901

انتقد الكاتب البريطاني روبرت فيسك، في مقاله الأخير بصحيفة «الإندبندنت» البريطانية في الشرق الأوسط، مطالبة الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو بإغلاق مكاتب قناة الجزيرة القطرية في القدس على خلفية اتهامات بدعم الإرهاب، خاصة في أعقاب التغطية التي قدمتها القناة حول أحداث المسجد الأقصى الأخيرة، والتي تصاعدت فيها حدة التوتر بين إسرائيل والشباب الفلسطيني بعدما قامت إسرائيل بوضع أجهزة لكشف المعادن وبوابات إلكترونية في الحرم القدسي.

المطالب الإسرائيلية بإغلاق قناة الجزيرة جاءت بعد أسابيع قليلة من مطالبة السعودية التي تقود تحالفًا ضد قطر، بإغلاق القناة أيضًا، بعدما فرضت الكتلة السعودية حصارًا على قطر التي اتُهمت بدعم الإرهاب والتدخل في الشئون الداخلية لدول الحصار.

اقرأ أيضًا: «إيكونوميست»: مطالبة السعودية بإغلاق «الجزيرة» بلطجة

الكاتب البريطاني قال في مقال نشرته الصحيفة البريطانية: «حين تطالب كل من السعودية وإسرائيل بإغلاق قناة الجزيرة القطرية، فلا بد أنها تقوم بما هو صحيح. فبعد كل شيء، جمْع قاطعي الرؤوس السعوديين والمحتلين الإسرائيليين في تحالف واحد يعتبر إنجازًا نوعًا ما».

وتابع الكاتب بقوله: «لكن لا داعي لأن تشعر بالرومانسية حيال هذا، فمعروف أنه حين يمرض السعوديون الأغنياء، يطيرون بطائراتهم الخاصة إلى تل أبيب لتلقي العلاج في أفضل مشافي إسرائيل، وحين تحلق المقاتلات الإسرائيلية والسعودية في السماء، يمكنك أن تكون متأكدًا من أنها تحاول أن تقصف الشيعة، إما في اليمن أو في سوريا، ولا تقوم بقصف السنة».

إن الملك سلمان أو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، عندما يشيران إلى إيران باعتبارها الخطر الأكبر على أمن الخليج، فإن نتنياهو سيقوم بالشيء نفسه بالضبط، مستبدلًا بالطبع عبارة «أمن الخليج» بعبارة «أمن إسرائيل».

لكن الكاتب ذكر أنه من الغريب أن يتلقى السعوديون المعروفون بقمعهم لحرية الرأي الدعمَ من دولة تعتبر نفسها منارة للحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان والحرية الشهيرة في الأغاني والأساطير مثل إسرائيل، أو حكومة إسرائيل أو كما يسميها نتنياهو وحكومته «دولة إسرائيل اليهودية».

وأضاف الكاتب: «لذا دعونا نلقي نظرةً سريعةً على الاستعراض الأخير للتسامح الإسرائيلي تجاه حرية التعبير التي كلنا ندعمها، ونرعاها، ونحبها، ونُعجب بها ونعتبرها حجر الزاوية في ديمقراطيتنا، حقوق الإنسان لدينا، وحريتنا… إلخ. إذ في هذا الأسبوع، أعلن وزير الاتصالات الإسرائيلي، أيوب قرا، عن خطط لسحب تراخيص صحفيي الجزيرة الذين يعيشون في إسرائيل، وإغلاق مكتب القناة في القدس وقطع بثها على قنوات الكابل المحلي والقنوات الفضائية».

كان أيوب قرا- وهو درزي إسرائيلي (وبالتالي هو وزير عربي من حزب الليكود) طالما كان يدعم استعمار اليهود للأراضي العربية التي تحتلها إسرائيل في الضفة الغربية- كان قد أعلن أن «هذه الخطوة ستخلق حالةً تفرض على القنوات التي تُبث من إسرائيل نقلَ الأحداث بموضوعية». وهو ما يعني تهديد هذه القنوات وإعادتها للخط العام للإعلام الإسرائيلي، بحسب ما رأى الكاتب.

اقرأ أيضًا: «الجارديان»: القناة المتمردة.. كيف تفلت «الجزيرة» من خطر الإغلاق؟

وكان نتنياهو قد اتهم منذ وقت طويل قناة الجزيرة بالتحريض على العنف في القدس، وخاصة ما يتعلق بتقاريرها عن عمليات القتل الأخيرة في القدس، ولكن وبينما اتُهم كل صحفي أجنبي تجرأ على انتقاد الدولة في وقت أو آخر داخل إسرائيل وخارجها بالتحريض ومعاداة السامية وغيرها من الأكاذيب، فقد ذكر الكاتب أن اتهام الجزيرة كان أمرًا متوقعًا.

وأوضح الكاتب أنه وجد بشكل شخصي أن تقارير الجزيرة عن إسرائيل مثيرة للشفقة جدًا، وأعاد الكاتب إلى الأذهان مشهد المذيعة القطرية التي أعربت عن تعازي الجزيرة للمتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية في وفاة آرييل شارون، الذي كان مسئولًا عن مذبحة صبرا وشاتيلا التي وقعت في عام 1982، والتي أسفرت عن مقتل 1700 فلسطيني.

ومع ذلك، فقد اتخذ أيوب قرا – بحسب الكاتب – نفس الموقف الذي تبناه زملاؤه العرب. وقد أقر هو بذلك. وقال إن على إسرائيل أن تتخذ خطوات ضد «وسائل الاعلام التي صُنفت من قبل جميع الدول العربية تقريبًا باعتبارها تؤيد الإرهاب…». ويبدو أن الإسرائيليين يتلقون الآن دروسًا عن الحريات الإعلامية من «الدول العربية».

أشار الكاتب إلى أنه إذا كان هناك تحالف غير مكتوب بين السعودية وإسرائيل، فإن جميع الخيارات – كما قال الرئيس الأمريكي وهيلاري كلينتون – كانت على الطاولة. فالسجن دون محاكمة والقتل خارج نطاق القانون وانتهاكات حقوق الإنسان والفساد والحكم العسكري، كل هذه الخصائص تنتمي إلى «جميع» الدول العربية السنية تقريبًا – وإسرائيل في الأراضي التي تحتلها.

لا يزال هناك إسرائيليون شرفاء يطالبون بدولة للفلسطينيين. هناك سعوديات متعلمات جيدًا يعترضون على «الوهابية المظلمة» التي تأسست عليها مملكتهم؛ هناك الملايين من الأمريكيين الذين لا يعتقدون أن إيران عدوهم وأن السعودية صديقتهم.

أما بالنسبة لـ«تأييد الإرهاب»، فقد ذكر الكاتب أنه يتعين علينا أن نسأل أولًا لماذا صدّر العرب الخليجيون السنة مقاتليهم – وأموالهم – إلى الإسلاميين السنة الأكثر شراسة في الشرق الأوسط. ثم نسأل لماذا لم تقصف إسرائيل هذه المخلوقات الخبيثة نفسها، بل ونسأل لماذا وفّرت إسرائيل الخدمات العلاجية بالمستشفيات للمقاتلين الجرحى من تنظيم النصرة السني – أي تنظيم القاعدة، مرتكبي هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، وفق وصف الكاتب،- أثناء هجومهم على حزب الله الشيعي والعلويين الشيعة السوريين، وهددت بقصف إيران الشيعية نفسها وهو مشروع، يؤيده قرا.

كما ذكر الكاتب أنه يجب علينا ألا ننسى أن الرئيس الأمريكي «المجنون» ونظامه «الغريب» هو أيضًا جزء من التحالف السعودي- الإسرائيلي المناهض للشيعة. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد عقد صفقة لبيع السلاح إلى السعودية تبلغ قيمتها 350 مليار دولار، كما أن موقفه من إيران وكراهيته للصحافة في العالم يجعله جزءًا من التحالف نفسه.

وقال الكاتب: «في الواقع، عندما تنظر إلى واحد من أسلاف ترامب – جورج بوش الإبن، الذي كان يكره أيضًا إيران، والذي أعرب للسعوديين عن رغبته في قصف مقر قناة الجزيرة وتحدث في الواقع إلى توني بلير عن نفس الأمر، فقد كان حريصًا على التأكد من مغادرة أسرة بن لادن الغنية جوًا من الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) – هذا التوافق الأمريكي السعودي الإسرائيلي لديه تاريخ طويل نسبيًا».

بحسب الكاتب، لا يزال هناك إسرائيليون شرفاء يطالبون بدولة للفلسطينيين. هناك سعوديات متعلمات جيدًا يعترضن على «الوهابية المظلمة» التي تأسست عليها مملكتهم؛ هناك الملايين من الأمريكيين الذين لا يعتقدون أن إيران عدوهم وأن السعودية صديقتهم. ولكن المشكلة اليوم في كل من الشرق والغرب هي أن حكوماتنا ليست أصدقاءنا. هم من يضطهدوننا أو من يسودونا، من يقمعون الحقيقة ويتحالفون مع الظالم.

وقال الكاتب إن نتنياهو يريد إغلاق مكتب الجزيرة في القدس. ويريد ولي عهد السعودية إغلاق مكتب الجزيرة في قطر. بوش قصف بالفعل مكاتب الجزيرة في كابول وبغداد. قررت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إخفاء تقرير حكومي عن تمويل «الإرهاب»، خشية أن يزعج السعوديين، وهذا هو بالضبط السبب الذي جعل رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير يغلق تحقيقًا أجرته الشرطة البريطانية بشأن الرشوة السعودية المزعومة قبل عشر سنوات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك