بعد إلغاء انتخابات الرئاسة الجزائرية التي كان من المفترض إجراؤها في 4 يوليو (تموز) – ومع استمرار الاحتجاجات للأسبوع الخامس عشر على التوالي في شوارع الجزائر – أشار موقع «المونيتور» إلى أنَّ هناك بعض المؤشرات التي ترجح احتمالية استمرار تأجيل الانتخابات حتى نهاية العام الحالي، ما يحمل معه بعض المخاطر بالنسبة للجزائر.

ففي الوقت الذي تستمر فيه الاحتجاجات الجزائرية، معطلةً حركة المدينة، فضلًا عن إعاقة الأجندة السياسية للدولة، أفادت وكالة «رويترز»، نقلًا عن مصدرٍ مجهول مطلع على المسألة، بأنَّ المصاعب اللوجستية، بالإضافة إلى حجم الحراك الشعبي، ربما يؤجل الاقتراع إلى نهاية 2019.

فرصة للسلطة واختبار للمحتجين

يرى الموقع أنَّ احتمالية تأجيل الانتخابات حتى نهاية العام الحالي ستمثل اختبارًا حاسمًا بالنسبة للحراك الشعبي الجزائري. فمن ناحية، يمثل التأجيل لشبكات القوى الراسخة في الدولة، المعروفة باسم «لو بوفوار»، تأجيلًا مؤقتًا لتهديدات العقاب التي تصدر عن المحتجين.

ومن ناحيةٍ أخرى، يمنح التأجيل المحتجين وقتًا للاتفاق على أجندةٍ ومرشحين، وما يصاحب ذلك من انقساماتٍ محتملة. وهذا التأجيل أيضًا من شأنه أن يطيل الركود الاقتصادي الذي حرم الكثير من الشباب الذي يقود الحراك من المستقبل الذي منحهم إياه التعليم الجامعي المدعوم من الدولة.

لكنَّ بعض الجزائريين يرحبون بهذا التأجيل، ومن هؤلاء إتسال بوتمي ونورا عاشور، المدرستان بمدينة وهران. إذ صرحت نورا للموقع: «الوقت مهم لتحديد الشخص المناسب للمكان المناسب في الوقت المناسب وفي الظروف المناسبة»، واتفقت بوتمي مضيفةً: «ما دام ليس هناك عنف، سيقبل الشعب فكرة التأجيل».

واتفق معهما الصحافي الجزائري حمدي بعلا الذي يغطي الاحتجاجات، مصرحًا: «أعتقد أنَّ الحراك الشعبي سيستقبل تأجيل الانتخابات بشكلٍ إيجابي، فالمطلب الرئيس منذ استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هو نقل السلطة بقيادة الشعب وليس النظام».

وأكد بعلا أنَّه إذا كانت أُجريت انتخاباتٌ في يوليو، فستكون تحت إشراف هيئاتٍ ذات ولاء للنظام في المقام الأول، وأضاف: «تأجيل الانتخابات ربما يفتح الطريق أمام حلٍ سياسي ومفاوضات، بعيدًا عن الذرائع «الدستورية» التي يقدمها النظام حتى الآن في سبيل إعادة طرح نفسه».

لكنَّ الموقع يعتقد أنَّ الانتظار حتى نهاية العام من شأنه أن يطيل الركود الاقتصادي الذي يسيطر على الدولة، ويوسع نفوذ اللواء قايد صالح، رئيس أركان الجيش، الذي يبدو أنَّه يهيمن على سلطة رئيس الحكومة المؤقتة عبد القادر بن صالح، ورئيس الوزراء نور الدين بدوي. إذ يعقد صالح جلسات إحاطة علنية بانتظام ليتنصل من طموحاته السياسية، ويؤكد على تصميم الجيش على الحفاظ على دوره «الدستوري» تجاه الدولة.

كان هذا الدستور بحسب الموقع قضيةً مركزية في النقاشات الرسمية حول مستقبل الجزائر، وكيف يجب أن يتفاعل النظام مع الحراك الشعبي. جرت صياغة هذه الوثيقة في الأصل في 1963 بعد حرب الاستقلال العنيفة ضد الفرنسيين. وخضعت للعديد من المراجعات، والتي كان يهدف بعضها لتوفير ذريعة قانونية لتمديد فترة حكم بوتفليقة؛ ما يجعل الوثيقة أقرب إلى مصالح النظام منها إلى المحتجين.

وصرَّح جوناثان هيل، مدير معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة كينجز في لندن، لموقع «المونيتور»: «أتصور احتمالية وجود القليل من الإحباط بين المتظاهرين بشأن أي تأخير في الانتخابات، فحتى الآن، كانوا يضغطون مع تراجع الحكومة، ويقشرون شبكات السلطة كطبقات البصل».

ويرى الموقع أنَّه من الصعب تجاهل إنجازات الحراك الشعبي حتى الآن، فبالإضافة إلى إسقاط بوتفليقة، أدى الضغط المتواصل من الشارع إلى سلسلة من الإقالات والاعتقالات لأشخاصٍ كانوا ذات يوم مقربين للرئيس السابق، بمن فيهم العدديد من رجال الأعمال الأثرياء، وسعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس والذي كان يُعتقد بكونه العقل المدبر الخفي للسلطة، وقيادات الاستخبارات، والجنرالات عثمان طرطاق ومحمد مدين.

وعلّق هيل قائلًا: «تأجيل الانتخابات ليس علامة ضعف، بقدر ما هو استراتيجية. فقد تعلم النظام من دول الربيع العربي. إذا تركت المتظاهرين يحددون أجندةً واحدة، فعلى الأرجح سينقسمون، تاركين أجزاءً من الحراك للسلطة لتستوعبها وتستخدمها لمصلحتها. ويوفر هذا للنظام الوقت لإعداد الآليات التي يستخدمها لسنوات، في أفضل الأحوال للتأثير على الانتخابات، وفي أسوأها لإدارتها».

مستقبل اقتصادي غير مطمئن

ورغم احتمالية أن ينتج عن نجاح الحراك الشعبي نوعٌ من الإصلاح الاقتصادي في الجزائر، التي تعتمد بالأساس على النفط والغاز، فإنَّ موقع «المونيتور» يعتقد أنَّ تلك الإصلاحات ربما لا تكون ما يأمل المحتجون في تحقيقه.

وأضاف هيل بشأن ذلك: «أي إصلاح اقتصادي – على الأقل أي إصلاح من المحتمل أن يضمن الدعم الدولي – غالبًا سيكون نيوليبراليًا؛ ما سيؤثر على نظام الدعم، ويُصعب الحياة على المواطنين العاديين. فهو سيف ذو حدين. وعلى المدى القريب، ربما تكون الحكومة قادرةً على النجاة اعتمادًا على عائدات صادرات النفط والغاز، لكن بعد ذلك، من يدري؟».

ويخلص الموقع إلى أنَّه في الوقت الحالي، ما زال الزخم مستمرًا بين المتظاهرين، الذين فرضوا تغييرًا غير مسبوق على بلدٍ اعتاد الركود منذ الحرب الأهلية المروعة في التسعينات، ولم يشهد الكثير من التحولات السياسية والاجتماعية العميقة. وحتى الآن، أحرز المتظاهرين تقدمًا هائلًا، وفعلوا ذلك بسلمية. لكنَّ أي تأخيرٍ في الانتخابات ربما يختبر الحراك الجزائري بطريقةٍ لم يشهدها حتى الآن.

أحمد طالب الإبراهيمي.. سر تأييد الشارع الجزائري له ليصبح الرجل الأول

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد