خمسة أيام من محادثات السلام في سويسرا بين الأطراف المتحاربة في اليمن من دون أية نجاحات، مما يجعل من الواضح بشكل متزايد أن أفقر دولة في العالم العربي تترنح على حافة من الفوضى شبه الدائمة.

مع الحرب الأهلية والاستقطاب العميق، فإن الفروع المحلية لكل من تنظيم القاعدة وتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) تكتسب الأرض والنفوذ.

تركت الحرب البلد منقسمة، مع خطاب طائفي تقسيمي حتى الآن في اليمن، يلعب دورًا متزايد الأهمية. في الوقت الذي تقدم فيه الحوثيون الشيعة من الشمال الغربي في جنوب وشرق البلاد، وهي مناطق تنتمي الغالبية السكانية بها إلى السنة، فإن وسائل الإعلام الإقليمية كثيرًا ما صورتهم بأنهم دمى بيد إيران.

وفي الوقت نفسه، لدى الحوثيين ميل لوصف أي قوة منافسة على الأرض باعتبارها جزءًا من تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

وطن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب نفسه على أنه الجماعة الوحيدة القادرة على حماية السنة في البلاد من منافسيهم الشيعة.

الفرع المحلي لتنظيم داعش، الذي أعلن دخوله ساحة المعركة اليمنية المعقدة مع قصف استهدف مسجد صنعاء في مارس الماضي ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 130 شخصًا، وسعى حيثما كان ذلك ممكنًا لإطلاق الهجمات التي تزيد من الانقسامات على أساس الهوية الطائفية.

استولى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب على المكلا، وهي مدينة في جنوب شرق اليمن، بعد فترة وجيزة من تدخل التحالف العسكري الذي تقوده السعودية منذ مارس، أملًا في استعادة عبد ربه منصور هادي إلى السلطة.

وكان الرئيس اليمني قيد الإقامة الجبرية في صنعاء في فبراير الماضي. وقد انتاب مسؤولين أمنيين غربيين مشاعر إحباط بعد فشل التحالف الذي أطلق العنان للمليارات من الدولارات من الذخائر في شمال غرب البلاد، في طرد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

كافح هادي والتحالف الذي يتم التنسيق له من الرياض، من أجل توحيد المقاتلين ضد الحوثيين أو تحسين الوضع الأمني ​​في المناطق التي يسيطرون عليها في جنوب اليمن، مما سمح للفراغ الأمني ​​المقلق بالفعل أن يتصاعد.

وفي الوقت نفسه، وبينما بدأت في الأسابيع التي سبقت محادثات السلام التي جرت في سويسرا في 15 ديسمبر، ادعى تنظيم داعش مسؤوليته عن اغتيال محافظ عدن، والذي يخضع لسلطة حكومة هادي.

وكافحت الميليشيات المدعومة من التحالف السعودي، لاستعادة أراضٍ في محافظة أبين المجاورة، والتي سيطر عليها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. كما أصدر تنظيم داعش شريط فيديو يصور الإعدام الوحشي لمقاتلين حوثيين اعتقلوا في عدن في وقت سابق من هذا العام.

مع استمرار كلا الفريقين في تحقيق مكاسب، ومع ذلك، ركز المحللون على أن خطر التطرف الإسلامي في اليمن أصبح أكثر توظيفًا من قبل شبكة من المقاتلين السلفيين الذين ساعدوا في دفع الحوثيين من عدن ويقودون الآن معركة تعز، وهي مدينة صناعية في وسط اليمن، والتي بات ينظر إليها باعتبارها ضحية للحرب الأهلية.

لا ينتسب هؤلاء المسلحون، وكثير منهم قاتلوا الحوثيين على مدرسة دينية سلفية في شمال اليمن قبل طردهم في عام 2014، إلى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ولا إلى تنظيم داعش، ولكن من المعروف أنهم يعملون جنبًا إلى جنب مع مقاتلي القاعدة في جزيرة العرب عندما يكون من المناسب من الناحية الإستراتيجية.

إذا أصبحت الأوضاع في اليمن أكثر حرجًا وفشلت حكومة هادي في تحسين الأمن، يمكن أن ينشأ تحالف بين السلفيين والجماعات الأخرى الأكثر تطرفًا.

وبالنظر إلى أن معظم السياسات الغربية في اليمن قبل عام 2015 كانت تتركز على القضاء على تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وتنظيمات شقيقة مثل تنظيم أنصار الشريعة، فإن التوسع الأخير لما تعتقده الولايات المتحدة امتيازًا لتنظيم القاعدة الذي يشكل أكبر تهديد لأمنها القومي، هو مدعاة للقلق العميق.

كذلك هو الأمر فيما يتعلق بصعود تنظيم داعش وتنامي نفوذه، وقوة نيران شبكة المقاتلين السلفيين الذين يمكن أن يتعاطفوا معه.

لمنع مزيد من التوسع الذي يمكن أن يحققه تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وتشجيع هذا النوع من الاستقرار والأمن الذي يمكن أن يردع الجماعات الاسلامية المتطرفة قبل أن تصبح جزءًا لا يتجزأ من اليمن، فإن الأمر يتطلب تسوية سياسية ذات مغزى.

ولكن هل يمكن الخروج بتسوية كهذه من عملية السلام التي تتم بوساطة من الأمم المتحدة، والتي بدأت في سويسرا؟

من بين العديد من الجماعات التي تقاتل في اليمن، فإن القليل منها لديه إحساس بالولاء لهادي أو حكومته. هم يرون التحالف السعودي إلى حد كبير من خلال عدسة الدعم العسكري والمالي، لذلك فإنه من غير الواضح ما إذا كانوا سيوافقون على صفقة إذا ما شعروا أنها لا تخدم مصالحهم الفردية.

التحالف الذي تقوده السعودية، من جانبه، يعترف بأن هادي لا يحظى بشعبية ويريد أن يرى صفقة عاجلًا وليس آجلًا، حتى أنه يمكن استبدال هادي مع شخصية أكثر ميلًا للمصالحة. ولكن هناك انقسامات حتى بين اللاعبين البارزين في التحالف حول من قد تكون هذه الشخصية.

وحتى الآن، فقد عملت المملكة العربية السعودية إلى حد كبير مع الجماعات المحلية التابعة لحزب الإصلاح، والحزب السني الرئيسي في اليمن. لكن دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي أشرفت على حملة لاستعادة مدينة عدن مرة أخرى من أيدي الحوثيين، ترى الإصلاح كوكيل لعدوها اللدود جماعة الإخوان المسلمين.

وقد عمل الإماراتيون إلى حد كبير إلى جانب الانفصاليين والميليشيات السلفية في جنوب البلاد، بينما رفضوا تقديم الدعم للجماعات التابعة لحزب الإصلاح في تعز.

في أوائل ديسمبر، عين هادي عيدروس الزبيدي وشلال علي شايع، من قادة أقوى ميليشيات الانفصاليين، في منصبي محافظ عدن وقائد الأمن، على التوالي، على ما يبدو تحت إكراه من الإماراتيين.

كثير من الجنوبيين يرون هذه الخطوة بأنها إشارة إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة مستعدة لدعم رغبتهم في استقلال الجنوب إذا كان ذلك سيساعد على السيطرة على الأراضي التي تخضع سواء لسيطرة الحوثيين أو للتنظيمات التابعة لحزب الإصلاح.

تبدو الحرب في اليمن على نحو متزايد مثل الصراعات في سوريا وليبيا والعراق، مزيجًا معقدًا من الأجندات المحلية والإقليمية المتنافسة، والتي تلعب فيها سياسات الهوية دورًا هامًا وكثيرًا ما يكون مدمرًا.

توفر محادثات السلام التي بدأت الأسبوع الماضي في سويسرا فرصة لإبطاء زحف اليمن نحو حالة من الفوضى شبه الدائمة. ومع ذلك، فإنه إن لم يتم التوصل إلى اتفاق، فإن ذلك سيصب في صالح تنظيم القاعدة، الفائز الأكبر في الحرب حتى الآن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد