قوبِلَت استقالة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة باحتفالاتٍ صاخبةٍ بين جموع المتظاهرين في الشوارع، الذين قضوا أسابيع يطالبون برحيله. لكن سيمون تيسدال، كاتب العمود بصحيفة «الجارديان» البريطانية، يرى في مقالٍ كتبه بالصحيفة أن رحيله السابق لأوانه بعد 20 عامًا في سدة الحكم لا يمثل نهاية الحراك الجزائري. بل قد يكون مجرد البداية، بحسب المقال.

20 سنة بعد «العشرية السوداء».. هل تغيّر الجيش الجزائري منذ التسعينيات إلى اليوم؟

كَتَبَ تيسدال أن المرحلة التالية تبدأ الآن، إذ إن النضال من أجل إسقاط الأقلية الحاكمة ونظام الحكم النخبوي، وليس فقط إسقاط رموزه المسنين. ووفقًا للمقال، فإن الجزائر مقبلةٌ على فترةٍ انتقاليةٍ تمتد لـ90 يومًا، عملًا بالقوانين الحالية، إلى حين اختيار رئيسٍ جديدٍ. وهناك تضاربٌ بالفعل فيما يخص ما يجب أن يحدث بعد ذلك.

ذَكَرَ تيسدال أنه ووفقًا للدستور الجزائري، فإنه يتوجب على عبد القادر بن صالح، الذي يشغل منصب رئيس مجلس الأمة، أن يتولَّى مقاليد الأمور لحين انتخاب رئيسٍ جديدٍ.

لكن الكاتب لَفَتَ أيضًا إلى أن صالح لطالما كان مخلصًا لنظام بوتفليقة، وهو شخصيةٌ مؤسسيةٌ بارزةٌ. وقال: إن صالح لطالما وقف في صف الرئيس المريض في الوظائف الرسمية ودعم محاولاته للترشح لعهدةٍ خامسةٍ. ويرى تيسدال أن الاقتراح الذي يقدِّمه البعض، بأن يشغل صالح المنصب مؤقتًا، سيفسد خطط الإصلاحات الجذرية والفرعية.

ووفقًا لتقريرٍ نشرته شبكة «الجزيرة»، يزعم الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زروال 1994 – 1999 أنه قد طُلب منه التقدم لشغل منصب الرئيس خلال الفترة الانتقالية. في الوقت نفسه يصر الوزراء المعينون يوم الأحد 31 مارس (آذار) الماضي على «الاستمرار» كجزءٍ من محاولةٍ أخيرةٍ للدائرة المقربة من بوتفليقة للإبقاء على السلطة.

ويرى الكاتب أن المتظاهرين الجزائريين، من خلال حفاظهم على سلمية المظاهرات، وإجبارهم الجيش على دعمهم – نتيجة قرارٍ صدر من قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح الذي أقنع بوتفليقة أخيرًا بالتنحي – قد حقَّقوا أكثر من أغلب أسلافهم من متظاهري الربيع العربي في عامي 2011 و2012.

وأشار إلى أن تغيير النظام أصعب ويمكن أن يرتد إلى صدورهم، بحسب قوله، لافتًا إلى هذا هو ما اكتشفه المصريون الذين أطاحوا بدورهم برئيسٍ آخر معمرٍ في السلطة هو حسني مبارك. ويرى الكاتب أن أولوية الجيش الجزائري كانت وقف اضطرابات الشارع، لكن هذا، في رأيه، لا يعني أن الفريق قايد صالح على استعدادٍ للسماح بخوض الإصلاح الديمقراطي المفتوح الذي تطالب به أحزاب المعارضة.

ويعتقد تيسدال أن بهجة مناهضي النظام قد تتحول إلى غضبٍ بمجرد أن يغرق الوعي في تلك التغيرات الضئيلة في طريقة حكم البلاد. ويذكر في مقاله أن ما مِن إصلاحٍ عاجلٍ سوف يجري لمشكلات الاقتصاد المزمنة التي فجرت الثورة، حتى لو وافقت النخبة فجأةً على تسليم السلطة.

لكن المقال أشار إلى أن الضغط نحو مزيدٍ من الإصلاح الجذري قد يظل لا يقاوم، خصوصًا بين الشباب.

ولفت أيضًا إلى أنه رغم كون البلاد واحدةً من أكبر مصدري النفط والغاز، فإن أكثر من ربع الجزائريين تحت سن الثلاثين – الذين يمثلون نحو 70% من إجمالي السكان – يعانون من البطالة. والكثير منهم ما زال يحمل ذكرياتٍ ضبابيةً للحرب الأهلية التي راح ضحيتها نحو 100 ألف في التسعينات، بعد انقلاب الجيش على الحزب الإسلامي الفائز بانتخابات 1991.

ويرى تيسدال أن الأولوية الأولى للفريق أحمد القايد صالح الآن، والذي يعد الحاكم الفعلي للجزائر، وهو يذكر الحرب جيدًا، تظل ألا تنزلق البلاد في العنف مرةً أخرى. ولو أساء إدارة الموقف، فقد يشعل نفس الحريق الذي يأمل تجنبه، بحسب المقال.

وعلى صعيد أوروبا، أشار الكاتب إلى أن شبح تعميق الاضطرابات في الجزائر يثير قلق الكثير من بلدان القارة، خاصة «دول المواجهة» مثل إيطاليا، وإسبانيا، وفرنسا – القوة الاستعمارية السابقة. وأوضح أن هذه الدول تخاف تحديدًا من موجات الهجرة غير الشرعية الخارجة عن السيطرة، وتصاعد وتيرة التهديدات الإرهابية، والاضطراب في موارد الطاقة. في المقابل، يعتقد الكاتب أن الاتحاد الأوروبي، في ضوء ما لديه من معلوماتٍ، يجب عليه أن يدعم الحراك الجزائري نحو ديمقراطيةٍ أكبر.

وبحسب المقال، فإن الأنظمة الاستبدادية تشكِّل قوسًا من عدم الاستقرار على امتداد شمالي أفريقيا، من مصر إلى إريتيريا، إلى ليبيا التي مزقتها الحرب، والسودان المضطرب، وهم يفكرون في مصير بوتفليقة بقلقٍ، وفقًا لرأي الكاتب، الذي أشار إلى أن المثل الذي ضربه الجزائريون لنجاح الثورات الشعبية قد يكون معديًا بشدةٍ، رغم إشارته إلى أن هذه ربما لن تكون الموجة الثانية من الربيع العربي.

حراك 2019 ليس الأوّل.. حكايات انتفاضات الجزائريين المُجهضة منذ الاستقلال

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s