خرج الجزائريون إلى الشوارع في الاحتجاجات الغاضبة من النخبة الحاكمة في رسالة واضحة مفادها أن تعهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بعدم السعي للحصول على فترة ولاية خامسة كان فقيرًا ومتأخرًا جدًا.

فبعد احتجاجاتٍ استمرت 19 يومًا، أعلن بوتفليقة تراجعه عن الترشح لولاية خامسة، لكنَّه لم يتنحَ عن السلطة، بل فسر البعض تلك الخطوة بأنَّها طريقة ملتوية لتمديد فترة ولايته الرابعة. وفي هذا الصدد يكتب الصحافيان الجزائريان سهيل كرم وصلاح سليماني في موقع وكالة «بلومبرج» عن آراء المتظاهرين وتحليلاتهم للخطاب.

الأخضر الإبراهيمي.. صوت بوتفليقة في الداخل والخارج ووقت المرض!

في خطابٍ أذيع مساء أمس الإثنين، 11 مارس (آذار)، أجّل بوتفليقة الانتخابات المقررة الشهر القادم، قائلًا إنه لن يسعى للولاية الخامسة، استجابةً للاحتجاجات التي استمرت 19 يومًا والتي هددت بتمزيق الجزائر، الدولة العضوة في منظمة «الأوبك».

وبحسب الكاتبين، صرَّح الرئيس البالغ من العمر 82 عامًا، الذي عاد إلى الجزائر الأحد الماضي بعد علاجٍ طبي في جنيف، أنَّ الانتخابات الرئاسية ستُعقد بعد تأسيس مجلسٍ وطني للاتفاق على معالم العصر السياسي القادم، ووعد بصياغة دستورٍ جديد قبل نهاية العام الحالي، يقود عملية صياغته المجلس، الذي سيحدد أيضًا موعدًا للانتخابات.

وقال في الخطاب الذي نقلته وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية: «العهدة الخامسة لم تكن خيارًا مطروحًا بالنسبة لي على الإطلاق»، واعترف بوتفليقة أنَّ عمره ومشاكله الصحية لن يسمحا له سوى بالمساعدة في «إرساء الأساس لجمهورية جديدة».

وفقًا للكاتبين، اشتعلت الاحتفالات في العاصمة الجزائرية بانتشار الخبر، لكن سريعًا ما اتضح أن التنازلات لن تكون كافية لإرضاء المتظاهرين، الذين تحولت مطالبهم الأولية بتخلي بوتفليقة عن إعادة الترشح إلى دعواتٍ لتغيير سياسي أعمق، ونزلوا إلى الشوارع في العاصمة وغيرها من المدن بعد ساعاتٍ من إعلانه.

وقال هشام (32 عامًا)، الذي صرّح باسمه الأول فقط: «أرى هذا نصف انتصار، وسأحتج الجمعة القادمة وحتى يرحل نظامه».

تمديد غير مباشر

حالما أنهى بوتفليقة بيانه، اتهمه البعض باستخدام تأجيل الانتخابات لتمديد فترة ولايته بطريقة ملتوية، بدلًا من الاستقالة وتسليم السلطة. فوفقًا للتقرير، غرَّد موقع المانشر الجزائري على تويتر ساخرًا: «قّلنا لا لولاية خامسة، فقال حسنًا صغاري، سنبقى معًا في الرابعة».

أثار ترشح بوتفليقة لولاية خامسة احتجاجاتٍ زلزلت الجزائر، ودفعت الرئيس المريض وحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم لأخطر تحدٍ لهم منذ انتخابه الأول عام 1999. وفشلت وعوده الأولية لتعديل الدستور وإعلان تقليص مدة الولاية إذا أُعيد انتخابه في إرضاء المتظاهرين الحانقين على «السلطة»، والتي تتكون من مجموعة من الضباط العسكريين، والمحاربين القدامى في حرب استقلال الجزائر، وكبار رجال الأعمال، الذين حكموا البلد المنتج للطاقة لعقود.

سريعًا، وفي أعقاب بيان الإثنين، عُيّن نور الدين بدوي وزير الداخلية لرئاسة الحكومة الانتقالية مع حليف بوتفليقة رمضان لعمامرة كنائبه. وبث التلفزيون الجزائري مشهدًا مصورًا لبوتفليقة يعقد اجتماعاتٍ مع رئيس الأركان ومسؤولين آخرين، في ظل جهودٍ لإظهار عودته للعمل.

وأفادت قنوات فضائية عربية عديدة أنَّ الأخضر الإبراهيمي، الدبلوماسي الجزائري المخضرم والمبعوث السابق للأمم المتحدة، سيترأس المجلس الوطني، الذي سيتضمن أيضًا شخصياتٍ من المعارضة.

الحرس القديم لنظام بوتفليقة

أفاد تقرير «بلومبرج» أنَّ ريكاردو فابياني، كبير محللي الجغرافيا السياسية لشركة «إنتيرجي أسبيكتس»، صرح قائلًا: «يحاول النظام بوضوح إعادة السيطرة على الوضع عبر استرضاء المتظاهرين دون التنازل عن السلطة، ويراهنون على فقدان حركة الاحتجاج زخمها ومن ثم فشلها. لكنَّ المتظاهرين ازدادت جرأتهم بنجاح تظاهرات الأسابيع الماضية، وعلى الأرجح لن يرضوا بهذا التنازل فقط».

واتفق معه أنتوني سكينر، مدير قسم شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة «فيرسك مابلكروفت» للاستشارات الاستراتيجية وتقييم المخاطر. إذ قال: «لو كانت هذه محاولة للمماطلة من عشيرة بوتفليقة، فسترتد عليها. لقد رفض المتظاهرون هذا التنازل من نخبة لو بوفوار، وسيستمرون في الضغط على النخبة الحاكمة لتحقيق مطالبهم. يجب أن يوضع خط زمني واضح وتلتزم به السلطة».

وينقل الكاتبان عزم البعض ممن كانوا في الشوارع الجزائرية ليلة الإثنين على البقاء، بحجة أنَّ الانتقال الناجح للسلطة لا يمكن أن يقوده حارس قديم، أو «بقايا» النظام السابق. إذ قال عمار (28 عامًا)، والذي ذكر اسمه الأول فقط: «أنا محبط لأنِّي انتظرت رحيل بوتفليقة وكل حاشيته، لكنَّه أخبرنا برغبته في البقاء، وعين نفس الوجوه في الحكومة الانتقالية، أنا أحتج لتغيير النظام ورؤية الشباب في السلطة».

وبحسب التقرير، تتابع الدول الأوروبية وغيرها التطورات في الجزائر عن كثب، فالجزائر ليست فقط أكبر منتج للطاقة في أفريقيا، لكنَّها كانت حصنًا ضد التشدد الإسلاموي، والهجرة من أجزاء أخرى من القارة الأفريقية.

وأشار الكاتبان إلى أنَّ بوتفليقة، صاحب الفضل في تعافي الدولة بعد عقدٍ طويل من الحرب الأهلية في التسعينيات، يعد فاقدًا للأهلية إلى حدٍ كبير، ونادرًا ما شاهده الشعب منذ تعرضه لجلطةٍ دماغية عام 2013، لكنه ترشح لولاية ثانية، لصعوبة الإجماع حول بديلٍ بعينه. فالمعارضة منقسمة، ولم يظهر قادة واضحون لتولي القيادة.

ورغم تجنب الجزائر إلى حدٍ كبير الاضطرابات التي هزت جيرانها خلال ثورات الربيع العربي، التي اجتاحت المنطقة عام 2011، ناضل مواطنوها بسبب ارتفاع الأسعار والإحباط إزاء الفساد المزعوم وتدهور مستويات المعيشة.

وأدى التراجع الذي شهدته أسواق النفط العالمية منذ ترشح بوتفليقة الأخير عام 2014 إلى تقليص نصف الاحتياطي الأجنبي للدولة، وأعاق قدرة الحكومة على دعم الإعانات السخية، التي كنت تساعد في تهدئة الشباب الذين يبحثون عن وظائف، والذين يبلغون النسبة الأكبر من سكان الدولة. وتسبب أيضًا تراجع الاحتياطي في زيادة عجز الموازنة إلى 15% من إجمالي الناتج القومي، وهي نسبة لم يتمكن المسؤولون سوى مؤخرًا من مواجهتها، لتنخفض في ميزانية عام 2019 إلى 10.4%، بينما يبلغ سعر برميل النفط 50 دولارًا.

وصرَّحت زبيدة عسول، زعيمة الحزب المعارض «الاتحاد من أجل التغيير والرقي»، لقناة الشروق: «إنَّها حيلة جديدة لخداع الشعب، يبدو أن السلطة لا تفهم رسالة المحتجين في الشوارع، إنهم يقولون «ارحل». وأوضح آخرون بحسب الكاتبين أنَّ كلمة ارحل هنا كانت موجهةً للنخبة المعروفة باسم «لو بوفوار»، أي الحرس القديم كله، وليس بوتفليقة فقط.

لماذا أصرّ الفريق قايد صالح على حماية بوتفليقة حتى اللحظة الأخيرة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد