لا يختلف تدمير بوذا باميان عن فتوة رشدي، والذي يشبه تداعيات الرسوم الكارتونية الدنماركية والعنف الذي واجهه فريق تحرير شارلي إبدو. فجميعهم مرتبطون بتلك الرغبة في السيطرة على «التمثيل»، سواءً كان صوريًا أو كتابيًا.

بدأت راشمي روشان مقالها الذي نشر في موقع «آيون» أن البعض قد لا يعرف الكثير عن الفارابي، وهو مفكر من القرن العاشر من بغداد، لكن ربما يعرف البعض أعماله، أو على الأقل، نتائج أعماله. بحسب ما قيل عنه، كان الفارابي رجلًا ذي قناعات صوفية راسخة وذوق بسيط لا يتغير. وعندما كان الفارابي عاملًا في أحد حقول العنب في دمشق -قبل أن يستقر في بغداد- كان قد اختار لنفسه نظامًا غذائيًا يقتصد على قلوب الحملان والمياه المخلوطة بعصير الريحان الحلو. لكن فلسفته السياسية كانت أكثر تنوعًا، فقد رسم آراءه وأفكاره على تشكيلة واسعة من الأفكار الإغريقية، لا سيما أفكار أفلاطون وأرسطو، إذ تكيّف مع تلك الأفكار وبنى عليها ليتعاطى مع متغيرات زمانه.

تذكر الكاتبة أن الوضع العام في الخلافة العباسية -التي عاش عبرها الفارابي- تطلب موازنة دقيقة للفكر المحافظ مع تحقيق تأقلم سريع مع ذاك الفكر. وبينما كانت الخلافة تعاني من خلل وظيفي متزايد، والذي أدى بدوره إلى أن تتحول الدولة العباسية إلى نسخة مصغّرة من نفسها، كان الفارابي يعمل على تشكيل فلسفة سياسية تفضي إلى الفضيلة المدنية والعدالة والسعادة البشرية والنظام الاجتماعي.

هل هناك علاقة بين الفارابي وهجمات شارلي إبدو؟

تقول راشمي إن ميراث الفارابي الحقيقي قد يكون هو ذاك المنطق الفلسفي الذي قدّمه للتحكم بالتعبير الإبداعي في العالم الإسلامي. واستطاع من خلال ذلك استكمال مشروع تغييب التمثيل الصوري، والذي يبدأ من منع تصوير الذات الإلهية امتدادًا إلى الرسل والأنبياء ووصولًا إلى أي كائٍن حي، وهو المشروع الذي بدأ في نهاية القرن السابع الميلادي من قبل الخلفاء الأمويين. كانت بعض قرارات وأعمال الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان مثالًا على ذلك المشروع، حيث اعتمد طباعة صور غير تمثيلية على العملات المعدنية ونقوش خطية على قبة الصخرة في القدس، المعلم التذكاري الأول في الدين الإسلامي حديث العهد -بحسب الكاتبة. كان ذلك الفن الإسلامي حينها مُبشرًا على انفصال قريب عن العادة الفنية التمثيلية للإغريق والروم. استطاع الفارابي بعد عدة قرون أن ينقل مفهوم التحكم الإبداعي إلى مستويات جديدة بعد أن جادل وناقش في سبيل فرض قيود على التمثيل عبر الكلام. وجادل الفارابي لذلك مستخدمًا مبادئ أفلاطونية بامتياز، ويكمن القول بأنه استطاع عبر ذلك أن يساعد في تجسيد وتأسيس الطريقة التي يرى ويتفاعل فيها الإسلام مع التعبير الإبداعي.

في الإسلام، قد تعتبر بعض أنواع التصوير الكلامي للإسلام ونبيه تدنيسًا أيضًا، تماما كالفن التصويري- كما تذكر راشمي. وتظهر تبعات فلسفة الفارابي في تعريف «التصوير المحرم» في زماننا اليوم. أعلن آية الله الخميني فتوى في عام 1989 تنص على إعدام سلمان رشدي لكتابته كتاب «النصوص الشيطانية» عام 1988. إذ أغضب الكتاب حينها المسلمين بسبب الطريقة الخيالية التي صور فيها الكاتبة حياة النبي محمد -عليه السلام. وقامت طالبان بتفجير تمثال بوذا باميان والذي يعود بناؤه إلى القرن السادس في أفغانستان. وفي عام 2005، اندلع جدل كبير في العالم الإسلامي حول نشر صحيفة يولاندس بوستن الدنماركية لصور كاريكاتورية تصور النبي، واستمرت هذه الرسوم في إشعال الغضب لمدة 10 سنوات بعدها على الأقل. وقامت احتجاجات في جميع أنحاء الشرق الأوسط، إضافة إلى هجمات على سفارات غربية، بعد أن قامت بعض الصحف الأوروبية بإعادة نشر الرسومات، وفي عام 2008 توعد أسامة بن لادن أوروبا بـ«عقاب شديد» ردًا على «حملتهم الصليبية الجديدة» على الإسلام. وفي عام 2015، قتل 12 شخصًا بعد أن قام مجموعة من المسلحين باقتحام مكتب المجلة الساخرة شارلي إبدو والتي اعتادت إهانة معتقدات المسلمين.

بحسب الكاتبة فإن تدمير بوذا باميان لا يختلف عن إعدام رشدي، والذي يشبه تداعيات الرسوم الكارتونية الدنماركية والعنف الذي واجهه فريق تحرير شارلي إبدو. فجميعهم مرتبطون بتلك الرغبة في السيطرة على «التمثيل»، سواءً كان صوريًا أو كتابيًا.

مسارات التعبير والفن بعد وفاة الرسول

تذكر راشمي أن الفارابي اعتبر التحكم في الكلام مسألة مهمة إذا أردنا الحفاظ على أكبر مشاريع الإسلام حينها، وهو الخلافة العباسية. كان التمثيل الصوري أمرًا محسومًا عند المسلمين في الوقت الذي كان فيه الفارابي يتفكر في بعض نظرياته الرئيسية. بعد مرور 30 عامًا على وفاة الرسول -عليه السلام- في عام 632، اتخذ الفن والتعبير الإبداعي مسارين متوازيين، فكان هناك الفن للمساحات العلمانية، كالقصور والحمامات الأموية، وكان هناك فن يعتبر مناسبًا للمساحات الدينية، كالمساجد والمزارات مثل قبة الصخرة. كان الخليفة عبد الملك قد انخرط بالفعل في ما أطلق عليه «جدال الصور» على النقود مع نظيره البيزنطي، الإمبراطور جستنيان الثاني، وفي نهاية المطاف أصدر عبد الملك نقودًا تحمل عبارة «حاكم الأرثوذكس» و«خليفة الله» بدلًا من نقش صورته. وكانت قبة الصخرة مغطاة بالمخطوطات بدلًا من تمثيل لكائنات حية مزخرفة، وأصبح غياب الصورة هو الصورة. بل أصبحت الكلمة هي الصورة، ولذلك أصبحت المخطوطات أعظم الفنون الإسلامية. وتتضح أهمية الكلام المكتوب وفهمه واستيعابه في استثمار العباسيين في حركة الترجمة من اليونانية إلى العربية من القرن الثامن وحتى القرن العاشر.

وبناءً على ذلك، كانت الأولوية للمسلمين في زمن الفارابي هي التحكم في التمثيل من خلال الكلمة. كما قال المسيحيون المحبون للرموز أن الكلمات لها نفس قوة تمثيل الرسومات. فالكلمات مثل الرموز، كما قال القس المسيحي ثيودور أبو قرّة، والذي عاش في دار الإسلام وكتب باللغة العربية في القرن التاسع. أما الصور، كما قال، فهي «كتابات الجهلة».

كان الفارابي قلقًا من قوة الكتابة -سواء في الخير أو في الشر- في ذلك الوقت الحساس إذ كانت الخلافة العباسية تواجه خطر الانهيار. وكان يحمّل الأفراد المبدعين المسؤولية عما أنتجوه، وقد واجه الخلفاء العباسيون أزمة سلطة أخلاقية وسياسية بشكل متزايد، والذي قاد الفارابي بدوره لأن يقدّر القضايا الرئيسية التي تواجه الإسلام وتوسعه استقرائيًا من خلال المسائل الزمنية الموضعية.

ابتكر الفارابي فلسفة سياسية جعلت دولة أفلاطون المثالية أساسًا للعالم الذي يعيش به، فقد حاول جاهدًا أن يحل مشكلة القيادة عبر تذكير القارئ المسلم بالحاجة للحاكم الفيلسوف، «القائد الفاضل» الذي سيترأس «المدينة الفاضلة» ويحكمها بمبادئ «الديانة الفاضلة».

المدينة الإسلامية الفاضلة

ابتكر الفارابي فلسفة سياسية جعلت دولة أفلاطون المثالية أساسًا للعالم الذي يعيش به، فقد حاول جاهدًا أن يحل مشكلة القيادة عبر تذكير القارئ المسلم بالحاجة للحاكم الفيلسوف، «القائد الفاضل» الذي سيترأس «المدينة الفاضلة» ويحكمها بمبادئ «الديانة الفاضلة»، كما ذكرت الكاتبة.

وعلى غرار أفلاطون، اقترح الفارابي أن يستخدم التعبير الإبداعي لدعم القائد المثالي، والذي من شأنه أن يعزز المدينة الفاضلة والوضع الراهن. ودعى أفلاطون الشعراء لأن يتغنوا ويروا القصص عن خير لا يتغير ولا ينتهي، وذكرت أطروحات الفارابي قصائد المدح وأغاني وأهازيج في مدح المدينة الفاضلة. ووصى الفارابي بأن تكون الأعمال الكتابية في المدينة الفاضلة كتابات جليلة تستخدم في خدمة القائد الأعلى والملك الفاضل.

كانت فكرة ضمان اتباع الكتابات للرواية المعتمدة هي الفكرة التي توضح العلاقة بين الفلسفة السياسية للفارابي وأفكار أفلاطون -بحسب راشمي. وعندما عرض الفارابي حجج أفلاطون المتعلقة بالرقابة على الكتابة باعتبارها عملًا خيريًّا للمجتمع المسلم، فقد حاول أن يقدم التحكم في الكلمة باعتبارها أداة لإدارة الرواية؛ لأهميتها في المرحلة القادمة من بناء الصور الإسلامي.

قد يكون الفارابي قد تأثر ببعض أفكار المفكرين الإسلاميين الآخرين كالعالم الفارسي ابن سينا أو المفكر الغزالي. وتختم الكاتبة قائلة أن من المؤكد أن فلسفة الفارابي في التحكم في الكتابة الإبداعية مكّنت تحركًا ينكر شرعية التفسير الجديد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!