نشرت مجلة «أطلس أوبسكيورا» الإلكترونية تقريرًا حول الغموض الذي يحيط برحلات «سيناء للطيران»، وهي شركة خاصة تُسَيِّر رحلات مباشرة بين مطار القاهرة الدولي المصري ومطار بن جوريون الدولي في تل أبيب. 

استهل التقرير الذي أعدته الكاتبة شيرا تيلوشكين بالعودة إلى العام 2007، حين ذهب مايكل بالي إلى القاهرة لزيارة ابنته نعمة، وهي طالبة في السنة الثالثة في جامعة ميتشجان، كانت تقضي فصلًا دراسيًا في مصر لدراسة اللغة العربية. كان لدى مايكل رحلة عمل في إسرائيل، مقررة لبضعة أسابيع لاحقًا، لذا طلب من أحد مديري الرحلات أن يحجز له تذكرة مباشرة من القاهرة إلى تل أبيب؛ وهي رحلة مدتها 50 دقيقة.

يقول مايكل متذكرًا تلك الرحلة: «لم أكن متوترًا من قبل بشأنها، ولكن عندما وصلتُ إلى المطار شعرت بالتوتر؛ لأنني لم أستطع العثور على البوابة. لم تظهر الرحلة على الشاشة، لذلك اضطررتُ إلى سؤال شخصٍ عن المكان الذي يتعين عليّ التوجه إليه، وعندما عثرتُ على البوابة، لم تكن هناك علامة تشير إلى أن هذه هي تل أبيب».

فنون

منذ سنة واحدة
«هآرتس»: «يا سادات يا زعيمنا».. هذه الأغاني هيأت المصريين لتقبل «كامب ديفيد»

في النهاية، وُجِّه مايكل إلى حافلة نقلته هو والركاب الآخرين إلى زاوية بعيدة من المدرج، حيث كانت تنتظرهم طائرة بيضاء صغيرة بدون علامات ولا تحمل شعارًا، فاستقلوها. يقول مايكل عن تجربته تلك: «الشعور الذي يعتريك في ذلك الموقف هو أنك ذاهب إلى مكان غير شرعي»، مشيرًا إلى أن غرابة الرحلة بقيت معه حتى بعد مرور سنوات. «أنت تقتحم أسوار تجربة مجهولة الملامح، ومن الواضح أنك لست في ميلان أو نيويورك».

من رحم «اتفاقية السلام» مع إسرائيل.. قصة ولادة «سيناء للطيران»

يضيف تقرير مجلة «أطلس أوبسكيورا»: كانت الطائرة التي لا تحمل علامات تتبع شركة «سيناء للطيران»، التي تُسَيِّر رحلات بين القاهرة وتل أبيب فقط. ففي عام 1979، وقعت إسرائيل ومصر معاهدة سلام تاريخية، تحت إشراف الولايات المتحدة، كانت إيذانًا بتدشين علاقات دبلوماسية بين البلدين، وبذلك أصبحت مصر أول دولة عربية تعترف بدولة إسرائيل.

وتتولى شركة «سيناء للطيران» – التي تأسست في عام 1982 – تطبيق بندٍ في تلك المعاهدة، كان يجب تنفيذه في غضون ثلاث سنوات من توقيعها، يفيد بأنه يجب على كلا البلدين الحفاظ على مسارات طيران مدنية نشطة؛ ما يعني أنه يجب دائمًا أن تكون هناك رحلة مباشرة بين مصر وإسرائيل. لكن لم يكن ضروريًا أن يحدث ذلك علانيةً تحت الأضواء. 

يقول السفير الأمريكي الأسبق دانييل كيرتزر، الذي أشرف على تنفيذ شروط المعاهدة بصفته سفير الولايات المتحدة في مصر خلال الفترة من 1979 إلى 1982: «لقد قاطع كل العالم العربي تقريبًا مصر بعد المعاهدة»، وأضاف أن رد فعل دول الجوار، بالإضافة إلى العداء العام تجاه إسرائيل في أوساط المواطنين المصريين؛ جعل مصر مترددة في تسيير رحلات علنية بين القاهرة وتل أبيب على متن طائرات شركة «مصر للطيران»، وهي شركة الطيران الوطنية التي كانت تحظى بمكانة رائدة في أنحاء العالم العربي. ويضيف: «جزء من حسابات مصر لهذه الخطوة كان مفاده: أن مثل هذا الارتباط الظاهر كفيل بتوتير الأجواء».

من رحم هذا التردد وُلدت شركة «سيناء للطيران»، التي أتاحت لمصر الوفاء بشروط المعاهدة دون توريط شركة «مصر للطيران» مباشرة في هذه المسألة الحساسة. بيدَ أن شركة «سيناء للطيران» استخدمت الطيارين والطائرات والمضيفات التابعين لشركة «مصر للطيران»، بموجب عقد إيجار شامل، وهذا لم يكن يعني فعليًا وجود أي فارق بين شركتي الطيران، باستثناء الفارق الموجود على الورق.

وعلى الرغم من ذلك، كان الحذر لا يزال قائمًا، وهو ما يتضح من عدم وجود أي شعارات على الطائرات، بما يمنح بعض الخصوصية للرحلة، فيما أثار كثيرون أسئلة حول ما إذا كان الجيش المصري يراقب المسافرين بين البلدين. وقال السفير كيرتزر إنه لن يفاجأ إذا كان للجيش المصري حصة في شركة الطيران.

دهاليز حجز تذكرة على متن «سيناء للطيران»

يتابع التقرير: كما أضفى هذا التردد خصوصية قصوى حول وجود شركة «سيناء للطيران». فخلال معظم تاريخها، كان أي شخص يبحث عبر الإنترنت عن تذاكر لرحلة طيران بين القاهرة وتل أبيب يجد مجموعة من الخيارات لشركات طيران تقدم رحلات غير مباشرة، تتضمن محطات توقف في أماكن مثل عمان أو الأردن أو اسطنبول أو تركيا. وقد يجد الباحث بعض الإشارات إلى رحلة مباشرة تديرها شركة طيران تسمى «سيناء للطيران»، ولكن أي محاولة لحجز مقعد على تلك الرحلة ستنتهي برسالة تنصح بالاتصال بوكيل سفر أو الاتصال بشركة الطيران مباشرة.

Embed from Getty Images

لكن ثمة مشكلة تعوق تطبيق هذه النصيحة هي: عدم وجود موقع إلكتروني لشركة «سيناء للطيران»، ولا يوجد جدول زمني معلن للرحلات الجوية، ولا آلية للحجز عبر الإنترنت. كما لا يوجد رقم للاتصال به. وعلى الرغم من أن هذه الشركة كانت من الناحية الفنية تابعة لشركة «مصر للطيران» منذ عام 2002، إلا أن «مصر للطيران» تظاهرت بعدم وجود ارتباط بين الشركتين. وبالتالي فإن الطريقة الوحيدة لحجز تذكرة على متن رحلة «سيناء للطيران»، لمن يعرفون هذه الدهاليز، هي: إتمام الحجز عبر وكالة سفر تقدم خدمات شاملة، أو مراسلة الشركة عبر البريد الإلكتروني الذي لا يمكن العثور عليه إلا من خلال سؤال شفهي. بعدها سيطلب الموظف صورة ضوئية من جواز سفرك، وتحويلًا إلكترونيًا دوليًا لتغطية ثمن التذكرة.

لا تتقاضى شركة الطيران سوى أموالا نقدية، وأحيانًا لا تقبل من العملات إلا الدولار الأمريكي. ولسنوات، قبل أن تقبل شركة «سيناء للطيران» رسائل البريد الإلكتروني والتحويلات الإلكترونية، كان المسافرون المرتقبون يصلون إلى مكتب تل أبيب وبحوزتهم مظاريف نقدية، ويغادرون، حتى أواخر عام 2010، وبحوزتهم تذكرة صفراء عتيقة الطراز تبدو وكأنها قادمة من رحم الخمسينات. 

في الآونة الأخيرة أصبح المسافرون يتلقون معلومات رحلتهم عبر البريد الإلكتروني. ولم تكن بطاقات الائتمان خيارًا متاحًا، ولا تزال كذلك، عند التعامل مباشرة مع شركة الطيران. وحين احتاجت إحدى المسافرات الأمريكيات مؤخرًا إلى إلغاء رحلتها، كان عليها أن تعثر على صديقة لديها حساب مصرفي إسرائيلي يمكنه قبول الأموال المستردة بالنيابة عنها.

ويصف الكثيرون تجربة حجز رحلات هذه الشركة بأنها حميمة على نحوٍ غريب، وتشبه كيفية عمل شركات الطيران قبل أن تنتقل التعاملات إلى الإنترنت. ويتذكر أحد الركاب أنه تلقى مكالمة هاتفية في يونيو (حزيران) 2019 من المرأة نفسها التي كان قد تواصل معها عبر البريد الإلكتروني لحجز رحلته. اتصلت به لإخباره بأنهم سيعيدون جدولة رحلته إلى اليوم التالي؛ لأن مجموعة حجاج من جنوب أفريقيا حجزوا الطائرة بأكملها في التاريخ الذي كان قد اختاره سابقًا.

«سيناء للطيران» تعلن عن نفسها في 2020

على مر السنين، استطاع الركاب اختراق حُجُب الارتباك وإيجاد بعض الحلول لإتمام الحجز. مثلًا: قال زوجان من مدينة أتلانتا عاصمة ولاية جورجيا الأمريكية، سافرا على متن رحلة «سيناء للطيران» في صيف عام 2019: إنهم اتصلوا ببساطة بشركة «مصر للطيران» من الولايات المتحدة، واستمروا في الانتقال حتى وجدوا شخصًا على استعداد لأخذ معلومات بطاقة الائتمان الخاصة بهم، وحجز التذاكر لهم.

وأفاد ركاب سافروا في عام 2013 بأنهم حجزوا على متن رحلات «مصر للطيران» من مواقع في جنوب إفريقيا، مثل كيب تاون أو جوهانسبرج، وكان بإمكانهم تحديد تل أبيب كوجهة نهائية عبر الإنترنت، مع توقُّف في القاهرة لنقل المسافرين إلى رحلة «سيناء للطيران». لكن هذا الخيار لم يعد متاحًا في عام 2014، عندما أزالت «مصر للطيران» إسرائيل رسميًا من خريطة رحلاتها خلال حرب غزة الثانية، وأسقطت كل ذِكر لتل أبيب على موقعها عبر الإنترنت. ومن المثير للاهتمام أنه في عام 2014 أيضًا بدأ مطار القاهرة الدولي ومطار بن جوريون الدولي في تل أبيب في عرض رحلة «سيناء للطيران» على لوحات التسجيل العامة.

Embed from Getty Images

في فبراير (شباط) 2020، ظهر موقع سيناء للطيران flyairsinai.com. وهكذا فجأة، أصبح متاحًا لأي شخص خيار حجز تذكرة على متن رحلات «سيناء للطيران»، ويمكن للمسافرين اختيار أي من الرحلات اليومية دون الحاجة إلى تبادل رسائل البريد الإلكتروني مع شخص في مكتب «سيناء للطيران»، بل يمكنهم حتى استخدام بطاقات الائتمان.

في حين يمكن للمرء أن يعتبر هذا علامة على زيادة الدفء في العلاقة بين إسرائيل ومصر، يؤكد تقرير مجلة «أطلس أوبسكيورا» أن المسألة برمتها تفتقر إلى الشفافية. إذ يكتفي الموقع بوصف نفسه بأنه وكالة سفريات خارجية، بينما لا توجد معلومات اتصال مدرجة، ولا وجود لوسائل التواصل الاجتماعي.

والموقع ومطوره يتخذان من المملكة المتحدة مقرًا لهما. وعندما سُئلت موظفة مسؤولة عن حجز التذاكر  في «سيناء للطيران» مباشرة عن موقع flyairsinai.com أنكرت وجود أية علاقة للشركة بالموقع، على الرغم من أنها ختمت رسالتها الإلكترونية برمز تعبيري مبتسم. ثم توقفت عن الرد على أي طلبات للتعليق. ناهيك عن عدم وجود أية علامات على الطائرة. 

هل يستطيع المصريون والإسرائيليون تبادل الزيارات علانيةً قريبًا؟

يكمل تقرير مجلة «أطلس أوبسكيورا»: على مدى عقود، كان تسيير خط طيران بين مصر وإسرائيل يمثل انعكاسًا للتطورات السياسية. فبعد تأسيس «سيناء للطيران» في عام 1982، تولت الشركة الجديدة مسؤولية إدارة خط القاهرة – تل أبيب بدلًا عن شركة «نفرتيتي للطيران»، التي أسسها رجل الأعمال المصري، إلهامى الزيات، للاستفادة من فرصة السياحة الجديدة من خلال تسيير رحلات بين البلدين ما بين عامي 1980 و1982. كما يدير الزيات أسطولًا من الحافلات يتنقل بين البلدين، ظل هو وسيلة السفر الشعبية للإسرائيليين الذين يزورون مصر حتى عام 2012، عندما أجبرت المخاوف الأمنية الحافلات على إلغاء خدماتها. 

كانت غالبية المسافرين جوًا في العقود الأولى من السياح الإسرائيليين التواقين إلى التدفق عبر الحدود، وزيارة أحد البلدان القليلة التي يمكنهم الآن السفر إليها برا، وسط حشدٍ من الجيران الذين لا يزالون في حالة حرب معهم من الناحية الفنية. وكانت الرحلة شائعة أيضًا في أوساط الحجاج المسيحيين الدوليين الذين يزورون الأماكن المقدسة في المنطقة، ورجال الأعمال المسافرين في الشرق الأوسط.

Embed from Getty Images

كما سيَّرت شركة «العال» الوطنية الإسرائيلية، التي أصبحت خاصة منذ ذلك الحين، رحلة منتظمة لسنوات. وأوقفت شركة «العال» رحلاتها في عام 2012، بعدما أوقفت المخاوف بشأن الربيع العربي السياحة الإسرائيلية إلى مصر تمامًا، تاركة طائرات «العال» فارغة تقريبًا بين العاصمتين، بتكلفة أمنية وتشغيلية كبيرة.

في ذلك الوقت، ظلت «سيناء للطيران» هي شركة الطيران الوحيدة التي تفي بشروط عام 1979 لتطبيع العلاقات بين الدولتين، على الرغم من أن التأثير كان ضئيلًا على الجانب المصري، حيث كانت السياحة المصرية لإسرائيل يغلفها الهدوء. وفي حين أن الحكومة المصرية غالبًا ما تروِّج لعدم وجود مشكلة في زيارة إسرائيل، فإن الحقيقة هي أنه لا تزال هناك مقاومة محلية قوية ضد زيارة إسرائيل.

كما أن السفر أكثر صعوبة بالنسبة للمصريين، الذين يتحتم عليهم الحصول على تأشيرة خروج من الحكومة المصرية حتى لزيارة إسرائيل، بالإضافة إلى تأشيرة من السفارة الإسرائيلية، التي ليس لديها حاليًا موظفون على الأرض في مصر. ويحتاج المواطنون المصريون الذين تقل أعمارهم عن سن معينة، تتراوح بالنسبة للرجال من 60 إلى 45 عامًا، وبالنسبة للنساء تحت سن 35 عامًا، إلى تصريح إضافي. (يُنظَر إلى الشباب باعتبارهم يشكلون تهديدًا سياسيًا محتملًا أكثر من غيرهم).

وتفيد التقارير بأن طلبات السفر عرَّضت مقدميها إلى استجواب عنيف من السلطات المصرية حول أسباب الزيارة، مما تسبب في توتر سياسي يعترف معظم المصريين بأنه لا يستحق. وتشير السفارة الإسرائيلية حاليًا عبر موقعها على الإنترنت إلى أنه من غير المرجح الموافقة سريعًا على منح تأشيرة لأي رجل مصري دون سن الخمسين، وأية امرأة مصرية تحت سن 35. 

حدث التحول المهم الوحيد على مستوى السياحة في أوساط المسيحيين الأقباط؛ ففي عام 2015، ألغى البابا تواضروس الثاني، بابا الكنيسة القبطية، الحظر المفروض على زيارة إسرائيل، الذي أصدره سلفه في أعقاب معاهدة السلام لعام 1979. ومنذ ذلك الحين تواصل تدفق المسيحيين الأقباط على الأماكن الدينية في إسرائيل بأعداد متزايدة. وعلى الرغم من انخفاض السياحة الإسرائيلية، إلا أنها لا تزال موجودة، فيما يخفي الإسرائيليون هويتهم غالبًا لتجنب ردود الفعل السلبية.

وقالت مجموعة سياح إسرائيليين، زاروا معبد فيلة في أسوان، إحدى مدن الجنوب في مصر، كجزء من رحلة ممتدة في عام 2016: إنهم شعروا بالراحة في التحدث بصوت عال باللغة العبرية، على الرغم من أن معظم المصريين يعتقدون أنهم يونانيون أو إيطاليون، وكانوا لا يصححون لهم هذه المعلومة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
مسلسل «النهاية» ليس الأول.. 6 أعمال فنية عربية أغضبت إسرائيل

ويختم التقرير بالقول: تواصل «سيناء للطيران» حاليًا خدمة رجال الأعمال والمسافرين الأقباط والحجاج المسيحيين والسياح الذين يسافرون في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ويشير التواجد الجديد على الإنترنت إلى أن الشركة مهتمة بالخروج من مخبأها لجذب المزيد من العملاء، وربما تراجعت العوائق التي تقف في طريقها بسبب المخاوف الأمنية. (على الرغم من أن شركة «سيناء للطيران» لم تستجب مرة أخرى لطلبات التعليق على هذا التقرير).

وفي حين أن السياحة الإسرائيلية لم تستعِد مستوى نشاطها الذي شوهد في الثمانينيات والتسعينيات، فإن استمرار وجود «سيناء للطيران» يعد بمثابة تذكير بأن العلاقات بين هذين البلدين لا تزال ممكنة ونشطة. وقد يتمكن الإسرائيليون والمصريون عما قريب من زيارة بعضهم البعض علانية، أو على الأقل بسهولة أكبر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد