مدينتان يفصل بينهما ثلاثمائة ميل، ويربط بينهما تاريخٌ مشترك من الازدهار التجاري والتعدد العرقي، وحاضرٌ أليمٌ من الدمار والمعاناة. الأولى هي حلب، والتي تتعرض لهجومٍ شرس من النظام السوري المدعوم بالقصف الجوي الروسي والميليشيات الإيرانية، وتوشك الحرب من أجل استعادتها على الانتهاء بهزيمة المعارضة. والثانية هي الموصل، والتي بدأ تحالفٌ من القوات العراقية والميليشيات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) معركة استعادتها من يد «تنظيم الدولة الإسلامية» المتطرّف.

يستعرض تقريرٌ بصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية التاريخ المتشابه بين المدينتين، وكيف صمدتا طويلًا واستطاعتا النهوض مرة أخرى، بالرغم من الدمار الذي لحق بهما على مر التاريخ.

دمار وخراب

يا عجبًا لبلاد تبقى ويذهب ملاكها، ويهلكون ولا يقضى هلاكها. وتخطب بعدهم فلا يعتذر أملاكها، وترام فيتيسر بأهون شيء إدراكها. هذه حلب كم أدخلت ملوكها في خبر كان، ونسخت صرف الزمان بالمكان.

هكذا وصف حلب الرحالة الأندلسي «ابن جُبير»، في القرن الثاني العشر الميلادي. حتى في ذلك الوقت، كانت المدينتان قد مرّتا بالكثير من الحروب، والغزوات، والحصارات. فالموصل وحلب يُمكن تتبّع أصولهما إلى آلاف الأعوام. منطقة لطالما عُرفت بأنها مهد الحضارة، إلا أنّهما لم تكونا مراكز للسلطة الدينية، مثل القدس، أو للنفوذ السياسي، مثل دمشق وبغداد. وإنّما اشتهرتا بازدهارٍ تجاري عظيم أولًا وأخيرًا.

لكنّ هذا لم يعنِ أنّهما ابتعدتا عن دائرة الصراع. توحّدت المدينتان لفترة تحت حكم «عماد الدين زنكي»، والذي قاد الحرب ضد الحملة الصليبية الأولى. ثمّ جاء المغول غزاةً، وشهدت المدينتان على أيديهما العديد من الفظائع. عندما حاولت الموصل الثورة على المغول في القرن الثالث عشر، تمكّن «هولاكو» من قمع الثورة، وقبض على قائدها، وقيده في فروة خروف، ثمّ تركه يتعفن حتى الموت في الشمس، وتأكله الضواري والحشرات حيًا.

حضارة العراق وسوريا واليمن: عندما مرَّ التتار من هنا ثانيةً في القرن الـ21!

أمّا حلب، فقد تعرّضت للنهب على يد «تيمورلنك» عام 1400. وفقًا للمؤرخين، عاث رجال تيمورلنك فسادًا في حلب «كالجراد في الحقول الخضراء»، وارتكبوا مذابح جماعية في حق سكّانها حتى اكتظّت الشوارع بالجثث، واغتُصبت النساء ممن كانوا يختبئون في جوامع المدينة. وفقًا للروايات، كدّس تيمورلنك كومة من آلاف الجماجم خارج بوابات حلب.

ازدهار وصمود

untitled

إلا أن المدينتين صمدتا وازدهرتا، وبقيت بعض مواقعهما التاريخية قائمة حتى اليوم. وقد بلغ ازدهارهما أوجه في عهد الامبراطورية العثمانية، عندما وصل بينهما طريق الحرير التجاري، لدرجة أن اسم الموصل اقترن بحرير الموصلين الناعم الذي صنعه النساجون بأرض بنجلاديش الحالية. أمّا حلب فقد ذُكرت في مسرحيتي «شكسبير» «ماكبث» و«عطيل»؛ باعتبارها نقطة التقاء للعديد من الثقافات والحضارات المختلفة.

أمرٌ آخر تشترك فيه حلب والموصل، هو التنوع العرقي المذهل، وفقًا للتقرير. كان أغلب سكان المدينتين من المسلمين السنيين، إلا أنّهما احتوتا على مجتمعات مسيحية ويهودية، بالإضافة إلى مزيجٍ عرقي من العرب والأتراك والأكراد والأرمن وغيرهم، في تعايش مشترك كان السمة المميزة للمدينتين في ذلك الحين. «فيليب مانسل»، المؤرخ ومؤلف كتاب «حلب: نهضة وسقوط مدينة التجار العظيمة في سوريا»، يقول: إنّ حلب كانت «المدينة العثمانية الحقيقية، آخر مدينة مختلطة حيث العلاقات طيبة جدًا»، وإن الصراع الطائفي غاب عن المشهد تحت حكم العثمانيين.

مغول الحاضر

في نهاية الحرب العالمية الأولى، تشاجرت القوى الأوروبية حول تقسيم مناطق نفوذ الإمبراطورية العثمانية. أرادت فرنسا حلب والموصل المتشابهتين تاريخيًا وثقافيًا، تحت سلطتها، إلا أنّ بريطانيا، بسبب المصالح النفطية وسياسات المنطقة، انتزعت الموصل ووضعتها إلى جانب البصرة وبغداد لتشكّل ما نعرفه الآن بالعراق، تاركة حلب ومعها دمشق للفرنسيين، لتتشكّل سوريا. اليوم، يُمكننا أن نرى عواقب السياسات الحديثة والنزاع السياسي الغربي الذي رسم الحدود متجاهلًا الاعتبارات الثقافية والعرقية، ورغبات أهل المنطقة أنفسهم.

في الموصل، تُحاول الحكومة العراقية تقليل الخسائر المدنية في هجومها على الدولة الإسلامية، على العكس من قوات بشار الأسد التي قاربت على إخلاء البلاد من سكانها في حربٍ أهلية دموية مستعرة. إلا أنّ النتيجة واحدة في المدينتين: مع انقشاع غبار المعركة، نرى حجم الدمار المروع الذي لحق بالمدينتين التاريخيتين. تعرّضت الموصل لتخريبٍ ممنهج للمناطق التاريخية، خاصة مدينة «نمرود»، على ضفاف نهر دجلة. بينما مدينة حلب القديمة، والتي اشتهرت بأسواقها وقلعتها من العصور الوسطى، أصبحت مدينة أشباحٍ، مليئة بالأنقاض والركام.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات