تتطوَّر صناعة الأسلحة حول العالم يومًا بعد يوم، ولا شك أنَّ الولايات المُتحدة وشركاتها الدفاعية تُعَدُّ بين الأفضل في هذا المجال. وفي هذا الصدد، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا عن جيلٍ جديدٍ من الأسلحة داخل الترسانة الأمريكية، قادر على ضرب الأهداف في سريةٍ تامة.

مترجم: تاريخ صناعة الأسلحة في أمريكا.. كيف أصبح جيشها الأقوى عالميًا؟

نقطة الانطلاق في الصومال

أوردت صحيفة «نيويورك تايمز» في تقريرها أنَّ عدد الضربات الجوية التي وجَّهها الجيش الأمريكي تحت إدارة ترامب ضد حركة الشباب الصومالية، الحركة المُعارضة المُرتبطة بتنظيم القاعدة، شهد ارتفاعًا ملحوظًا رغم تقليص الإدارة عمليات مُكافحة الإرهاب في أجزاءٍ أخرى من العالم.

وفي السنوات الأخيرة، أقرَّت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) باستخدامها طائرات «إم كيو-9 ريبر» بدون طيار، وهي طائراتٌ مُحمَّلةٌ بصواريخ «هيلفاير»، وقنابل مُوجَّهةٍ بوزن 500 رطل (226 كيلوجرامًا).

وفي نوفمبر (تشرين الأول) عام 2017، نشر البنتاجون طرازاتٍ عسكرية مختلفة لطائرات الشحن من طراز «لوكهيد سي-130 هيركوليز»، التي تتمتَّع بما يُعرف بنظام الإطلاق الشائع، من أجل إطلاق سلاحٍ مُوجَّهٍ جديدٍ على الأهداف الصومالية، وذلك بحسب التقرير الذي أصدرته منظمة العفو الدولية يوم 20 مارس (آذار).

وعثرت المنظمة على صورٍ تُظهِر شظايا قنبلة «جي بي يو-69 سمول جلايد ميونيشان»، التي لا تُسقِطها سوى أنظمة الإطلاق الشائعة، والتي أُضيفت هذه المرة إلى طائرات «لوكهيد ايه سي-130»، رغم أنَّ أفريكوم رفضت أن تُؤكِّد للصحيفة استخدامها طائرات الهجوم الأرضي في المنطقة.

وتسبَّب ارتفاع أعداد الضربات الجوية، وإدخال الطائرات الحربية المُسلَّحة في تحويل القيادة الأفريقية بوزارة الدفاع، ومقرها ألمانيا، إلى عُنصُرٍ قتالي يخوض حربًا على غرار القيادة المركزية التي تُدير الحروب في العراق وسوريا وأفغانستان.

وأكَّدت أفريكوم، التي أُنشئت عام 2007، أنَّ دورها داخل القارة هو التركيز على تدريب جند الحلفاء بالقارة وتسليحهم، لكنَّ «نيويورك تايمز» ترى أنَّ ارتفاع أعداد الضربات الجوية يُشير إلى تغييرٍ في الهيكل والمهمات.

وقال مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون للصحيفة إنَّه لا يُوجد سببٌ واضحٌ لتلك الزيادة، لكنَّهم أشاروا إلى أن تقليص العمليات العسكرية الأمريكية في أجزاءٍ أخرى من العالم منح أفريكوم عددًا أكبر من الطائرات بدون طيار، والطائرات الحربية المُسلَّحة من أجل استخدامها في الصومال. وساهم أيضًا تخفيف ضوابط استخدام القوة داخل البلاد تحت إدارة ترامب في هذه الزيادة.

كيف تعمل الأسلحة الجديدة؟

ذكرت الصحيفة الأمريكية أنَّ أنبوب الإطلاق الموصول بالطائرات الحربية، والذي طوله أربعة أقدام (121 سنتيمترًا) وقُطره أقل من سبعة إنشات (17 سنتيمترًا)، يُطلِقُ نوعًا من أسلحة الجو-أرض التي يشتريها البنتاجون بأعدادٍ كبيرةٍ حاليًا.

ويُمكن أن تُوصل تلك الأنابيب، بحسب موقع الشركة المُصنِّعة، بالكثير من قطع أسطول وزارة الدفاع التي كانت مُجرَّد طائرات استطلاعٍ غير مُسلَّحةٍ في السابق، من أجل تمكين الجيش من تنفيذ هجماته بسرية؛ مما يزيد أعداد الطائرات القادرة على تنفيذ الضربات الجوية زيادةً كبيرة، ويُمكِّن الجيش الأمريكي من نقل الطائرات الحربية المُسلَّحة المُعدَّلة بحريةٍ حول العالم.

بحسب الصحيفة، تحوَّل نظام الإطلاق الشائع من مفهومٍ إلى سلاحٍ فتَّاكٍ بسرعةٍ كبيرةٍ، وفقًا لمعايير صناعة الدفاع؛ إذ طُوِّرَ عام 2009، في مشروعٍ مُشتركٍ بين قيادة العمليات الخاصة، وشركة «سيستيميا تكنولوجيز»، واستُخدِمَ للمرة الأولى في عملياتٍ قتالية في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2010، بحسب اللواء فيليب شيتي، المُتحدِّث باسم قيادة العمليات الخاصة.

ورفض شيتي توفير تفاصيل إضافيةٍ عن تلك الضربة الجوية، قائلًا إن «سيناريو العملية وموقعها هي معلوماتٌ سرية». ورفضت الشركة المُصنَّعة عددًا كبيرًا من طلبات التعليق التي وردتها من الصحيفة.

وأوضحت «نيويورك تايمز» أنَّ أنواع الأسلحة التي اختبرها البنتاجون بواسطة أنبوب الإطلاق تُقدِّم رؤيةً تكشف جزءًا من خطط قوات العمليات الخاصة للقتال مُستقبلًا.

وقال مسؤولون بالجيش خلال مقابلاتهم مع الصحيفة: إنهم يُفضِّلون الأسلحة الصامتة بعيدة المدى ذات الرؤوس الحربية المُتفجرة الأصغر حجمًا على القنابل التقليدية التي تُستخدم بإسقاطها من الطائرات.

ويعتمد هذا النوع من «الصواريخ الانزلاقية» على الجاذبية من أجل الوصول إلى أهدافه دون إحداث ضجة، وذلك من خلال إزالة مُحرِّكات الصواريخ الثابتة، وإضافة أجنحةٍ حاملةٍ لتوليد قوة الرفع اللازمة.

وتُشير وثائق التعاقد التي راجعتها الصحيفة إلى أنَّ قيادة العمليات الخاصة طلبت أن يكون وزن إحدى هذه الذخائر 50 رطلًا (22 كيلوجرامًا) تقريبًا، وألا تستغرق أكثر من دقيقةٍ للوصول إلى أهدافها على بعد أربعة أميالٍ بحرية (سبعة كيلومترات)، وأن تستطيع ضرب الأهداف المُتحرِّكة بسرعة تصل إلى 70 ميلًا (112 كيلومترًا) في الساعة عن طريق الانفجار فوق الهدف، أو عند الاصطدام به.

«سي إن إن» تكشف رحلة السلاح الأمريكي من السعودية والإمارات إلى القاعدة وإيران

وهناك سلاحٌ واحدٌ فقط يُلبِّي تلك المُتطلِّبات بحسب تلك الوثائق، وهو قنبلة «جي بي يو-69 سمول جلايد ميونيشان»، التي صنعتها شركة «دينيتيكس»، ويُمكن إسقاطها فقط بنظام الإطلاق الشائع. وترى «نيويورك تايمز» أنَّ استخدام هذا النوع من القنابل الانزلاقية، التي تزن 60 رطلًا (27 كيلوجرامًا) ويُمكِن توجيهها باستخدام نظام التموضع العالمي (GPS) للأهداف الثابتة، وباستخدام الليزر للأهداف المُتحركة، يُعَدُّ تخلِّيًا واضحًا عن استخدام صواريخ «هيلفاير».

بحسب تقرير الصحيفة، فإنَّ قيود استخدام أسلحةٍ مثل «هيلفاير»، التي صُمِّمت في الأساس لتدمير الدبابات، ظهرت في أعقاب عقدين من القتال المُستمر. ورغم أنَّ رؤوس «هيلفاير» الحربية أُعيد تصميمها من أجل أن تُستخدم ضد المُقاتلين، لكنَّ الطيارين يقولون إن إطلاقها يُحدِثُ صوتًا يُمكِن أن يُنبِّه المقاتلين على الأرض؛ مما يمنحهم فرصةً للفرار.

وعلى النقيض، تُشير التقارير إلى أن قنابل «سمول جلايد ميونيشان» تُحدِثُ ضوضاءً أقل بكثير من صواريخ «هيلفاير». وتقول شركة «دينيتيكس» إن مداها يتعدَّى 20 ميلًا بحريًّا (37 كيلومترًا)؛ مما يسمح للطائرات الحربية المُسلَّحة بإسقاط القنبلة على بُعدٍ كافٍ بحيث لا يتمكَّن المُقاتلون على الأرض من سماع صوتها، أو رُؤيتها.

وفي يونيو (حزيران) عام 2018، حصلت «دينيتيكس» على عقدٍ بقيمة 470 مليون دولار لإنتاج «كميةٍ غير مُحدَّدة»، وتزويد قيادة العمليات الخاصة بقنابل «جي بي يو-69». وقالت المُتحدِّثة الرسمية إن قيادة العمليات الخاصة طلبت أكثر من ألفي قُنبلةٍ حتى الآن.

المزيد من التطوُّرات

تُطلِقُ قيادة العمليات الخاصة أيضًا صاروخًا مُوجَّهًا صغيرًا يحمل اسم «جريفين» من أنابيب الإطلاق، بحسب الصحيفة. وتتشابه صواريخ «جريفين» مع صواريخ «هيلفاير» في تصميمها ووظيفتها، لكنَّ طولها أقل بمُعدِّل الثُّلث، ووزنها أقل بمُعدِّل الثُّلثين، وبها رأسٌ حربي بحجمٍ مُماثل.

وذكرت «نيويورك تايمز» أنَّ الجيش نجح في الخروج بأساليب جديدةٍ لإطلاق الصواريخ، إبان تطويره لذخائر جديدةٍ مثل جي بي يو-69. ومع تواصل الحرب في العراق، قرَّرت قوات مُشاة البحرية عام 2008 أن تُسلِّح طائرات التزوُّد بالوقود من طراز «لوكهيد كيه سي-130 جي هيركوليز»، وتُحوِّلها إلى طائرات دعمٍ جوي مُسلَّحة.

ونتيجةً لذلك، نجح برنامج «هيركوليز لمُعدَّات الأسلحة المحمولة جوًا» في تزويد الطائرات بصواريخ «هيلفاير» أسفل الأجنحة، بالإضافة إلى صفَّين من خمسة أنظمة إطلاق شائعة موصولةٍ بسُلَّم شحن الطائرة.

وبحلول عام 2012، أعادت البحرية تصميم باب الراكب الأيسر بالقرب من مؤخرة طائرات الشحن ليتضمن تركيباتٍ تُغلق بالضغط، وتسمح لطاقم الطائرة بتحميل أنبوبي إطلاق داخل الطائرة جنبًا إلى جنبٍ، وإسقاطهما من الباب السفلي. وأطلقت البحرية على ذلك التعديل اسم «بوابة ديرينجر»، تيمُّنًا باسم مُسدس الجيب ذي الماسورتين الذي صمِّم ليسهل إخفاؤه.

وفي تطوُّرٍ أكبر، تمتلك طائرات «أيه سي-130» الحربية التابعة للقوات الجوية الآن سُلَّم ذيلٍ مُعدَّلٍ يحتوي على التركيبات نفسها التي تُغلق بالضغط، وتسمح بإسقاط 10 أسلحةٍ من أنابيب الإطلاق دُفعةً واحدةً قبل الحاجة لإعادة تعبئتها.

ورفضت قيادة العمليات الخاصة بالقوات الجوية الكشف عن الطائرات الأخرى التي تعتزم تزويدها بأنظمة الإطلاق الشائعة. لكنَّ الصحيفة راجعت المواد المُتاحة من شركات الدفاع، وأفادت أنَّ تلك الوثائق تُقدِّم بعض الأدلة على أنَّ البنتاجون قد يقوم بتركيب أنابيب الإطلاق على الطائرات الصغيرة، مثل الطائرات العمودية والطائرات ذات المراوح الصغيرة.

وإبان تقييم قيادة العمليات الخاصة لمختلف الأسلحة التي يُمكن استخدامها في أنابيب الإطلاق، سلحت شركات الدفاع الطائرات المدنية من أجل اختبارها، بحسب الصحيفة. وذكرت شركة «إم بي دي ايه»، شركة الدفاع العملاقة في قطاع صناعة الأسلحة، أنَّها أسقطت قنبلة «جي بي يو-44 فايبر سترايك» الانزلاقية عام 2012 من طائرة سيسنا كارافان.

في حين أسقطت شركة «تيكسترون» قنبلةً انزلاقيةً من طراز «جي-كلاو» في عام 2015، من على متن طائرةٍ من الطراز نفسه. وترى الصحيفة أنَّ القدرة الواضحة على إسقاط هذا النوع من الصواريخ من الطائرات ذات المراوح الصغيرة تُمثِّل تطوُّرًا ملحوظًا، رغم أنَّ البنتاجون توقف عن شراء قنابل «فايبر سترايك»، ولم يسبق له أن اشترى صواريخ «جي-كلاو» الانزلاقية.

وأظهر مقطع فيديو دعائي نشرته شركة «رايثيون» أنَّ الشركة أطلقت صواريخها من طراز «جريفين» باستخدام أنبوب إطلاقٍ مُعلَّق أسفل ذيل التصادم الخاص بطائرات الجيش العمودية من طراز «أو إتش-58 كيوا واريور»، فضلًا عن إعلان شركةٍ مُصنِّعةٍ في أريزونا لهذا النوع من التركيبات على موقعها الإلكتروني. ويسهُل إخفاء هذا النوع من الطائرات عن أعين الناس، مُقارنةً بطائرات «سي-130 هيركوليز» الضخمة المُسلَّحة.

صناعة الموت.. كيف يسيطر أباطرة السلاح على العالم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد