يبدو أن النظام الحاكم في الجزائر لن يخدع سوى نفسه بإجراء الاستفتاء على التعديلات الدستورية.

نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا لـ فرانسيسكو سيرانو، الكاتب الصحفي ومحلل أداء الأسواق الناشئة سلَّط فيه الضوء على الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي أُجري هذا الأسبوع في الجزائر وتأثير ذلك في نبض الشارع المعارض لسياسات العصبة الحاكمة المستبدة في البلاد.

استهل الكاتب مقاله بالقول: خلال أقل من عام، استُدعي الجزائريون للمرة الثانية في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) للإدلاء بأصواتهم حول الطريقة التي ينبغي أن تُدار من خلالها بلادهم. لكن من المحتمل ألا تُمثل آراؤهم أهمية كبيرة مرةً أخرى. وسمح الاستفتاء، الذي أُجري هذا الأسبوع، للمواطنين بالتصويت على مجموعة من التعديلات الدستورية التي اقترحتها الحكومة الجزائرية. وأعلنت السلطات عن إجراء التصويت بوصفه حلًا للاستجابة لمطالب المحتجين الذين يتظاهرون ضد النظام الحاكم منذ فبراير (شباط) 2019.

حيلة لم تعد تنطلي على أحد

ويستدرك الكاتب قائلًا: ومع ذلك، يبدو أن مناورة الحكومة بإجراء الاستفتاء لم تكسب رضا أي جزائري على الأرجح. إذ أفادت الأرقام الرسمية للحكومة أن أعداد المشاركين في الاستفتاء بلغ نحو 23.7% فحسب من إجمالي أكثر من 24 مليون ناخب، لم يُوافق منهم على التعديلات الدستورية سوى 66.8% من الأصوات المشاركة. وسواء كنت تثق في أرقام الحكومة أو لا تثق فيها، فإن عدم توافر أي حماسة حقيقية لاتخاذ القرار سيُصعِّب مهمة النظام لتمرير نتائج التصويت على الاستفتاء باعتباره العُرْس الديمقراطي الذي كان يأمل في إقامته.

وأشار الكاتب إلى أن هناك ثمة أمور شهدت تغيرًا منذ بدء الاحتجاجات الجزائرية السلمية: أطاح الجيش بالرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وكان هذا هو الهدف الأساسي للمعارضة. وأسفرت الانتخابات الرئاسية، والتي كانت إلى حد كبير لمجرد الاستعراض وفُرِضت على الشعب في ديسمبر (كانون الأول) 2019، إلى تنصيب رئيس دولة مدني جديد وهو عبد المجيد تبون، البالغ من العمر 74 عامًا.

Embed from Getty Images

وأدَّى تفشي جائحة كوفيد-19 إلى زيادة تدهور الوضع الاقتصادي في الجزائر، إلى جانب أنه وفَّر غطاءً للسلطات لزيادة وتيرة الممارسات القمعية. ومع كل هذه الأمور المتغيرة في المشهد الجزائري، لا يزال هناك شيء واحد ثابت في البلاد: مواصلة المستبدين الذين أدبرت عنهم الحياة في الجزائر في استخدام محاكاة للممارسة الديمقراطية لتزييف المشهد وكأنهم يرغبون في إجراء إصلاحات.

ونوَّه الكاتب إلى أن التاريخ المقرر لإجراء الاستفتاء على التعديلات الدستورية اُختِير بعناية، ويُصادف اليوم الأول من نوفمبر بداية حرب الاستقلال ضد الحكم الفرنسي في عام 1954. إلا أن حصول الجزائر على استقلالها أصاب شعبها بالإحباط المرير. إذ أدارت مجموعة ضعيفة من قيادات الجيش وعملاء الأجهزة السرية والسياسيين كبار السن، منذ عام 1962، ثروة الجزائر من المواد الهيدروكربونية من دون الخضوع للمساءلة أو المراقبة إلا نادرًا، بحسب الكاتب.

تعبئة من أجل التصويت بنعم

وظلت هذه النخبة الحاكمة أو Le pouvoir، كما كان يُطلِق الجزائريون على هذه العصبة الغامضة، لمدة طويلة بارعةً في إعادة ابتكار نفسها للحفاظ على النظام العام مع تقديم مظاهر تُشعِر الشعب بوجود تغيير. وفي الوقت الحاضر، حاولت النخبة الحاكمة للجزائر من جديد، عبر استحضار نضال البلاد للحصول على الاستقلال في الاستفتاء، استعادة أي ذرة من المصداقية التي يُمكنهم كسبها بعد عقود من سوء الإدارة الاقتصادية والقمع السياسي.

لكن على ما يبدو أن حصول قمة النخبة الحاكمة على المصداقية أصبح مطلبًا بعيد المنال. ولذا، بذل مسؤولو الحكومة الجزائرية قصارى جهدهم لإقناع الشعب بالموافقة على التعديلات، إذ نشرت وكالة الأنباء المملوكة للدولة، مستخدمة في كثير من الأحيان لغة طنانة مبالغًا فيها، وابلًا من المقالات الداعمة للتصويت بنعم.

كما وصف الوزراء والمسؤولون البيروقراطيون، في خطاباتهم التي انتشرت في طول البلاد وعرضها، التعديلات الدستورية بأنها «التأسيس الديمقراطي للجزائر» وبأنها خطوة «لمنح المواطنين الثقة في السلطات» والوسيلة التي يمكن من خلالها «المحافظة على مكتسبات نضال الشعب الجزائري وتأمين إنجازاته». وذهب يوسف بلمهدي، وزير الشؤون الدينية، إلى حد القول إن المشاركة في الاستفتاء على التعديلات الدستورية بمثابة «الاقتداء بالنبي».

ولفت الكاتب إلى أن الأحزاب المعروفة بقربها من السلطة الحاكمة، مثل حزب جبهة التحرير الوطني وحزب التجمع الوطني الديمقراطي، نظموا أيضًا حملات من أجل حث الجزائريين على التصويت بالموافقة على التعديلات الدستورية. وواصلت الحكومة إسكات الأصوات المنتقدة للاستفتاء قبل التصويت، إذ مُنِعت الأحزاب السياسية التي عارضت الاستفتاء من عقد أي اجتماعات أو مؤتمرات عامة مع الشعب. وفي حين أن النظام كان يُروِّج للحريات التي ستسفر عنها التعديلات الدستورية بعد الموافقة عليها، واصل النظام سجن الصحفيين والمتظاهرين.

Embed from Getty Images

وتعطلت الحملة لحشد الشعب الجزائري للتصويت على التعديلات الدستورية بنعم في أيامها الأخيرة بسبب الإعلان عن نقل الرئيس الجزائري تبون إلى ألمانيا يوم الأربعاء لإجراء بعض الفحوصات الطبية غير المحددة. وصرح تبون، قبل أيام قليلة فحسب، أنه سيعزل نفسه طوعًا بعد الاختلاط بأفراد من طاقم الرئاسة الذين ثبُتت إصابتهم بكوفيد-19. ولكن لم يحصل الجزائريون مطلقًا على أي معلومات إضافية حول ما إذا كان رئيسهم مصابًا بفيروس كورونا أم لا أو ما إذا كان يُعاني من أي أمراض أخرى. (نشر هذا التحليل قبل ساعات من إعلان الرئاسة الجزائرية نتيجة تحليل الرئيس تبون التي ظهرت إيجابية لفيروس كورونا).

ويرى الكاتب أن التعديلات الدستورية، نظريًّا، قد تساعد بالفعل في تطوير قوانين البلاد. إذ تتضمن التعديلات تعهدات لصالح حرية التعبير وحرية التظاهر. كما أنها تُقلِّص من عدد مدد تولي الرئاسة وتنص على ضرورة أن يشكِّل الحكومة رئيس وزراء قادم من أغلبية برلمانية وليس من خلال التعيين الرئاسي (على الرغم من أن الرئيس سيحتفظ بسلطته لإقالة رئيس الوزراء).

أما من الناحية العملية، فإن أي تعديلات لن تقدم شيئًا يُذكر للحد من قدرات نظام حاكم يدير البلاد بأريحية ضمن حدود الشرعية الدستورية بنفس القدر التي يدير بها الأمور كما لو كان غير مقيد بحدود هذه الشرعية الدستورية.

دور الجيش في حكم الجزائر

وأشار الكاتب إلى الدهشة التي بدا عليها السعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الجزائري البالغ من العمر 75 عامًا، خلال مقابلة أجرتها معه مؤخرًا صحيفة نيويورك تايمز، مؤكدًا على أن الشخصيات العسكرية لا زالت تمثل السلطة الحقيقية في البلاد، إذ قال: «كيف تريد منا أن نشارك في السياسة؟ نحن العسكريون لسنا مدربين على ممارسة السياسة على الإطلاق». 

وعلَّق الكاتب على هذا التصريح بالقول: يعرف الجزائريون أن الجيش عيَّن أو وافق على كل رؤساء الجزائر منذ الحصول على الاستقلال، وهو أيضًا الذي تخلَّص منهم عندما تقتضي الضرورة ذلك. ويسعى النظام الحاكم في الجزائر، من خلال دعم رئيس جديد وعملية إصلاح الدستور وتكوين برلمان جديد ومُروَّض بنفس القدر، إلى طي صفحة عهد بوتفليقة. 

Embed from Getty Images

وبسبب عدم شفافية الحكومة الجزائرية، من الصعب معرفة ما إذا كانت العصبة المستبدة بالجزائر تعتقد أن الاستفتاء على التعديلات الدستورية سوف يُرضي الشعب الذي شهد عقودًا من الإجراءات المماثلة. وعلى ما يبدو أن الأمر تجاوز اللامبالاة أو عدم الاهتمام، بحسب الكاتب، إذ إن الإقبال المتدني الذي شهده الاستفتاء في جميع أنحاء الجزائر يوم الأحد كان أشبه برفضٍ صارخٍ من الشعب الجزائري الذي شهد نفس المسرحية في كل عهود النظام.

موجة اضطرابات عنيفة وشيكة

ورجَّح الكاتب أن النظام الجزائري قد يسابق الزمن، لأنه عالق في عنق الزجاجة التي لا مفر منها على ما يبدو، بانتظار احتمال غير مرجح أن يُؤدي ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى دعم ميزانية الجزائر مرةً أخرى. وبرغم ممارسات القمع المستمرة من قوات الأمن الحكومية وظلم السلطة القضائية التي يهيمن عليها النظام الحاكم، تمكَّن جنرالات الجزائر حتى الآن من تجاوز أكثر من عام من الاحتجاجات دون اللجوء إلى العنف الواسع النطاق الذي استخدموه في السابق.

وتساءل الكاتب: لكن ماذا سيحدث إذا ما وضعت جائحة كوفيد-19 أوزارها، وسادت مدن الجزائر من جديد احتجاجاتٌ حاشدة من أجل الحريات السياسية وتكوين حكومة تمتلك صلاحيات واختصاصات؟

وأجاب قائلًا: من المحتمل أن يُصبح عديدٌ من القادة العسكريين الحاليين عُرضة للمحاكمة -في الداخل أو في الخارج- على الجرائم التي اُرتِكبت خلال الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، إذا حل محل دولة الاستبداد العسكري دولة مدنية، مع فصل واضح بين السلطات التشريعية والمؤسسات التنفيذية. ومن غير المرجح أن يوافق الجيش مطلقًا على السكوت عن سحب أدوات السلطة من بين يديه. لكن هذا المأزق، وهو عبارة عن مزيج من الأزمات الاقتصادية المتزايدة مع تخلف شديد في مستوى إدارة الدولة، سيُقرِّب الجزائر من موجة اضطرابات عنيفة محتملة.

حكام الجزائر لا يستوعبون أن الشعب تغيَّر

وخلُص الكاتب إلى أن المأساة تتمثل في أن الطبقة الحاكمة في الجزائر غير قادرة على استيعاب مدى التغيَّر الذي ضربت أمواجه شطآن شعبهم. وقبل 10 سنوات، ومع زعزعة الثورات والانتفاضات لمنطقة الشرق الأوسط، منعت ذكريات الحرب الأهلية في الجزائر، والتي أودت بحياة قرابة 200 ألف شخص، أغلب الجزائريين من القيام بأي شيء أكثر من بعض المحاولات الباهتة لمحاكاة الأحداث في تونس وليبيا ومصر وسوريا. وساعد الجزائر أيضًا امتلاك الحكومة أموالًا كافية من إيرادات النفط والغاز لإنفاقها ببذخ على زيادة الرواتب والإعانات.

Embed from Getty Images

صحيحٌ أن شباب الجزائر في الوقت الراهن لا يتذكر الحرب الأهلية، لكن ذكرياتهم تُمثل خطورة أكبر على السلطات. إذ أنهم يتذكرون عام 2019، وهو العام الذي رأوا فيه اتحاد المواطنين في جبهة موحدة ضد نظامهم المتخلف والقيادات السياسية البعيدة كل البعد عن الكفاءة، ويتذكرون أنه كان بمقدورهم الاستيلاء بالطرق السلمية على الأماكن العامة، التي تُركت لمدة طويلة عرضة للتدهور بسبب سنوات الإهمال الاقتصادي والفساد والقمع السياسي.

واختتم الكاتب مقاله بالقول: وكما هو المتوقع في دولة يُقرر فيه الحكام وليس الشعب نتائج الانتخابات، أعلنت الحكومة بأن نتيجة الاستفتاء كانت «الموافقة» على التعديلات الدستورية. لكن من السخف الاعتقاد بأن هذا العرض المسرحي سيُمثل أي شيء لتهدئة الشوارع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد