إن كنت تعيش في القاهرة بمصر، التي هي واحدة من أكثر المدن تلوثًا بحسب المنتدى الاقتصادي الدولي، فربما تتساءل أحيانًا عن السبب الذي يجعلك تشعر بالضيق والاكتئاب، وربما تلاحظ أيضًا سحب الدخان الأسود التي تملأ سماءها، وتُدرك الفارق الشاسع حين تذهب إلى إحدى المدن الساحلية المصرية وتستنشق الهواء العليل.

لكن هل هناك علاقة بين شعورك بالضيق في القاهرة وتلوث هوائها؟ بحسب بيتر هويلي، أستاذ الاقتصاد المساعد بجامعة ليدز، فإنَّ هناك علاقة على الأرجح بين الأمرين. وتحدث هويلي عن تلك العلاقة في مقالٍ نشره على موقع «ذا كونفرزيشن» الأمريكي.

في ظل كل مخاطر البيئة حولنا.. طبقة الأوزون تتعافى!

يوضح هويلي أنَّه لعقودٍ طويلة، كان «مقياس الناتج المحلي الإجمالي» هو الطريقة الوحيدة التي يُعرف بها مستوى الرفاهية في حياة الأمم. لكن مع مرور الوقت، بدا واضحًا أنَّ التنمية الاقتصادية غير مرتبطة برفع معدل سعادة الأفراد.

وهناك أسباب كثيرة لذلك، لكن أحد العوامل الهامة هو أنَّ الأمم كلما صارت أغنى، تعرضت السمات البيئية مثل المساحات الخضراء والهواء النظيف للخطر. وقد أقر البشر منذ سنواتٍ طويلة أنَّ إتاحة الحدائق والواجهات البحرية تسهم في تحسين الصحة العقلية.

لكن مؤخرًا بدأت أبحاثٌ أكثر في النظر إلى مسألة تلوث الهواء، والدور الذي قد يلعبه في صحتنا العامة وسعادتنا. وفقًا لهويلي، كشفت هذه الأبحاث استنتاجاتٍ ملموسة متمثلة في أثر تلوث الهواء على إنتاجية العمل والأداء المعرفي، وأصبحت الآثار الضارة لتلوث الهواء بارزة ومعروفة.

القاهرة

أحد هذه الآثار في رأي الكاتب هو الربط المعترف به بين موت الأطفال حديثي الولادة وأمراض الجهاز التنفسي، والإحصائية التي نشرتها منظمة الصحة العالمية، التي تفيد بحدوث 7 مليون وفاة كل عام نتيجة تلوث الهواء.

ربما يموت العديد من الناس جراء هذا التلوث، ويُصاب آخرون بأزماتٍ صحية مزمنة، لكنَّ التركيز على هذه المؤشرات الموضوعية يجعلنا لا ندرك قيمة التكلفة الحقيقية التي ندفعها ثمنًا للرفاهية. لأنَّنا الآن، وفقًا للكاتب، صرنا نملك أدلة قوية على وجود رابطٍ مباشر بين جودة الهواء من ناحية، والصحة العقلية العامة والسعادة من ناحية أخرى.

أدلة من كل أنحاء العالم

يرى هويلي أنَّ الأدلة التي تدعم نظريته تجيء من مجموعةٍ متنوعة من الدراسات في عدة دول مختلفة، وتُستخدم لإثباتها مناهج تحليلية مختلفة.

والسمة المشتركة في هذه الدراسات كلها أنَّها تتابع أشخاصًا بعينهم لفترة طويلة، ثم تكتشف أنَّ التغيرات في جودة الهواء في المناطق التي يعيش فيها هؤلاء مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بسعادتهم حسبما عبروا عن حالتها.

ويضرب هويلي مثالًا على ذلك، وجده في دراسةٍ بعينها نظرت بتمعن إلى ما حدث في ألمانيا، حين وُضعت مرشحاتٌ على محطات توليد الطاقة للحد من انبعاثاتها الملوثة. استطاع باحثو الدراسة الوصول إلى بياناتٍ ضخمة عن السعادة، نتجت عن استطلاعٍ طويل المدى أُجريَ على عينة من 30 ألف مواطن ألماني، وقسمت البيانات هؤلاء الأشخاص حسب قربهم أو بعدهم عن محطات توليد الطاقة.

بمعدل 4 جرائم في الأسبوع.. لماذا تقتل العصابات والدول المدافعين عن البيئة؟

بعدها لاحظ الباحثون تحسُّنًا في مستويات السعادة عند الأشخاص الذين يقطنون في منازل توجد في اتجاه الرياح بعد تركيب المرشحات، بينما لم يستفد جيرانهم البعيدون عن اتجاه الرياح والمرشحات.

هذا النوع من المقارنات المتمثل في التجربة الطبيعية التي يستحيل تطبيقها في المختبر يساعد في تأكيد أنَّ تحسن مستوى السعادة يرتبط إلى حد كبير بتحسن جودة الهواء مقارنةً بكل العوامل الأخرى.

يبحث الاقتصاديون والعلماء باستمرار عن طرقٍ جديدة لاختبار الرابط بين جودة الهواء والمزاج الجيد. ويقدم هويلي مثالًا على ذلك، ألا وهو الدراسة المنشورة حديثًا في دورية «نايتشر هيومان بيهايفيور» عن الصين. فحص الباحثون في الدراسة 210 مليون رسالة منشورة على موقع «ويبو» الصيني (النظير الصيني لتويتر).

حدَّد الباحثون المكان الذي أُرسلت هذه الرسائل منه، ومدى سعادة أو تعاسة أصحابها حسب كتاباتهم، ثم طابقوا نتائج كل منطقة بمؤشر جودة الهواء المحلي اليومي، وهكذا استطاعوا توفير مثالٍ حقيقي على الرابط بين تلوث الهواء والسعادة.

وبتحليل البيانات من 144 مدينة صينية، اكتشفوا أنَّ مشاعر السعادة التي يعبر عنها البشر تكون أقل في الأيام التي يكون مستوى التلوث فيها مرتفعًا نسبيًا.

هذه الدراسة تأتي إلى جانب مجموعةٍ كبيرة من الأبحاث التي تقترح أنَّ تلوث الهواء يمكن أن يكون ضارًا للسعادة، لكنَّنا لا زلنا في حاجة إلى أبحاثٍ أكثر لتفسير السبب.

ويضيف هويلي أنَّه بينما قد تعد الصحة عاملًا مؤثرًا في السعادة بلا شك، لكنَّنا نعرف من الدراسات التي تُجرى على بشرٍ حالتهم الصحية متطابقة أنَّ تلوث الهواء يؤثر على السعادة أكثر مما يؤثر أي عامل آخر متعلق بالحالة الجسدية.

وتتضمن الأسباب المحتملة لهذا الرابط المباشر أمورًا مثل النواحي الجمالية كالضباب، والرائحة، وحتى الطعم، بالإضافة للقلق حول الصحة الشخصية أو صحة الآخرين. وبحسب هويلي، كان تلوث الهواء أيضًا نقطة تركيز في دراساتٍ متعددة أُجريت على عجز الإدراك، لكنَّ الوقت ما زال مبكرًا لتحديد ما إن كان تلوث الهواء له دورٌ في صحة العقل.

سيكيولوجية السعادة أو كيف تصبح أقل حزنًا

لا زال تحسين مستوى رفاهية الأفراد أحد أهم أهداف السياسات العامة وأكثرها وضوحًا. وحتى الآن، كان التركيز كله منصبًا على الرفاهية المادية، لكنَّ العديد من علماء الاجتماع وصانعي السياسات يجادلون الآن بحسب هويلي أنَّنا نحتاج أن نأخذ بعين الاعتبار أفكار الناس عن جودة الحياة التي يعيشونها. وهذا لا يعني تجاهل العوامل المادية مثل الدخل أو الصحة الجسدية، بل هو محاولة للوصول لصورة كاملة عن الرفاهية الاجتماعية، والتي علينا لتحقيقها أن نمعن النظر في مؤشراتٍ ذاتية مثل السعادة.

ويختم هويلي أنَّه بقيامنا بذلك، فنحن نأخذ في حسباننا التكلفة الكلية التي ندفعها نتيجة التدهور البيئي، ما سيُحسن حياتنا جميعًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد