تناولت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية في مقال كتبه تشارلز لستر خريطة تكوين المعارضة السورية بعد مرور ست سنوات على الحرب الأهلية التي ما تزال مستعرة هناك إلى الآن.

وذكر التقرير أنّ وجه سوريا تغير تمامًا خلال الست سنوات. وأن آثار الصراع الدموي – الذي تسبب في مقتل ما يقرب من نصف مليون شخص وتشريد حوالي 11.5 مليونًا آخرين – قد قسمت سوريا إلى فرق مختلفة. يعارض معظم السوريين فكرة تقسيم البلاد، ولكن لا يمكن تجاهل حجم الانقسام الذي أحدثته هذه الحرب الوحشية في شعب كان موحدًا ذات يوم.

ينحصر القتال في أنحاء كثيرة في البلاد في القرى التي عاشت في سلام سابقًا. وبات الانقسام الطائفي يتجذر بقوة في صفوف فصائل المعارضة الرئيسية.

ويرى تشارلز أن الرئيس بشار الأسد هو السبب في ظهور النزعة الطائفية، بعد أن وصف الاحتجاجات التي اندلعت ضده في 2011 بأنها «مؤامرة خارجية». قاد هذه المؤامرة الإرهابيون السنة الذي أُطلق سراحهم من السجون في النصف الأول من 2011. وكان الهدف من ذلك أن يظهر الأسد بوصفه حاميًا للأقليات في سوريا، لكن ذلك لم يدعم قاعدته الشعبية فقط، ولكن ضمن أيضًا أن يصعد المتشددون داخل المعارضة.

وهذا ما حدث إلى حد ما، يشير تشارلز. فالمعارضة السورية في أضعف لحظاتها منذ 2012، ومعظم القوى الدولية تقف ضدها. تخلت الولايات المتحدة عن مطلب إزاحة الأسد وانشغلت بانتخابات الرئاسة، وتعاني أوروبا من أزمة اللاجئين وآثار صدمة استفتاء البريكست، وغضت تركيا الطرف عن مجزرة حلب وتركت المدينة لروسيا. وفي غضون ذلك، زادت موسكو وطهران من دعمهما لنظام الأسد، فضمن الأخير بقاءه.

ساد التوتر أوساط المعارضة السورية، التي وقعت تحت ضغوطات الأجندات المتناقضة للقوى الإقليمية المختلفة. أظهرت المعارضة السورية المعتدلة براجماتية بالموافقة على حضور المحادثات السياسية في كازاخستان وسويسرا، على الرغم من أن القاعدة الشعبية المناصرة لها كانت تعارض هذه الفكرة.

لكن التغييرات طالت المعارضة السورية نتيجة للضغوطات الداخلية. لم تهدأ هيئة تحرير الشام – الاسم الأحدث لممثل تنظيم القاعدة في سوريا – أو تتخلى عن تحقيق هدفها الأكبر، وهو توحيد كافة فصائل المعارضة تحت مظلة أجندتها الإسلامية.

يقول الكاتب إن تنظيم القاعدة قد أمضى معظم الفترة بين عامي 2012 و2015 في اكتساب ثقة المعارضة المسلحة تحت اسم جبهة النصرة، مستغلًا ضعف الحاضنة الشعبية للمعارضة المعتدلة. وقد أظهر التنظيم نفسه باعتباره جزءًا من الثورة السورية، واتبع نهجًا متسامحًا واستراتيجية عسكرية واضحة، وشدد على عدم علاقته بأي أطراف خارجية لكسب ثقة السوريين ودفعهم إلى تقبل وجوده. ولتأكيد عدم تبعيته لأي جهة خارجية، استبدل اسم جبهة النصرة باسم جبهة فتح الشام، في محاولة لتذليل العقبات أمام توحد كافة الفصائل، بإظهار نفسها باعتباره فصيلًا سوريًّا لا علاقة له بأي مشروع جهاد عالمي.

أتاح تغيير اسم التنظيم الفرصة له لتحقيق بعض التقدم، لكن الهدف الأسمى ظل بعيد المنال. فشلت ثلاث محاولات للتوحد في تشكيل تحالف حقيقي بين آواخر 2016 وأوائل 2017. فقد رفضت جماعة أحرار الشام – الحليف السلفي الأكبر للجبهة – فكرة الاندماج. وعللت ذلك بالقول إن جبهة فتح الشام لم تبتعد بما يكفي عن تنظيم القاعدة. وقد تسبب ذلك في اشتعال حرب كللامية، بل وحتى وقوع اشتباكات بين الطرفين، انتهت بهجوم متعمد من طرف جبهة فتح الشام على باقي فصائل المعارضة في شمالي سوريا.

وعندما هددت أحرار الشام بحرب شاملة ضد الجبهة – يقول الكاتب – انضوت الكثير من المجموعات الكبرى تحت راية أحرار الشام طلبًا للحماية، بينما أجبرت فتح الشام فصائل أخرى على الانضمام إلى كيانها الجديد الذي حمل اسم هيئة تحرير الشام. وقد تسببت تلك الاندماجات إلى تقسيم النفوذ في شمال سوريا بين ثلاثة فصائل متناحرة. تعتبر حركتا أحرار الشام وهيئة تحرير الشام أقوى الفصائل من الناحية العسكرية والأكبر عددًا. بينما بات الجيش السوري الحر مظلة للفصائل التي تحمل نفس الأفكار التي خرج من أجلها السوريون ضد بشار الأسد. وفي خضم العداوة القائمة بينها وبين هيئة تحرير الشام، تبنت حركة أحرار الشام السلفية خطاب ووجهة نظر الجيش السوري الحر.

يقول الكاتب إن هيئة تحرير الشام أقل تشددًا من القاعدة، لكنها تتبنى أهداف الجهاد العالمي، وهي إقامة إمارة إسلامية تكون جزءًا من خلافة كبرى بقيادة القاعدة. بيد أن أحرار الشام ليس لها مطامع خارج حدود سوريا. عبرت الحركة صراحة عن أنها تؤمن بالمشاركة السياسية وفكرة الديمقراطية، وأنها ستشارك في الحياة السياسية ولن تعارض ما اتفق عليه السوريون.

ورغم الاختلافات الجذرية بين الفصائل الثلاثة الكبرى، إلا أنهم مصرون على مواصلة حربهم ضد نظام الأسد. ومع خضوع أحرار الشام والجيش الحر لضغوط دولية للقبول بالهدنة، فإن إصرار هيئة تحرير الشام على مواصلة القتال يمنحها المزيد من التأييد والدعم على الأرض.

وجهات نظر متباينة

يرى الكاتب أن المشروع الجهادي للقاعدة يتعرض لتحديات غير مسبوقة، مع إصرار العالم على إنهاء الحرب في سوريا، وانشغال الولايات المتحدة بقتال الدولة الإسلامية وغيرها من المجموعات الإرهابية. لكن القاعدة تمكنت من الصمود بتبني خطاب محلي وبالهجوم على الفصائل المنافسة.

إن هذا له دور كبير في التزام القاعدة الدائم بقتال نظام الأسد، وهو ما يجذب المعارضين داخل سوريا. أما المجموعات التي لها علاقات دولية، فيُنظر إليها على أنها تعمل على تنفيذ أجندات رعاتها الخارجيين، الذين لا يمانعون التفاوض مع النظام. بينما تتمسك هيئة تحرير الشام بقتال النظام، وهو ما يمنحها المصداقية لدى السوريين.

شجب المعارضون في سوريا هجمات هيئة تحرير الشام على بقية الفصائل، لكن التزام الإسلاميين بقتال النظام وحلفائه يبدو أنه يخفف من حدة تلك المخاوف. فعلى الرغم من إعلان المجتمع الدولي دخول هدنة حيز التنفيذ، إلا أن النظام لم يكف عن قصف المناطق السكنية التي تسيطر عليها المعارضة. وهذا يجعل موقف الفصائل المشاركة في المحادثات ضعيفًا، رغم حاجتها في الإبقاء على الدعم الدولي.

ينقل الكاتب عن أحد قادة المعارضة المشاركين في مفاوضات أستانا قوله «هذه الاجتماعات لا تحمل إلا الإذلال لثورتنا. لا يمكننا الاستمرار في حضور هذه الاجتماعات إلى الأبد، ولا يمكننا الاستمرار في قتال النظام إلى الأبد أيضًا». وهكذا، غابت كافة فصائل المعارضة المسلحة عن حضور أحدث جولات المفاوضات في أستانا، التي تتزامن مع الذكرى السادسة لاشتعال الانتفاضة السورية.

في خضم كل هذا – يقول الكاتب – حافظت هيئة تحرير الشام على موقفها الرافض للمحادثات والمتمسك بالاستمرار في القتال. وقد نفذت هجومين ضخمين في عمق مناطق سيطرة النظام – الأول في حمص واستهدف قيادة الاستخبارات في المدينة، والثاني استهدف حجاجًا عراقيين شيعة في دمشق. أوقع التفجيران 116 قتيلاً، ودفع بالحشد الشعبي العراقي الشيعي لقصف هيئة تحرير الشام في شمالي سوريا. وفي الذكرى السادسة للثورة، ضرب تفجير القصر العدلي في دمشق، وتتحدث ثلاث مصادر منفصلة عن أن الهجوم يحمل بصمات هيئة تحرير الشام.

صوت البنادق أعلى صوتًا من الكلمات

ما تنفك هيئة تحرير الشام في حصر الصراع في سوريا بين السنة والشيعة. وفي خضم المعارضة الشديدة والاستياء الذي يسيطر على السوريين، فإن حكاية الصراع الأزلي بين الخير والشر تلقى رواجًا لديهم. يقول الناشط السياسي عبادة القادري متحدثًا عن هيئة تحرير الشام:

تستخدم هيئة تحرير الشام استراتيجية مختلفة عن تلك التي استخدمتها حين كانت تُعرف باسم جبهة فتح الشام. فهي تسوق المنطق المقبول لدى كافة السوريين، لا سيما فيما يخص تخاذل أمريكا عن نصرة الثورة. وقد استخدموا لغة منطقية في تبرير استهداف الشيعة، فهناك غضب شديد يتملك العديد من السوريين السنة. وتصور الهيئة نفسها على أنها الحامي الوحيد لكافة السوريين.

ولا يخفي الناشط في الجيش الحر أسامة أبو زيد أن فعالية هيئة تحرير الشام على الأرض وخلف خطوط العدو تثير إعجاب السوريين.

يقول أسامة «إن أي هجوم نوعي يؤدي إلى قتلى في صفوف النظام والمليشيات الداعمة له يحظى بالتأييد، لأن السوريين يعتقدون أن المليشيات تعتزم تغيير التركيبة السكانية في مناطقنا. وقد رفعت قوات الأسد رايات شيعية فوق جامع بني أمية، وهو رمز للسنة. لكن العمليات التي تنفذها جبهة النصرة ضد المدنيين لا تلقى أي دعم».

يقول كاتب المقال إن رجل دين سني بارز أخبره أن السوريين يثقون في هيئة تحرير الشام أكثر من ذي قبل، لا سيما بعد مهاجمة فرعي الاستخبارات في حمص ودمشق. لكن الهجمات ضد فصائل المعارضة الأخرى كانت تمثل مشكلة. إلا أنها قد توقفت الآن. لقد سئم السوريون من تشرذم فصائل المعارضة ويتمنون توحدها. وقد أكد أن سعي هيئة تحرير الشام لاندماج كامل يبدو غير واقعي. ولكن هناك تجمع سياسي يتشكل الآن.

التدخل الأمريكي

على الرغم من تخلي هيئة تحرير الشام عن جناحها المتشدد، فقد أصبحت حركة أحرار الشام أكثر حزمًا ضد «بلطجة» الهيئة. أخبر مسؤول بارز في أحرار الشام كاتب المقال أنه يستحيل الاندماج مع هيئة تحرير الشام، واتهمها قائد عسكري آخر بأنها تعمل لصالح أعداء الثورة.

وفي محاولة على ما يبدو لإفشال أي محاولات اندماج بين فصائل المعارضة، أصدر المبعوث الأمريكي الخاص مايكل راتني بيانًا أوضح فيه أسباب اعتبار الولايات المتحدة هيئة تحرير الشام جزءًا من القاعدة، وقد جاء في إحدى فقرات البيان الجريء:

أصبحت القاعدة أقل اهتمامًا بالثورة، ووجهت بنادقها صوب رموزها. لقد شهدنا هذا مرارًا، ولا أدل على ذلك من محاولتهم تدمير أحرار الشام وغيرها من المدافعين المخلصين عن الثورة السورية.

وقد سخر قائد بارز في أحرار الشام من البيان، وصرح لكاتب المقال بالقول «هذا أمر استثنائي للغاية. وكأن أحد شباب الثورة من طرفنا هو من كتبه. هل كاتب البيان سوري؟ هل هو مسلم؟».

إن وصف راتني لحركة أحرار الشام – التي اعتبرتها الولايات المتحدة في السابق منظمة إرهابية عالمية – بـ«المدافع المخلص عن الثورة السورية» يهدف إلى صب المزيد من الزيت على النار. تتهم هيئة تحرير الشام حركة أحرار الشام بالعمل على تنفيذ تعليمات أطراف خارجية (تركيا تحديدًا) وأنها باتت ترفض الهدف الرئيسي للثورة، وهو إسقاط النظام. وهكذا – يرى الكاتب – فكأن الولايات المتحدة تقول للقاعدة إن حليفها السابق أحرار الشام مدافع عن الثورة، بينما تسعون أنتم إلى تدمير الثورة.

وقد أكد مسؤول في مكتب المبعوث الأمريكي الخاص أن الغرض من البيان كان زيادة التوتر بين الفصائل:

أردنا أن نلفت انتباه الفصائل على الأرض، وأن نزرع الخلاف بينهم، ونريهم أننا نراقبهم عن كثب، ونعرف متى يكذبون.

وبعد أن شكلت «إدارة العلاقات السياسية»، أصدرت هيئة تحرير الشام بيانها الأول لتوضيح بعض النقاط لروتني، وجاء في البيان:

لقد أوضحت هيئة تحرير الشام نهجها منذ اليوم الأول. فأكدنا التزامنا بأهداف ثورتنا، التي تتمثل في إسقاط نظام الأسد المجرم. وصرحنا بوضوح أننا لا نتبع أي طرف خارجي، وأن تشكيل الهيئة يؤشر إلى مرحلة جديدة في عمر الثورة السورية. فأعضاء هيئة تحرير الشام هم أبناء هذه الأمة الثائرة.

وتتهم هيئة تحرير الشام – التي تخلت عن الخطاب الديني وتمسكت فقط باللغة السياسية – الولايات المتحدة بالتعاون مع نظام الأسد وإيران وحزب العمال الكردستاني وروسيا في وأد الثورة.

ما الذي يحمله المستقبل؟

ما لم يحدث أي تغير جيوسياسي كبير، فمن الصعب عدم تخيل توسع نفوذ هيئة تحرير الشام في المستقبل. يقول التقرير إن الشبهات حامت حول نوايا الهيئة في سوريا على إثر الهجمات التي شنتها على فصائل المعارضة الأخرى. لكن عزم المعارضة على الإطاحة بالأسد له الأولوية القصوى.

ويؤكد الكاتب أن مفتاح المستقبل هو العلاقة بين أحرار الشام وهيئة تحرير الشام، ومدى تأثير تركيا على مسار هذه العلاقة. منذ منتصف 2016، نظرت تركيا إلى وجود القاعدة على حدودها الجنوبية تهديدًا لها، مما دفعها إلى الانخراط في حوار مع كافة الفصائل المعارضة في شمالي سوريا، واتفقوا على توفير أنقرة الحماية لهم مقابل عدم تعاونهم مع جبهة فتح الشام.

كانت تركيا قد ضغطت على المعارضة المتواجدة في شمالي سوريا من أجل نقل أسلحة ثقيلة من المناطق التي تتقاسم السيطرة فيها مع هيئة تحرير الشام إلى ريف حلب الشمالي، الخاضع لسيطرة فصيل معتدل موالٍ لتركيا. لكن هيئة تحرير منعت تلك المجموعات من نقل تلك الأسلحة.

إن التوتر بين هيئة تحرير الشام وبقية فصائل المعارضة السورية شديد. وقد تسبب هذا التوتر في إزهاق أرواح وفقدان أسلحة وتلطيخ سمعة الطرفين. وتدرك فصائل المعارضة السورية أن أي محاولة للقضاء على هيئة تحرير الشام بدون دعم دولي معتبر سيكتب شهادة وفاة الثورة ضد نظام الأسد.

يختتم الكاتب المقال بالقول إن المعارضة المسلحة تدرك أنها في حاجة للحفاظ على مصداقيتها بين السوريين. ومن أجل فعل ذلك، سيتعين عليها في نهاية المطاف هجر محادثات السلام والتركيز على العمل المسلح. وهذا يعني أن التعاون مع هيئة تحرير الشام أمر لا مفر منه، مما سيمنح الهيئة زمام المبادرة، وسيؤمّن لها موقعها بوصفها المحرك الأوحد للثورة السورية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد