بعد عقد من الحرب السورية، أصبحت الأزمة الاقتصادية في سوريا التهديد الأكبر الذي يواجه الرئيس السوري بشار الأسد الآن، لكن اجتماعه الأخير كشف أنه لا يملك حلولًا ملموسة لمحنة بلاده القاسية، حسب ما خلص إليه تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية أعدَّه الصحفيان بن هوبارد وهويدا سعد.

في البداية استعرض الصحفيان ما دار في لقاء خاص للرئيس السوري بشار الأسد مع صحفيين موالين للحكومة، إذ سُئل الرئيس السوري عن الانهيار الاقتصادي في سوريا، والذي عكسه انهيار العملة الذي أضرَّ بالرواتب، والارتفاع الهائل في أسعار السلع الأساسية، والنقص المزمن في الوقود والخبز.

وردَّ الأسد: «أعرف»، وفقًا لشخصين مطلعين على المناقشة. لكنه لم يقدِّم خطوات ملموسة لحل الأزمة بخلاف الطرح الآتي: يتعين على القنوات التلفزيونية إلغاء برامج الطبخ حتى لا تضايق السوريين بصور أطعمة لا قِبَل لهم بها.

اقتصاد الناس

منذ 3 شهور
مترجم: كيف دخل رجال أعمال أمريكيين إلى سوق صفقات النفط السرية في سوريا؟

الأزمات الاقتصادية.. التهديد الحقيقي

ووفقًا للتقرير، مع اقتراب الذكرى السنوية العاشرة للحرب الأهلية في سوريا، لم تعد الفصائل المتمردة والقوى الأجنبية التي لا تزال تسيطر على مساحات شاسعة من البلاد هي التهديد المباشر للأسد. لكن الأزمة الاقتصادية الطاحنة هي التي أعاقت إعادة إعمار المدن المدمرة، وأفقرَت السكان، وتركت عددًا متزايدًا من السوريين يكافحون لنيَل ما يَسُدُّون به رَمَقَهُم.

ولفت التقرير إلى أن الاجتماع الخاص مع الصحفيين السوريين الشهر الماضي، والذي لم يُعلن عنه من قبل، عرض نظرة نادرة غير مألوفة لقائد بدا منفصلًا عن المخاوف الحقيقية التي تقضُّ مضاجع شعبه وعاجزًا عن فعل أي شيء حيالها. وعلمت صحيفة «نيويورك تايمز» بالمناقشة من شخص أحاطه عديد من الصحفيين بالمناقشة، وأكد أحد الحاضرين التفاصيل مباشرة.

حتى في حديثه الخاص، لم يتخلَّ الأسد عن الأفكار المُبْتَذَلَة التي أضحت سمة لخطاباته العامة. ووقف الأسد مرتديًا بدلة سوداء مُتقمصًا شخصية المحاضر وألقى باللوم على مجموعة من القوى في الويلات التي تعانيها سوريا: «وحشية» الرأسمالية العالمية، و«غسيل الأدمغة» الذي تمارسه وسائل التواصل الاجتماعي و«الليبرالية الجديدة» التي تقوِّض قِيم البلاد.

وخوفًا من أن يتسلل القلق إلى أحد الحضور، أكَّد الأسد للصحفيين أن سوريا لن تصنع السلام مع إسرائيل أو تقنن زواج المثليين. لكن تلك القضايا ليست هي ما يشغل بالَ معظم السوريين.

سوريا وانهيار العملة

وأوضح التقرير أن اقتصاد سوريا بات أسوأ مما كان عليه منذ بدأت الحرب في عام 2011. وفي الشهر الجاري، بلغ الجنيه السوري أدنى مستوياته على الإطلاق مقابل الدولار في السوق السوداء، الأمر الذي أدَّى إلى انخفاض قيمة الرواتب وارتفاع تكاليف الواردات.

Embed from Getty Images

وارتفعت أسعار المواد الغذائية أكثر من الضعف في العام الماضي. وحذَّر برنامج الغذاء العالمي هذا الشهر من أن 60% من السوريين، أو 12.4 مليون شخص، معرَّضون لخطر الجوع، وهو أعلى رقم سُجل على الإطلاق.

ويُكرس معظم السوريين الآن أيامهم في السعي لإيجاد الوقود اللازم لطهي الطعام وتدفئة منازلهم، والوقوف في طوابير طويلة للحصول على خبز البيتا (الخبز السوري التقليدي). وأصبح انقطاع التيار الكهربائي أمرًا مألوفًا كل يوم، وتحصل بعض المناطق على التيار الكهربائي لبضع ساعات فقط في اليوم، وهو ما يكفي بالكاد لشحن الناس هواتفهم المحمولة.

مضطرة لبيع شعري أو جسدي

وألمح التقرير إلى أن بعض النساء اليائسات اضْطُررن إلى بيع شعرهنَّ لإطعام أسرهنَّ. وتقول أم لثلاثة أطفال مؤخرًا في صالون لتصفيف الشعر بالقرب من دمشق، شريطة عدم الكشف عن هويتها، مثل آخرين قابلتهم الصحيفة، خوفًا من الاعتقال: «كنتُ مضطرة لبيع شعري أو جسدي». وقالت إن زوجها، وهو نجَّار، كان يعاني المرض ويعمل من حين لآخر، وكانت بحاجة إلى وقود لتدفئة المنزل ومعاطف شتوية لأطفالها.

وقد اشترت السيدة، بمبلغ 55 دولارًا الذي حصلت عليه مقابل بيع شعرها الذي سيُستخدَم في صنع الشعر المستعار، جالونين من وقود التدفئة وملابس لأطفالها ودجاجة مشوية، وهي المرة الأولى التي تتذوق فيها أسرتها لحم الدجاج خلال ثلاثة أشهر.

وظلت السيدة تبكي من الشعور بالخجل (لأنها باعت شعرها) ليومين بعد ذلك.

ونوَّه التقرير إلى أن انخفاض العملة يعني أن الأطباء يكسبون الآن ما يعادل أقل من 50 دولارًا في الشهر. يقول رئيس نقابة الأطباء، مؤخرًا، إن أطباء كُثر يلجأون إلى السفر إلى الخارج للعمل، وتحديدًا إلى السودان والصومال، من بين الدول النادرة التي تسمح بسهولة بدخول السوريين، لكن اقتصادهما ضعيف. بينما يكسب المهنيون الآخرون أقل من الأطباء بكثير.

وقال أحد الموسيقيين من دمشق إن: «شُغل الناس الشاغل الآن هو الحصول على الطعام والوقود»، مضيفًا أن: «كل شيء أصبح باهظ الثمن على نحو غير عادي ويخشى الجميع من التفوُّه بكلمة».

أسباب عديدة

وأفاد التقرير أن أسباب ذلك متعددة ومتداخلة: الضرر الواسع النطاق والتشريد الناجم عن الحرب، وتشديد العقوبات الغربية على حكومة الأسد وشركائه، وانهيار مصرفين في لبنان المجاورة، حيث يحتفظ السوريون الأثرياء بأموالهم، والإغلاق المرتبط بمكافحة فيروس كورونا المستجد.

Embed from Getty Images

وليس أمام الأسد من مخرج سهل؛ إذ تقع معظم حقول النفط في البلاد وكثير من أراضيها الزراعية في المنطقة الشمالية الشرقية، التي تسيطر عليها قوات يقودها الأكراد مدعومة من الولايات المتحدة.

ولفت التقرير إلى أن أقرب حلفاء سوريا، روسيا وإيران، بذلا قصارى جهدِهما لمساعدة الأسد على الفوز بالحرب، ولكن كل منهما لديه مشاكله الاقتصادية الخاصة، ولا يستطيع أي منهما أن يقدم كثيرًا من المساعدة. وفي حين واصلت روسيا تقديم مساعدة عسكرية كبيرة إلى سوريا، كانت مساعداتها الإنسانية محدودة.

قال السفير الروسي في سوريا ألكسندر إيفيموف لوكالة الأنباء الروسية ريا نوفوستي هذا الشهر إن: «الوضع الاجتماعي والاقتصادي في سوريا اليوم صعب للغاية»، لكنه أكد أن إرسال الدعم بات «أصعب» لأن روسيا أيضًا، حسب ما ذكر، تعاني من جائحة كورونا والعقوبات الغربية.

وفي الأسبوع الماضي، بعد أن اعتُقِلت شابة إسرائيلية كانت تتجول في سوريا، استخدمتها الحكومة السورية ورقة مُساوَمة لتأمين إطلاق سراح راعيين سوريين والحصول على 60 ألف جرعة من لقاح فيروس كورونا، والتي دفعت إسرائيل مقابلها 1.2 مليون دولار لروسيا.

ورغم هذه المشاكل، لا يزال الأسد يُمسك بزمام الأمور في سوريا. وبعد ما يقرب من عقد من القتال، وصلت الحرب إلى طريق مسدود، مع حوالي ثلثي البلاد ومعظم سكانها تحت سيطرة حكومة الأسد نظريًّا.

والآن يتطلع الأسد إلى المستقبل، على أمل أن يؤدي الفوز في انتخابات رئاسية زائفة من المقرر عقدها هذا الربيع إلى إقناع خصومه بالتخلي عن الآمال في تغيير النظام وقبوله زعيمًا لسوريا الآن وفي المستقبل. ولم يرد مكتبه على طلب التعليق على هذا التقرير، بما في ذلك الأسئلة المتعلقة باجتماعه مع الصحفيين.

إستراتيجية الأسد

ويعتقد الكاتبان أن جزءًا من إستراتيجية الأسد تتمثل في كبح أي تلميح للمعارضة. وفي الشهر الماضي، نشرت هالة جرف، مذيعة أخبار سابقة في التلفزيون الرسمي السوري، اقتباسًا للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو على صفحتها على الفيسبوك ردًا على سؤال: «ما هو الوطن؟» وكتبت مقتبسة جواب روسو: «ألا يبلغ مواطن من الثراء ما يجعله قادرًا على شراء مواطن آخر، وألا يبلغ مواطن من الفقر ما يجعله مضطرًا لبيع نفسه!».

وأُلقِي القبض عليها لمخالفتها قوانين «الجرائم الإلكترونية» في البلاد.

وأضاف التقرير أن لحظة من التوتر سادت الاجتماع الخاص مع الصحفيين عندما سأل أحدهم كيفية تعامل الرئيس مع غضب مؤيديه بسبب تدهور الاقتصاد. وعلى الفور قاطعه مستشار رئاسي بغضب، ولكن الأسد سمح للصحفي بالكلام وأجاب بأنه يشعر بمعاناة الشعب. ولكنه لم يقدِّم سوى تطمينات غامضة بأن الوضع سوف يتحسن، ولم تكن هناك خطط واضحة لمساعدته على القيام بذلك.

وكثيرًا ما تظهر زوجة الأسد الأنيقة المولودة في بريطانيا، أسماء الأسد، علنًا في إشارة إلى أن الحياة في سوريا تسير على ما يرام. وخاطبت مؤخرًا المشاركين في مسابقة علمية وطنية، وروَّجت للتعلم عبر الإنترنت، قائلة إنه: «يوفر الوقت والجهد والمال، فضلًا عن تحقيق العدالة» وكذلك يتيح «المعرفة لجميع الطلاب في جميع المناطق»، وفقًا لما ذكرته دائرة الأنباء الحكومية. ولم تتطرق زوجة الأسد إلى كيفية دراسة الطلاب عبر الإنترنت في ظل انقطاع التيار الكهربائي.

فقر مدقع في سوريا

ويتابع التقرير: ليس بعيدًا عن قصر الأسد، يقف أب لتسعة أطفال في كشك بسيط يكسب منه ما يعادل 5 دولارات في اليوم من بيع الخضروات، ويقف وسط صناديق على الأرض مليئة بالباذنجان والبطاطس والتفاح.

لكنه قال إن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بسرعة كبيرة خلال العام الماضي لدرجة اضطرته إلى تنويع منتجاته لتغطية نفقاته. فقد صنع دبس الرمان ومخلل الباذنجان، لكنه توقف عندما أصبح من الصعب جدًّا الحصول على وقود الطهي.

وأوضح أنه لم يعد قادرًا على تحمل الرسوم المدرسية، لذلك توقف اثنان من أبنائه عن الدراسة، فيما هاجر ثالث إلى ألمانيا ليرسل إلى أبيه ما يكفي لدفع الإيجار. ومع ذلك، فإن ابنه الرابع يضطر لقضاء ما يتراوح من ثلاث إلى خمس ساعات يوميًّا منتظرًا في طابور طويل للحصول على حصة الأسرة من الخبز الرخيص المدعوم من الحكومة.

وقال: «حتى الكماليات البسيطة لم تعد متوافرة»، مضيفًا: «قبل أسابيع قليلة اشتريت دجاجة أعدَّت منها زوجتي ثلاث وجبات».

لقد تحول السوريون من الطبقة الوسطى إلى فقراء.

يقول وسيم، الذي يعمل في وزارة حكومية، إن راتبه بالإضافة إلى راتب زوجته كان يسمح لأسرتهم بتحمل نفقات الخبز والوقود وغاز الطهي والملابس، حتى قبل بضع سنوات عندما سيطر جهاديو الدولة الإسلامية على مساحة من البلاد. وكانت المعارك لا تزال مستعرة.

Embed from Getty Images

لكن مع انهيار العملة، الذي بدأ في أواخر عام 2019، تضاءل دخلهم، مما أجبرهم على تناول أطعمة أرخص وشراء ملابس مستعملة. وقد افتتح وسيم مؤخرًا متجرًا للعطور يديره عقب انتهاء عمله الحكومي لزيادة دخله. غير أن ذلك لا يمنحه وقتًا كافيًا للانتظار في طابور للحصول على الخبز، لذلك يضطر لشراء الخبز غير المدعوم والذي يزيد سعره ستة أضعاف عن الخبز المدعوم، 35 سنتًا لكيس من ستة أرغفة.

ولم تترك له معاناته من أجل لقمة العيش سوى القليل من الصبر على تركيز الحكومة على القضايا السياسية التي لا تؤثر في حياته اليومية، مثل النضال ضد إسرائيل.

وقال: «نسمع كل يوم تصريحات من الرئيس بشار الأسد وحكومته عن المقاومة والسيادة الوطنية. لكن ظروفنا المعيشية لم تجد من الحكومة سوى آذان صُمّ وأعين عمي ولم تبدِ أي اهتمام بنا وبأحوالنا»، حسب ما يختم التقرير.

عربي

منذ سنة واحدة
صراع بشار الأسد مع «حيتان المال».. لماذا انقلب على مواليه؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد