جدًا دخول الملابس الغربية إلى سوريا وجيرانها، فيمكن مطالبة المنظمات غير الحكومية المحلية بفعل المزيد، فقد تأكَّد في العديد من مؤتمرات المساعدات أنَّ الهيئات الأهلية تفهم الاحتياجات المحلية على نحوٍ أفضل وترغب في تجنُّب مخاطر الاعتماد على الأجانب. ولكن يبدو أنَّ العديد من منظمات المساعدات الغربية -التي تتمتَّع بعلاقات حميمة مع حكوماتها- كارهة لفكرة تسليم الأمور للمحليين. غالبًا ما يكون مديروها قد عملوا بأقسام المساعدات الحكومية سابقًا، ويشكو آلاستير كيلي من مؤسسة عمار؛ ومقرّها العراق، قائلًا: «نحن مُستبعَدون من فرص الربح الدولية».

تقول الهيئات الدولية إنَّها، على عكس المنظمات غير الحكومية المحلية، بعيدة عن الاشتباكات السياسية وتُشير إلى سياط الفساد المحلي، فتقول كريستينا كوربيت من منظمة أوكسفام الخيرية: «نحن نُنفِّذ مباشرةً لأنَّنا نريد أن نتأكَّد أنَّ المنظمات غير الحكومية المحلية ليست موجَّهة للعرب السُنَّة فقط أو للعرب الشيعة أو لأيٍ شخص فقط». ولكن رغم أنَّها أقل التزامًا نحو سياسة الشرق الأوسط، إلَّا أنَّها تخضع أحيانًا للضغط من قبل بلادها الأصلية، فيقول أحد مستشاري منظمة خيرية دولية كبيرة: «ننتهي عادةً إلى تنفيذ البرنامج الذي يريدنا المُتبرِّعون أن نُنفِّذه وليس الذي تحتاجه المجتمعات».

وهكذا سارعت الأمم المتحدة وهيئات المساعدات الكبيرة بالدخول إلى العراق وراء الدبابات الأمريكية عام 2003، وكأنَّها جيشها المدني. يقول بعض العاملين بالإغاثة في غزة الآن أنَّهم يشعرون بأنَّهم يدعمون الاحتلال الإسرائيلي، تُدير الأمم المتحدة مدارس وعيادات هناك، وتتولَّى مواد إعادة البناء التي تسمح إسرائيل بدخولها إلى القطاع المُحاصَر كلها.

يُقرِّر السياسيون في الدول المُتبرِّعة غالبًا أيَّ منظمات ينبغي التعاون معها، لا يذكر أحدٌ أنَّ إحدى هيئات الإغاثة قد حوكِمَت لتعاملها مع جماعة إرهابية، ولكن يرتكب العديد منها خطأ الحذر خوفًا من خسارة التمويل. يقول مارك مالوش براون؛ نائب الأمين العام للأمم المتحدة السابق الذي كان يتفاوض على اتفاقيات العبور الآمن مع حزب الخمير الحُمر الكمبودي: «كان الوضع سابقًا أنَّ العاملين بالإغاثة الإنسانية يتعاملون مع كل المتقاتلين». يقول إنَّه في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر أصبحت مثل هذه البراجماتية مستحيلة، فالعديد منهم على سبيل المثال يحجمون عن إضفاء الشرعية على الدولة الإسلامية عبر التفاعل معها فيما يتعلَّق بالمساعدات، ولكن إذا فشلَت اللقاحات في الوصول إلى الواقعين تحت سيطرتها، قد ينتشر وباء شلل الأطفال إلى خارج الخلافة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد