تناول تقرير مطول نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية للكاتبة هانا راي أرمسترونج؛ عالم مصارعة الكِباش في الجزائر، مسلطةً الضوء على أحداث هذا العالم المثير، والذي يحمل فيه طيّاته الكثير من الحقائق عن الواقع الجزائري والطموحات المفقودة للجيل الجديد.

تبدأ الكاتبة القصة من أغسطس (آب) الماضي؛ إذ لم يعُد على حلول عيد الأضحى سوى بضعة أيام، في حين يصطفُّ مجموعة من الرجال والشباب بملابس مختلفة يستعدُّون لمباريات مصارعة، ولكن بخلاف المباريات التقليدية، أبطال هذه النزالات هي الكباش. يبحث هؤلاء بين مختلف القرى سعيًا للحصول على أقوى الكباش وأسرعها، ومن ثم تربيتها وإعدادها لخوض المباريات.

معاملة ملكيّة!

تُعامل تلك الكباش من قِبل مالكيها معاملة ملكية؛ إذ يحرص أصحابها على إطعامها أفضل الطعام ورعايتها، قبل أن يخوضوا معها رحلة التدريب بطرقه المختلفة. وبخلاف أنواع أخرى من القتال، لا يتم المقامرة على مباريات الكباش، ولكن الرغبة والسعي في اقتناء أفضلها يرفع من سعرها بشكلٍ كبير؛ ما يعني أن كل قتال يعني رفع قيمة الكبش المنتصر، وربما يعني الموت أثناء القتال أو الذبح للكبش الآخر.

بحسب التقرير، قد تبلغ قيمة كبش قوي يحقِّق الفوز في الكثير من المباريات إلى 10 آلاف دولار، في حين أن مدربي تلك الكباش الذين يحققون الانتصارات بشكل دائم يهدفون بشكل أكبر إلى مطاردة المجد أكثر من المال. يظهر مدى الحماس في تلك المباريات بداية من الأسماء التي يختارها هؤلاء المدربين لكباشهم، والتي تحمل أسماء ملهمة للفوز، مثل رامبو أو هتلر.

قتال الكباش هو بطريقة أو بأخرى وسيلة لإفراغ الطاقات الكامنة في بلدٍ تنتشر فيه البطالة، كما أنه وسيلة للابتعاد وتجنُّب الصراعات الوطنية والإقليمية والحديث عنها. ينتمي أغلب مدربي الكباش إلى ما يعرف بـ«الجيل الضائع»، وأغلبهم في العشرينات والثلاثينات من عمرهم، ممن عانوا من الخوف والفساد المنتشر في البلاد، وانتشار البطالة وغياب الفرص، وأغلبهم غير متزوجين. يؤمن أغلب هؤلاء أن مستقبلهم في مكانٍ آخر، وهو: أوروبا بالتأكيد.

اقرأ أيضًا: «الشعب يريد إسقاط بن غبريط».. هل تُطيح الاحتجاجات وزيرة التعليم الجزائرية؟

الخلفية التاريخية لـ«الجيل الضائع»

جاء ذلك «الجيل الجديد» بعد نهاية حرب الاستقلال، والتي راح ضحيتها أكثر من مليون جزائري في سبيل الخلاص من المحتل الفرنسي في الفترة بين 1954 و1962. وبعد 30 عامًا من حكم الحزب الواحد بعد ذلك، كانت النهاية بانحدار البلاد نحو العنف عام 1991، والذي كان طرفاه قوات الأمن والجماعات الإسلامية، وراح ضحيته 200 ألف جزائري، وهي الفترة التي تعرف تاريخيًا بـ«العشرية السوداء».

بعد ذلك، أحكمت قوّات الأمن قبضتها على البلاد، وهو ما جنّب البلاد موجة الربيع العربي التي تأثرت بها أغلب الدول العربية، خاصة بعدما تمكَّنت مؤسسات الدولة من استيعاب أبرز الجهات المعارضة أو القضاء عليها. وسط كل تلك الأحداث، أصبحت حلبات مصارعة الكباش ساحة للهروب من تلك المراقبة المستمرة للدولة، وعلى الرغم من أن تلك المباريات غير قانونية، إلا أنّ السلطات تتجاوز عنها، وتسمح لمحبي تلك الممارسة بمزاولة نشاطهم بشكلٍ مستمر.

تتجاوز تلك البطولات أحيانًا القطر الجزائري، لتصبح بطولات على صعيد الدول، وفي تلك الحالة تُشارك تونس أيضًا في بعض المباريات. سكوت الحكومة على تلك المباريات هو اعتراف ضمني بحاجة الشباب للتنفيس عما يمر به من ضغوطات ومشاكل، بدلًا عن ممارسة العنف في اتجاهات أخرى.

فيما يتعلق بالمباريات، يمكن للكبش أن يبدأ في خوض المباريات بداية من عمر ثلاث سنوات؛ إذ يقوم مالكه بقص الصوف وتلوينه باستخدام الحناء. بمرور الوقت، يبدأ الكبش في اكتساب الخبرة والصلابة، ليصل لذروة قوته في عمر السابعة. من بين التدريبات الأساسية للكباش المشي لمسافات طويلة، كما أن نوعية الغذاء تعد أمرًا هامًا للغاية، لذلك فالعدس والبقول بشكل عام من بين أبرز الأطعمة المقدمة للكباش؛ لما تحتويه من عناصر مفيدة.

اقرأ أيضًا: هل ستشهد الجزائر اضطرابات اجتماعية بسبب تعميم الأمازيغية؟ 

تأتي أقوى تلك الكباش وأكثرها فوزًا من منطقة «عنابة»، بحسب التقرير. فيما تسرد الكاتبة بعض التفاصيل حول طقوس المباريات والأجواء المحيطة بها، وتشجيع الكِباش بقوَّة من جانب مدرّبيها ومحبّيها، إذ يصل عدد المتابعين في بعض المباريات إلى 200 شخص. مع انطلاق المباراة، تبدأ الكباش في النظر إلى بعضها، قبل أن تتراجع للخلف وتنطلق مسرعةً لترتطم بالكبش المنافس.

لا توجد نهاية واضحة للمباراة، إلا أنه من بين القواعد ألا تزداد عدد النطحات عن «30 نطحة» في المباراة الواحدة، لذلك فالكبش المسيطر يعد ّفائزًا، وهو ما يستطيع الخبراء تقديره من الضربةِ الأولى!

فجوة بين الأجيال

ترى الكاتبة أن تلك المباريات تظهر أيضًا فجوة واضحة بين جيلين مختلفين في الجزائر، بين جيل الكبار والنخب، والجيل الجديد الساخط غير المؤهل. منذ استقلال الجزائر عن فرنسا بعد أكثر من 130 عامًا من الاحتلال، تشهد البلاد بشكل مستمر موجاتت من الثورات الأيديولوجية التي تحمل الأمل، إلا أنها دائمًا ما كانت تفشل في تحقيق أهدافها بداية من موجات الاشتراكية في الستينات، مرورًا بأفكار العروبة والجماعات الإسلامية لاحقًا.

بحسب التقرير، كانت المشكلة في أغلب تلك الحركات الفكرية هي أنها تقسم الشعب في النهاية بدلًا عن توحيده؛ ليصبح العرب في مواجهة البربر، أو الإسلاميون في مواجهة العلمانيين، أو الأغنياء في مواجهة الفقراء، وهو ربما ما يفسر الطبيعة الهادئة والقاتمة للجزائر في هذه الأيام، ورفض الغالبية لاستقبال الأفكار الجديدة. تنتشر أيضًا حالة من الإحباط؛ نظرًا لأوضاع العمل المتردية.

وعلى الرغم من أن الربيع العربي لم يمر بالجزائر، إلا أن البلاد كانت قد أشعلت ربيعها الخاص منذ ثلاثين عامًا، تحديدًا عام 1988 سعيًا من الشعب لمواجهة الاستبداد وانهيار الاقتصاد. خرجت الجموع إلى الشوارع مطالبة بالحريات، تمامًا كما فعل السوريون والليبيون والمصريون والتوانسة لاحقًا في 2011. وبعد فوز الإسلاميين في المرحلة الأولى من الانتخابات عام 1991، ألغى الجيش الانتخابات واستحوذ على الحكم.

اقرأ أيضًا: «إيكونوميست»: بين أمازيغية وفرنسية وعربية.. كيف تعيق معركة اللغات تطور الجزائر؟

كان ذلك سببًا في اشتعال نزاع قوي على الأرض بين الجماعات الإسلامية والجيش على مدار 10 سنوات كاملة، إلا أن الشعب أراد أن يعيش في سلام في نهاية المطاف، بعدما رأى استماتة الطرفين، واستعدادهم لفعل أي شيء للوصول إلى الحكم. انتهت تلك المرحلة بانتخاب عبد العزيز بوتفليقة رئيسًا للبلاد عام 1999؛ بهدف نشر السلام والأمن في البلاد التي عمها العنف على مدار 10 سنوات.

كانت الأقدار في صالح بوتفليقة، خاصة فيما يتعلق بتزامن حكمه مع ارتفاع أسعار النفط من 30 دولار للبرميل في المتوسط، إلى أكثر من 100 دولار في 2008، في الوقت الذي يمثل فيه النفط والغاز أكثر من 96% من صادرات الجزائر. قدمت الدولة على خلفية ذلك خدمات إسكان للمواطنين، بالإضافة إلى قروض ومنح متعددة لتحسين الأوضاع المعيشية وخدمات مختلفة كالتعليم والتأمين الصحي، كما اختفى العنف من الشارع الجزائري، وهو ما كان سببًا في تجاوز فترة الربيع العربي بسهولة.

مرحلة السقوط

وبالتزامن مع انتخاب بوتفليقة لفترة رئاسية رابعة في 2014، استُبدِلت بحالة التفاؤل تلك حالة من اليأس والاحباط، خاصة مع انهيار اسعار النفط في ذلك العام، وهو ما أظهر ضعف الاقتصاد الجزائري واعتماده بقوة على النفط. استمر بوتفليقة في الحكم على الرغم من إصابته بجلطة أثرت على صحته بقوة، إلا أن الوتر الذي عزف عليه النظام كان التحذير من انتشار الفوضى والحرب الأهلية كما هو الحال في ليبيا وسوريا، وأن استمرار النظام يعني الأمان والاستقرار. وفي غياب تنظيم صفوف المعارضة، فاز بوتفليقة بنسبة 82%.

تدهور الأحوال المعيشية بشكل كبير منذ ذلك الحين، كما يستمر النظام بشكل دائم في إقصاء أي معارضة حقيقية؛ ليعيش المجتمع دائمًا في خوف. هنا تقول الكاتبة: إنها ترى أن الشعب الجزائري شعب ثوري يعيش في وقت تستحيل في الثورة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد