“عبر حقول أشجار الزيتون والقمح بشمال سوريا في حلب، تفاقم خطر المعارك الصغيرة ذات الأبعاد الدولية فتكاد تنفجر لحرب أوسع”.

هكذا وصفت الواشنطن بوست الوضع في سوريا في مقال نشرته الأسبوع الماضي. فكثرة الطوائف المتناحرة في سوريا والتي تدعمها قوى دولية متنافسة لها مآرب من وراء تدخلها، بالتأكيد تصعد من حدة الصراع، وربما تندلع حرب عالمية. فمع وضع كهذا، هل يفي مجرد اتفاق هدنة بالغرض؟ وهل ستحترمه جميع الأطراف؟ أم أنه شبه مستحيل، نظرًا لموقف تركيا حيث حدودها مع سوريا، وأحلام الأكراد في الاستقلال، وطموحات موسكو أن تكون قوة مهيمنة في المنطقة؟

واقع معقد وأطراف دولية متنافسة

تصف الواشنطن بوست الوضع في سوريا بأنه طائرات حربية روسية تقصف من السماء، بينما المليشيات العراقية واللبنانية بمساعدة مستشارين إيرانيين تتقدم على الأرض. وفي نفس الوقت تقاتلهم مجموعات متمردين تدعمهم الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا والسعودية وقطر لمنعهم من التقدم. بينما تحاول القوات الكردية المتحالفة مع واشنطن وموسكو تحقيق أكبر استفادة من تلك الفوضى لتوسيع نطاق المناطق الكردية. وبينما الجميع يركز على تلك المجموعات المتقاتلة، تمكنت الدولة الإسلامية من السيطرة على قريتين صغيرتين.

هدنة للتهدئة أججت الصراع!

وتضيف أنه على الرغم من اقتراب هدنة تفاوضت بشأنها القوى العالمية، ومن المقرر تنفيذها آخر الأسبوع، يبدو أن الصراع يتصاعد وليس العكس. فعلى سبيل المثال أطلقت تركيا نيران المدفعية عبر حدودها باتجاه المواقع الكردية، وتمكنت الطعون المقدمة من إدارة أوباما من دفع الأكراد والأتراك إلى التراجع.

فحسب وصفها تقول الواشنطن بوست إن الحرب السورية تحولت منذ فترة طويلة إلى حرب بالوكالة، فتقريبًا منذ اليوم الأول لإعلان الثورة المسلحة ضد الرئيس السوري بشار الأسد، دعمت قوى دولية متنافسة الفصائل السورية المتقاتلة. لكن ربما لم يسبق أن كانت المخاطر والتعقيدات واضحة جدًّا لدرجة الإنذار بحدوث حرب عالمية مصغرة مثلما هو الحال الآن في المعركة الجارية للسيطرة على حلب.

وحذر ديميتري ميدفيديف رئيس الوزراء الروسي من المخاطر، في مؤتمرٍ أمني عقد في ميونيخ السبت الماضي قائلًا إن العالم اليوم بالفعل قد دنا من “حرب باردة جديدة”.

وأوردت الواشنطن بوست على لسان السيد سلمان شيخ، مستشار سياسي شارك في جهود الوساطة في الحرب السورية، أن “هناك دوامة من انعدام الأمن لم تخضع للإدارة. فما نشهده الآن صراعًا كلاسيكيًّا، وميزان القوى  فيه معقد للغاية، من الممكن أن يتفاقم لوضع خطير حقًّا”.

استمرار القصف

وتقول الواشنطن بوست إنه حتى الآن يتركز القتال في المناطق النائية في ريف حلب، فما نراه هو مناظر  طبيعية لأراضي زراعية تتخللها نقاط تمثل قرى وبلدات صغيرة يسحقها القصف السوري باستمرار ولا هوادة. وقال السكان في تلك القري إن القصف ازداد كثافة منذ الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار؛ فربما تسعى روسيا لتعظيم مكاسبها قبل تنفيذه.

وتضيف: “من المؤكد أن هزيمة المتمردين ستمكن الحكومة من تطويعهم وسحقهم في معقلهم في الجزء الشرقي من مدينة حلب. وربما تمكنها من توجيه ضربة حاسمة للتمرد المستمر منذ خمسة أعوام ضد حكم الأسد”.

أبعاد الصراع الدولية

لكن هناك على المحك ما هو أكثر من مجرد نتائج حرب سوريا. فالهجوم على حلب يؤكد على مكانة موسكو كقوة إقليمية مهيمنة في قلب الشرق الأوسط. تقدم الميليشيات العراقية واللبنانية الشيعية يمد نفوذ إيران إلى ما هو أبعد من منطقة النفوذ الشيعي التقليدي في المناطق السنية في شمال سوريا. وعلى الرغم من أن الجيش السوري يدعي تحقيق انتصارات، إلا أن المتمردين والخبراء العسكريين وتسجيلات فيديو للمقاتلين أنفسهم تظهر جميعها أن تقريبًا كل التقدمات على الأرض نفذتها حركة حزب الله اللبنانية واللواء العراقي بدر وحركة النجباء وغيرها من المليشيات العراقية الشيعية التي تدعمها إيران.

سياسة بشار في محاولة السيطرة

تذكر الواشنطن بوست أنه في الوقت ذاته، يتم إخلاء ريف حلب، حيث يتدفق عشرات الآلاف من الناس هربًا من الضربات الجوية إلى الشمال حيث الحدود التركية، التي أغلقتها الحكومة التركية مؤخرًا، علمًا بأن تركيا وحدها تستضيف 2.5 مليون لاجئ سوري.

يروي اللاجئون قصص قرى أبيدت بأكملها. يقول محمد النجار أحد سكان بلدة ماراي في قلب المنطقة الريفية المتنازع عليها، إن فقط 5% تقريبًا من المدينة بأكملها ظلت هناك. يذكر أن عائلته فقدت 15 منزلًا  منذ بدء الهجوم على حلب قبل أسبوعين. تمكنت الواشنطن بوست من التحدث معه عبر الهاتف من المنطقة الحدودية التركية، بعد تمكنه من الفرار من بلدته الأسبوع الماضي.

يقول أميل حكيم من المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية إن:

إجبار الناس على الخروج من منازلهم لطالما كان جزءًا من إستراتيجية الحكومة السورية.

وأضاف: “إنهم يخلون المناطق من السكان الذين يستحيل أن يغيروا ولاءهم فيكون للنظام. فتلك تعتبر طريقة أسهل وأرخص لاحتلال منطقة، عن محاولة كسب عقول وقلوب المعارضين. فهم ببساطة سيدفعون الناس للمغادرة فلا يكون هناك أي تمرد”.   

وتقول الواشنطن بوست إن بالنسبة لتركيا، أكثر ما يثير القلق هو امتلاء الفراغ على طول حدودها مع سوريا بالأكراد، الذين زادت طموحاتهم وأحلامهم بالاستقلال منذ أن بدأت الثورة السورية.

سوريا وصراع تركيا والأكراد

وبالفعل استفادت وحدات حماية الشعب من الضربات الجوية الأمريكية في شرق سوريا لتوسعة المنطقة الكردية هناك. والآن، يستغل الأكراد القصف الروسي حول حلب ليتوسعوا شرق عفرين، وهي منطقة تواجد كردي أخرى. ويبدو أن هدف الأكراد المعلن هو ربط منطقتين كرديتين فتمتد لتغطي أكثر من نصف الحدود التركية مع سوريا.

وتذكر الواشنطن عواقب ذلك قائلة إن هذا التوسع الكردي أدى للاحتكاك بين واشنطن وأنقرة، لأن تركيا تعتبر وحدات حماية الشعب عضوًا منتدبًا في المنظمة الكردية التركية المعروفة بحزب العمال الكردستاني، المصنف على أنه منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة وتركيا. لكن الولايات المتحدة لا تعتبر وحدات حماية الشعب كمجموعة إرهابية، بل عملت معها بشكل وثيق في الحرب على الدولة الإسلامية.

الآن، المقاتلون التابعون  لتحالف الأكراد والعرب والذي تقوده وحدة حماية الشعب يضيقون الخناق على البلدة الحدودية عزاز، والتي تتحكم في أكبر بوابة تركية إلى سوريا.

كما تذكر الواشنطن بوست أن المدفعية التركية أطلقت السبت الماضي صواريخ على قريتين وقاعدة عسكرية سيطر عليها الأكراد مؤخرًا، وقد جاء الرد التركي في بيان يوضح أن ذلك جاء ردًّا على صواريخ أطلقتها وحدة حماية الشعب.

تحدث هاتفيًّا بايدن نائب الرئيس مع رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو يوم السبت لحث تركيا على وقف قصفها. وأكد على “ضرورة التخفيف من تصاعد الصراع في المنطقة”، وذلك وفقًا لما جاء ببيان للبيت الأبيض الأحد الماضي. وبشكل منفصل، دعا بيان لوزارة الخارجية الأكراد ألا “يستغلوا الموقف المرتبك المعقد عن طريق محاولة استيلائهم على مناطق جديدة”.

وفي غضون ساعات من الطعون المقدمة، استولى الأكراد على قرية أخرى في شمال حلب تدعى عين داقنا، واستأنفت تركيا قصفها.

يقول فيصل العيتاني من الواشنطن بوست  في المجلس الأطلسي لا يوجد مزاج عام في تركيا يؤيد الحرب، لكن خطر التصعيد غير المتعمد حقيقي. وبالفعل التوتر بين روسيا وتركيا عضو حلف شمال الأطلسي بلغ عنان السماء عقب إسقاط تركيا لطائرة روسية في نوفمبر الماضي، أي حسابات أو تحركات خاطئة يمكنها بسرعة أن توقد الرد الروسي.

يضيف أيضًا أن “تركيا تتعرض لضغوط هائلة. فهي لديها حالة مشابهة لذلك وناشئة  على حدودها”، ويكون مصير المجموعات التي تدافع عنها التدمير.

كما تحدثت المملكة العربية السعودية عن إرسال قوات إلى سوريا، مما يدعم بعض التكهنات بأن السعودية ربما تستعد لدعم التوغل التركي. ففي بيان له الأحد الماضي، يقول عبد الله الجبير وزير الخارجية السعودي إن الرياض لن ترسل قوات خاصة إلا إذا قررت الولايات المتحدة أن القوات ستقاتل ضد الدولة الإسلامية. وأضاف خلال مؤتمر صحفي في الرياض: “ولذا فإن التوقيت لا يعنينا” طالما أنها ستقاتل تنظيم الدولة الإسلامية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد