لطالما انشغلت المؤسسات الأمريكية المعنية بـ”مكافحة الإرهاب” بالتهديد الذي تشكله حركة الشباب في الصومال؛ المصنفة كجماعة إرهابية، والنجاحات التي حققتها في تجنيد الشباب داخل الدول الغربية، إثر تمكن الحركة من جذب مئات المقاتلين الأجانب إلى الصومال، من ضمنهم نحو 40 مواطنًا أمريكيًّا، من خلال أشرطة الفيديو الدعائية المعروضة على الإنترنت، وعبر التجنيد الشخصي المباشر داخل مجتمعات المهاجرين في الدول الغربية المفعمة بالسخط.

 

بالرغم من ذلك؛ فقد انقلبت حركة الشباب على مقاتليها الأجانب، وشنّت حملة وحشية على من اعتبرتهم جواسيس في صفوفها. توفر لموقع الـ Intercept رواية عن جوهر الصراع الداخلي في الحركة، في سلسلة من المقابلات التي أُجريت مع عضو حالي في حركة الشباب، ومصدر آخر حافظ على صلات وثيقة مع الحركة.

 

اغتالت حركة الشباب عددًا من المقاتلين الذين أُدرجت أسماؤهم في قوائم القتل/ القبض التي وضعتها الـ CIAعلى مدى السنوات القليلة الماضية، وقد علمت الـ Intercept أن الحركة تُدير حاليًا شبكة من السجون السرية التي تحبس بتهمة التجسس مواطنين من بريطانيا وأمريكا ودول غربية أخرى؛ قدموا إلى الصومال للانضمام إلى الحركة. يقوم مقاتلو الشباب بتعذيب المتهمين باستخدام تقنيات مختلفة؛ مثل: أسلوب محاكاة الغرق، والضرب، والحرمان من الطعام والنوم، بالإضافة لعمليات الصلب والإعدام العلني للجواسيس المشتبه بهم.

 

شهادة من الداخل

إبراهيم مواطن من دولة غربية، سافر إلى الصومال للانضمام إلى حركة الشباب (إبراهيم اسم مستعار)، وهو يعيش حاليًا في الأراضي التي تسيطر عليها الحركة، وتعتقد الحركة أنه عضو مخلص. الـ Intercept تأكدت من هويته الحقيقية، وتعهدت بعدم كشفها، ووافقت على عدم تحديد بلده الأصلي، إذ يمكن أن يؤدي انتقاد حركة الشباب إلى الموت أو السجن. “سيتمّ اعتقالي، وسأتعرض للتعذيب”، هذا ما قاله إبراهيم حين سألتُه عما سيحدث له إذا انتقد الحركة علنًا.

 

مثل غيره من الشباب الغربيين ذوي الأصل الصومالي؛ قرر إبراهيم الانتقال إلى الصومال بعد مشاهدة فيديوهات حركة الشباب على الإنترنت ومتابعة أخبار المعارك بين المقاتلين الصوماليين وقوات بعثة الاتحاد الإفريقي (أميصوم) التي تدعمها أمريكا. “في ذلك الوقت؛ كانت تحدث كثير من الأمور، وشعرت أنه من واجبي الديني المشاركة في الجهاد المقدس الذي كان يدور في الصومال، وأن عليّ – كشاب مسلم- تحمل مسؤولية دعم إخواني وأخواتي في الصومال ضد العدو”، ويضيف إبراهيم: “شعرت أنه لا بدّ من تلبية نداء الصومال”.

 

اعتقد إبراهيم أن حركة الشباب تقاتل لإقامة نظام الشريعة الإسلامية، والذي سيسمح له بالعيش وفقًا لقناعاته الدينية الراسخة. واعتقد أن الانضمام إلى الجهاد من شأنه أن يساعد في جعل ذلك واقعًا في الصومال. “في ذلك الوقت؛ كانوا سعداء لرؤية ما تسمونه المقاتلين الأجانب، ورحبوا بهم كثيرًا”، ويقول: “لقد شاركنا في التدريب الأساسي على الأسلحة الصغيرة وما إلى ذلك، وبدا كل شيء سهلًا”. ويضيف: “بالغت وسائل الإعلام على نحو ما في تقدير تدريبات حركة الشباب. التدريب في الأساس بسيط؛ والأسلحة صغيرة، مع تمرينات بدنية وتدريب على الانضباط”.

 

لم تدم تلك الفترة من الانسجام النسبي داخل الحركة. والآن يروي إبراهيم قصته حتى لا يسلك الآخرون طريقه. بالنسبة لعضو الكونغرس المنتخب من ولاية مينيسوتا؛ كيث أليسون، والممثل لأكبر جالية صومالية في أمريكا، المقيمة في مينيسوتا/ منطقة سانت باول؛ فإن قصة إبراهيم التحذيرية مثال على نوعية القصص التي ينبغي تشجيع الأعضاء المغتربين في حركة الشباب على روايتها، بدلًا من احتجازهم أو قتلهم، كما هو النهج الحالي للحكومة الأمريكية. “أعتقد أن شخصًا كان داخل حركة الشباب، ويؤكد أنها حركة إرهابية إجرامية لا تسعى لتحرير الصومال؛ هو على الأرجح أكثر قابلية لتعزيز السلام والأمن عوضًا عن رمي الشاب في السجن”. ويضيف أليسون: “نحن بحاجة إلى أن نتعلم من هؤلاء الناس، ونستخدمهم لإيصال رسالة إلى الشبان الذين قد تغريهم رسالة حركة الشباب”.

 

بعد فترة وجيزة من انضمامه لحركة الشباب، التقى إبراهيم بالمقاتل الأمريكي الأشهر في تاريخ الصومال، شاب من ولاية ألاباما يُدعى عمر حمامي، المعروف في الصومال بأبي منصور الأمريكي. ويتذكر إبراهيم أن حمامي كان شابًا سعيدًا غربيًّا بشكل نموذجي، واعتبره مرشدًا وقائدًا داخل كتيبة المقاتلين الأجانب. سافر حمامي إلى الصومال عام 2006، وانضم إلى مقاتلي المحاكم الإسلامية في حربهم ضد الغزو الإثيوبي للبلاد والذي دعمته أمريكا. كان اتحاد المحاكم الإسلامية تحالفًا شعبيًّا طرد أمراء الحرب المدعومين من قبل الـ CIA من مقديشو في صيف عام 2006، وسعى التحالف لإنشاء حكومة على أساس الشريعة الإسلامية، غير أن سلطة المحاكم كانت قصيرة الأجل، وسرعان ما بدأت القوات الأمريكية والقوات الإثيوبية باغتيال وسجن قادتها، واحتلت القوات الإثيوبية مقديشو ومناطق أخرى من الصومال لمدة سنتين.

 

التحالف مع تنظيم القاعدة

مع تفكك اتحاد المحاكم الإسلامية، ظهرت حركة الشباب كقوة مقاومة وحيدة متبقية ضد الاحتلال الأجنبي. وبين عشية وضحاها؛ انتقلت الحركة من كونها جزءًا صغيرًا من الحراك الإسلامي من أجل “تحرير” الصومال إلى طليعة ذلك النضال. عزّزت الحركة تحالفها مع تنظيم القاعدة، وشرعت بقوة في تجنيد المقاتلين الأجانب. وفي الوقت نفسه؛ فقد رأت القاعدة الصومال كمركز مستقبلي لعملياتها.

في أوائل يناير عام 2007، تناول نائب “بن لادن”؛ أيمن الظواهري؛ الوضع الصومالي في تسجيل نُشر على الإنترنت. بدأ الظواهري حديثه بالقول: “أتحدث إليكم اليوم، في الوقت الذي تنتهك فيه القوات الإثيوبية الغازية الصليبية تراب الصومال المسلم الحبيب. أدعو الشعب المسلم في الصومال إلى البقاء في ساحة المعركة الجديدة، التي هي إحدى ساحات المعارك الصليبية التي تشنها أمريكا وحلفاؤها والأمم المتحدة ضد الإسلام والمسلمين”. وناشد الظواهري المجاهدين بأن “يجهزوا الكمائن، والألغام الأرضية، والغارات، والعمليات الاستشهادية، حتى تقضوا عليهم كما تلتهم الأسود فرائسها”.

 

حظي حمامي بمصداقية الشارع داخل حركة الشباب، لكونه من أوائل الذين لبّوا النداء، وكان هناك خلال فترة المعارك الأسطورية، وتزوج امرأة صومالية، وسرعان ما أصبح السفير المحبوب الناطق بالإنجليزية لجذب الشباب الغربي. قام حمامي بنشر مقاطع فيديو على اليوتيوب واصفًا أفراح الجهاد ونمط الحياة الإسلامية المريح. وقام أيضًا بإنتاج أغاني هيب هوب، توقع فيها وفاته في غارة طائرة درونز أو بصاروخ كروز. يقول إبراهيم: “كان بمثابة رمز للمقاتلين الأجانب. كان هنا منذ نهاية عام 2006، وقد خاض الكثير من المعارك، وكان متعلمًا وذكيًّا للغاية”.

 

في أواخر عام 2007، بعد عام من وصوله إلى الصومال، ظهر حمامي على قناة الجزيرة – مع كوفية تغطي جزءًا كبيرًا من وجهه- وشرح لماذا انضم لحركة الشباب؛ “يا مسلمي أمريكا، خذوا بعين الاعتبار الوضع في الصومال. فبعد 15 عامًا من الفوضى والحكم القمعي لأمراء الحرب المدعومين من قبل أمريكا؛ قام إخوانكم بتأسيس العدل والسلام في هذه البلاد”. في حينها؛ قدر مسؤولون صوماليون أن أكثر من 450 مقاتلًا أجنبيًّا جاءوا إلى الصومال للمشاركة في نضال حركة الشباب.

 

سيرًا على خُطى حمامي – بعد تلقيه التدريب الأساسي من قبل حركة الشباب- بدأ إبراهيم بالمشاركة في هجمات منتظمة ضد قوات بعثة الاتحاد الإفريقي، ومعظمها من أوغندا وبوروندي. يتذكر إبراهيم: “شاركت في الكثير من المعارك، معظمها كانت داخل مقديشو، ولم يكن لأي منها اسم”. ويقول: “عندما جئت مكثت مع المقاتلين الأجانب، الذين يُعرفون بالمهاجرين. كان هناك مقاتلون من أمريكا، وكندا، وبريطانيا، والدنمارك، والسودان، والسعودية، ودول شرق إفريقيا”.

 

لكن سرعان ما اعتبرت القيادة الصومالية المتنفذة لحركة الشباب؛ هذا السيل من المقاتلين الأجانب تهديدًا لسُلطتها. وبحلول عام 2011، وقع شقاق داخل الحركة، قذف المقاتلين الأجانب في وجه القيادة الصومالية، وجرفهم إلى صراع دموي، سيؤدي في نهاية المطاف إلى أن يندم إبراهيم على القدوم إلى الصومال والانضمام لحركة الشباب.

 

الغدر بالمعلم فاضل

مع اتجاه القيادة الصومالية لتأكيد سلطتها؛ وجد تنظيم القاعدة نفسه مهمشًا، إلى جانب المقاتلين الأجانب. وطالما أراد أسامة بن لادن أن يجد موطئ قدم لتنظيم القاعدة في الصومال، لكن النظام العشائري في البلاد جعل الأمر في غاية الصعوبة. تغير الوضع عقب الغزو الإثيوبي وحملات القتل الأمريكية، وعين “بن لادن” محمد فاضل من جزر القمر زعيمًا لتنظيم القاعدة في شرق إفريقيا، مع توجيه أساسي بدعم الجهاد في الصومال. وكان فاضل أحد العقول المدبرة لتفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998، ونظم سلسلة من الهجمات ضد أهداف غربية في كينيا عام 2002.

 

أخبرني الباحث في حركة الشباب؛ عبد الرحمن عينتي؛ أن فاضل كان بمثابة “جسر بين حركة الشباب وتنظيم القاعدة، لجلب موارد التنظيم والدعم المادي، وجذب مزيد من المقاتلين الأجانب، والأهم من ذلك؛ خبرته العسكرية في كيفية صنع المتفجرات وتدريب الناس. وبوجوده اكتسبت الحركة التأثير الذي كانت تحتاج إليه وقتها”.

 

في أغسطس 2010، أعلنت حركة الشباب ما وصفته بـ”الحرب الشاملة” ضد قوات أميصوم، والتي بلغ عددها في ذلك الوقت حوالي 6000 جندي. ضربت الحركة قوافل أميصوم، ونشرت الانتحاريين في البلاد، وهاجمت الوزراء ومسؤولي الحكومة، وزرعت الخوف والرعب، واستولت على بعض المناطق في مقديشو. فبدأت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى حشد الدعم لقوات أميصوم المحاصرة، ما أدى لشن هجوم شامل وقصف عشوائي لمواقع الحركة، الأمر الذي أجبرها على التقهقر الذي سمته بـ”الانسحاب الإستراتيجي”، وتكبدت خسائر فادحة، وظهر خلاف بين قادتها بشأن مستقبل الحركة.

 

بحلول عام 2011، كان عَالَم فاضل يزداد ضيقًا، فقد اغتيل جميع رفاقه تقريبًا في تنظيم القاعدة بشرق إفريقيا من قبل قيادة العمليات الخاصة المشتركة  JSOCوعاش هاربًا بعد أن رصدت الحكومة الأمريكية 5 ملايين دولار لمن يأتي برأسه. وأشارت بعض المصادر الاستخباراتية أن فاضل ربما كان قد أجرى عمليات لتغيير ملامح وجهه، وثمة تقارير دورية كشفت أنه ظهر في جميع أنحاء القرن الإفريقي باستخدام أسماء مستعارة وجوازات سفر مزورة. ومع رحيل العديد من القادة القدامى في تنظيم القاعدة بالمنطقة فقد دخل فاضل في عزلة متزايدة واضطر للتعامل مع تعقيدات السياسة الصومالية العشائرية. وفي الثاني من مايو من ذلك العام قتل أسامة بن لادن.

 

اتضح لفاضل بعدها أن تقديم موارد كافية من تنظيم القاعدة إلى حركة الشباب يزداد صعوبة، وسعت الحركة للبحث عن مصادر دعم وتمويل مختلفة، بما في ذلك عقد صفقات مع العشائر القوية، ووجد فاضل نفسه في خلاف مع القيادة الصومالية في حركة الشباب.

 

قابلتُ مصدرًا في وكالة المخابرات الصومالية، استطاع الوصول إلى كتابات فاضل التي استولت عليها وكالته عام 2011. كشفت الكتابات عن “فجوة” متزايدة، وأظهرت أن “فاضل اعتقد منذ البداية أن حركة الشباب تدير الأمور بطريقة خاطئة، وأن الحرب التقليدية بين الحركة والحكومة لم تعد مُحتَمَلة”. زعم فاضل أن الحركة كانت تجند صغار السن، “وترسلهم في غضون أشهر لعمليات انتحارية. واعتقد أن تلك فكرة سيئة وأنها على المدى البعيد ستؤدي إلى تآكل قوة الحركة”. وأضاف المصدر: “ما أود قوله أن ذلك الرجل كان يفكر للمستقبل البعيد، واتهم قيادة الحركة بقصر النظر”.

 

في 7 يونيو عام 2011، أبلغت المخابرات الصومالية الـ CIA أن فاضل قُتل على يد قوات محلية صومالية. وتقول المخابرات الصومالية أن فاضل اتخذ بسيارته منعطفًا خاطئًا، وعقب مشادة كلامية مع الجنود الصوماليين عند نقطة تفتيش، قُتل رميًا بالرصاص. ويقول المصدر في المخابرات الصومالية إن “الأمريكيين كانوا ممتنين بشكل لا يصدق”. واعتبرت وزيرة الخارجية الأمريكية وقتها؛ هيلاري كلينتون؛ مقتل فاضل “ضربة قوية لتنظيم القاعدة، وحلفائها المتطرفين وعملياتهم في شرق إفريقيا. إنها نهاية إرهابي جلب الكثير من الموت والألم للعديد من الأبرياء”.

 

لا يعتقد إبراهيم ولا المصدر الآخر المقرب من حركة الشباب – والذي أجريت معه مقابلة بخصوص موضوع المقال- بصحة الرواية الرسمية لمقتل فاضل. اشتبه الاثنان أن فاضل تعرض لعملية اغتيال، ليس من قبل القوات المحلية ولا من قبل الـ CIA، وإنما من قبل حركة الشباب. يقول إبراهيم: “في ذلك الوقت؛ كان ثمة صدام بين فاضل والزعيم السابق للحركة أبي الزبير”. ويضيف: “أخبر فاضل قائدًا صوماليًّا في الحركة كان يدعم المقاتلين الأجانب: سوف أُقتَل قريبًا على يد حركة الشباب، إن قُتِلتُ فلا تضيعوا دمي”. يؤكد إبراهيم “أن الصراع استمر حتى حدث هذا الاغتيال، وأعتقد أن الحركة خططت لهذا الاغتيال ودبرته، ولا أعتقد أن ما حدث كان مجرد خطأ”.

 

انتفاضة المقاتلين الأجانب

في الشهور التي تلت مقتل فاضل، اتسعت الفجوة بين القيادة المحلية للحركة والمقاتلين الأجانب. شرع عمر حمامي بانتقاد تكتيكات وقرارات قيادة الحركة علنًا. يقول إبراهيم: “لم يتقبل حمامي أي نوع من الإهانة وعدم الاحترام، وكان ينافح عن حقوقه”.

أخبرني المصدر المقرب من الحركة أنه خلال صراع حمامي مع قيادة الحركة؛ تجول حمامي مرتديًا حزامًا ناسفًا في بعض الأحيان. كانت الرسالة التي أراد إيصالها: إذا حاولتم قتلي فسوف تموتون معي.

 

تحالف حمامي ومقاتلون أجانب آخرون مع مختار روبو؛ القيادي الصومالي والعضو البارز في حركة الشباب. عندها انفجر صراع داخلي للسيطرة على الحركة، وأطلقت الحركة حملة اغتيالات ضد المقاتلين الأجانب البارزين وحلفائهم الصوماليين، وكان العديد منهم مطلوبين للولايات المتحدة. في يونيو 2013، اغتالت الحركة الشيخ معلم برهان، وإبراهيم الأفغاني، والأخير صومالي عاش في أمريكا في الثمانينيات. يقول إبراهيم: “هذان الرجلان أرادا بطريقة ما أن يعلنا ثورة صغيرة، أو انتفاضة، وحاولا التحدث علنًا. أخذوهما خارج مدينة براوة وقتلوهما هناك”.

 

القائد روبو الذي رصدت أمريكا 5 ملايين دولار لمن يأتي برأسه؛ انتقد زعيم الحركة أبا الزبير علنًا، واتهمه بإصدار أوامر تصفية المقاتلين الأجانب، والتآمر لقتل حمامي، ووصف ذلك بـ”الجريمة الكبيرة ضد إخواننا”. في ذلك الشهر؛ هرب روبو من الأراضي التي تسيطر عليها حركة الشباب وعاد سالمًا إلى معقل عشيرته. يقول إبراهيم: “شعر روبو أنه لم يكن آمنًا، لذلك هرب إلى بكول، حيث بقي هو وعائلته في حماية عشيرته”.

 

فَقَدَ حمامي بمغادرة روبو الحماية الأساسية له، وبدأ يغرد في تويتر عن محاولات قتله، وفي أبريل 2013، نشر حمامي صورة له تظهر ما وصفه بمحاولة اغتيال فاشلة من قبل حركة الشباب بعد أن تم إطلاق النار على رقبته. وزعم حمامي لاحقًا أن الحركة حاولت اغتياله بطرق مختلفة، وغرّد قائلًا: “لقد جُنّ جنون أبي الزبير، لقد أعلن حربًا أهلية”.

في نهاية المطاف؛ في 12 سبتمبر 2013 قُتل حمامي، ليس من قبل الحكومة الأمريكية التي سعت طويلًا لقتله. لم يكن قاتلوه من الـ CIA ولا من الـ JSOC، بل كانوا من حركة الشباب.

 

يتذكر إبراهيم: “ساهم المقاتلون الأجانب في تطوير حركة الشباب، وكان أبو منصور الأمريكي (حمامي) واحدًا من الذين لعبوا دورًا كبيرًا. كان رجلًا ذكيًّا ويُحسن الكثير من الأمور، وجعل الحركة أكثر عالمية، لقد قتلته الحركة، وهذا واضح، لأنه شكل تهديدًا عامًا”. قُتل حمامي مع رفيقه المقاتل الأجنبي الآخر، وهو مواطن بريطاني عُرف باسم أسامة الباكستاني.

 

حين شاهد إبراهيم هذا التصدع الداخلي في حركة الشباب، ورأى رفاقه من المقاتلين الأجانب يقتلون أو يسجنون، بدأت الشكوك تسيطر على أفكاره، وأدرك أنه ارتكب خطأ فادحًا بالمجئ إلى الصومال، وقد تنتهي قصة حياته ليس بالموت في سبيل الجهاد بل بالقتل أو السجن من قبل حلفائه السابقين في حركة الشباب.

 

قُتل بعض أصدقاء إبراهيم، واختفى بعضهم في سجون سرية تديرها حركة الشباب، وغالبًا ما يسبق سجنهم اتهامهم بالتجسس أو التآمر ضد قيادة الحركة. “كان لديهم سجون سرية من قبل، لكنها صارت أكثر فعالية بعد مقتل أبي منصور الأمريكي والشيخ برهان ورجال آخرين”، ويضيف إبراهيم: “كل من يخالف حركة الشباب، ويقول أي شيء لا تحبذه سوف ينظر إليه على أنه عدو. سوف توجه إليك ضربة ما إن كنت لا تخدم مصالحهم، وستجد نفسك في عداد المفقودين في سجن ما تحت الأرض حيث ستتعرض للتعذيب”.

 

أي نوع من التعذيب؟

“الضرب، وأسلوب محاكاة الغرق، واستخدام نوع من الغاز في التعذيب، الحرمان من الطعام والنوم. وقد يقيدونك لساعات طويلة، أو يجلدونك في مكان عام، أو يصلبونك، أو يوثقونك إلى مؤخرة سيارة دفع رباعي ويسحلونك في الطرقات”.

 

يؤكد إبراهيم أن معظم الناس في السجون حتى الوقت الحاضر هم من المقاتلين الأجانب، وفيهم – على الأقل- اثنان من أمريكا. “غالبًا ما يتهمونهم بالعمالة والجاسوسية قبل وضعهم في سجون تحت الأرض. يظل المرء هناك عامًا، وحين يخرج يكون لديه خياران: أن تظل صامتًا وإلا سيتمّ ترحيلك إلى بلد ستحاكم فيه بتهمة الإرهاب لأنك عضو في حركة الشباب، كما فعلت الولايات المتحدة مرارًا. كما يمكن أن تُرمى في شوارع مقديشو. وقد أعلنت الحكومة الصومالية عفوًا عامًا عن الصوماليين الذين يغادرون حركة الشباب ويسلمون أنفسهم، لكن هذا العفو يأتي مع خطر الاغتيال من قبل حركة الشباب”.

 

يقول إبراهيم: “حين ساورتني الشكوك أول مرة بشأن إفساد حركة الشباب الغرض الذي جئت من أجله إلى الصومال؛ كان الأمر شعورًا داخليًّا بأنه ثمة خطأ ما، وتكتمت على شكوكي ولم أكن أريد التحدث عنها، حاولت أن أبقيها في قلبي وأن أتجاوزها بطريقة أو بأخرى، ولكن سرعان ما صارت الجرائم علنية، وشعرنا بأننا – المقاتلين الأجانب- لم نعد موضع ترحيب ولا احترام، وعوملنا كمواطنين من الدرجة الثانية”.

 

يضيف إبراهيم: “إذا نظرتم إلى تطور حركة الشباب، فإن المقاتلين الأجانب هم الذين بنوا سمعتها العالمية. في البداية كانت الحركة محلية، وعندما انضم إليها المقاتلون الأجانب قامت الحركة بتحسين أدائها في الإعلام والتدريب، لكن تلك الحقبة ولّت”.

 

يُشبّه إبراهيم الحياة في الأراضي التي تسيطر عليها حركة الشباب – حسب فهمه- بالمجتمع الكوري الشمالي: محاكمات سرية من غير طعون، وتعذيب، وإعدام علني، والسماح للقيادة فقط استخدام الإنترنت والوصول إلى الأخبار الدولية، ورصد سجلات الهواتف الخلوية، ومنع الكاميرات أو الهواتف المزودة بالكاميرات.

 

يحذر إبراهيم الصوماليين في أمريكا وكندا وبريطانيا وكل مكان؛ “أريد أن يُسمع صوتي ويصل إلى الجميع، لا أريد أن يرتكب الآخرون نفس الخطأ الذي ارتكبته، وخصوصًا الشباب في الدول الغربية. أريد فقط أن أقول لهم: لا تأتوا إلى الصومال، لن تخدموا بذلك أنفسكم ولن تخدموا الأمة الإسلامية، هذه نصيحة من أعماق قلبي”.

 

حين سألت إبراهيم عما إذا كان يريد العودة إلى بلده الأصلي، أجاب: “لا. أنا لا أقول أنني أفتقد المكان الذي أتيت منه. هذا ليس قصدي، ولستُ نادمًا على اختيار هذا المسار. الناس الذين أعمل معهم هو ما لا أحبه هنا، وهذه هي النقطة الرئيسة”.

 

ويتوقع إبراهيم أن حركة الشباب ستكون في السنوات القادمة مثل القوات الثورية في كولومبيا FARC، والتي تحولت من جماعة سياسية إلى مؤسسة إجرامية.

 

يقارن نائب الكونغرس أليسون بين قصور النهج الحالي للحكومة الأمريكية إزاء المتطرفين الغربيين مثل إبراهيم بقصور الحرب الأمريكية على المخدرات: “الذين شككوا في جدوى الحرب على المخدرات يعرفون أن المخدرات تؤذي الناس، وأنها سيئة وغير صحية، ولكن هل نريد حقًّا أن نسجن الناس بسببها أم علينا أن نقدم لهم خيارات علاج؟ الشيء نفسه يحدث هنا؛ جميعنا نعرف أن حركة الشباب وبوكو حرام وداعش جماعات حاقدة، ولكن كيف يمكننا هزيمتها؟ هل سنهزمهم فقط بإطلاق النار عليهم واستخدام الجيوش والسجون أم علينا أن نجد وسيلة لهزيمة وتقويض الفكر الذي تقوم عليه؟”.

 

ولتحقيق هذه الغاية فإن نشر قصص مثل قصة إبراهيم مفيد للغاية. ويعتقد أليسون “أن الشعب الأمريكي لا يعرف أي شيء عن عقلية شخص منجذب لتلك الجماعات. نفكر فقط أن هناك سيئين وطيبين. الحقيقة أن هناك شبابًا يبغضون غوانتنامو، وطائرات الدرونز، ولا يحبون السياسة الخارجية الأمريكية وينتقدونها بشدة، لكن ذلك لا يجعلهم إرهابيين”.

 

يعتقد وزير الداخلية الصومالي عبد الرزاق عمر محمد أن برنامج العفو الحكومي حقق نجاحًا، وقدر أنه في خلال شهر انخرط عشرات من المنشقين عن الحركة في البرنامج، وانضموا لمركز إعادة تأهيل، مشيرًا إلى أن أحد العوامل المشجعة على الانشقاق التجارب الشبيهة بالتي تحدث عنها إبراهيم. “لقد أدرك الكثيرون أن أيديولوجية الحركة والإجراءات التي اتخذتها قيادتها تتناقض مع توقعاتهم. هؤلاء شباب تمّ غسل أدمغتهم، ولو عادوا إلى رشدهم فعلينا العفو عنهم ومنحهم فرصة ثانية”.

 

اتخذت الحكومة الأمريكية نهجًا مختلفًا، وبدلًا من تقديم العفو فإن عقوبة السجن الطويل في انتظار الصوماليين الأمريكيين وغيرهم ممن سافروا إلى الصومال واتُّهِمُوا بتقديم دعم لجماعة إرهابية. وعندما سألتُ الوزير الصومالي عما إذا كانت الحكومة الصومالية ستُسلّم المواطنين الأمريكيين إلى الحكومة الأمريكية إذا طلبوا العفو في مقديشو؛ أجاب: “هذا سؤال قانوني، لكننا لن نُسلمهم وسيتعين علينا حمايتهم طالما تعاونوا معنا، ووفروا المعلومات، وتخلوا عن أيديولوجيتهم”.

 

سألتُ إبراهيم: ماذا تعتقد أن على أمريكا فعله؟ فأجاب: “أمريكا هي اللاعب الأساسي، وأعتقد أن عليها مراجعة سياساتها في الصومال، لأنني لا أعتقد أن الأمور تتحسن”.

مع اعترافه بأن حركة الشباب شنّت هجمات قاتلة خارج حدود الصومال، مثل هجوم 2010 في أوغندا خلال فترة نهائيات كأس العالم، وحصار عام 2013 لمركز التسوق في نيروبي والذي أودى بحياة أكثر من 65 شخصًا؛ فإن إبراهيم يرى أن أمريكا بالغت في القدرات العالمية لحركة الشباب، ويعتقد أن أمريكا أعطت مصداقية لادعاءات أشرطة الفيديو الدعائية للحركة وإصدارات جناحها الإعلامي (الكتائب). ويقول: “ردة فعل أمريكا على الحركة رفع مكانتها في الوسط الجهادي العالمي، وجعلها أكثر جاذبية للشباب الغربيين”.

 

يقول إبراهيم أنه لا زال ملتزمًا بقضيته الكبرى؛ إقامة دولة الشريعة الإسلامية، لكن ليس من خلال الأساليب التي تنتهجها حركة الشباب، “الطريقة الوحيدة التي يمكننا بها معالجة هذه القضايا هي تطبيق الشريعة الإسلامية بصورة كاملة. حركة الشباب كانت تسير في هذا الاتجاه، كان الأمر جميلًا في البداية، لكنها أفسدته”.

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد