المخاوف من جائحة كوفيد-19 وتداعياتها الاقتصادية من أبرز شواغل الجزائريين، حسب ما تناول ريكاردو فابياني في مقال هو الأول في سلسلة من أربعة أجزاء ينشرها «معهد الشرق الأوسط» بالتعاون مع شبكة «الباروميتر العربي» لتحليل نتائج الدورة السادسة من استطلاعات الشبكة البحثية.

في البداية يقول الكاتب، وهو مدير مشروع شمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية: إن نتائج الاستطلاع الذي أجرته شبكة «الباروميتر العربي» للجزائر ترسم صورة لسكان يشعرون بالقلق من جائحة كوفيد-19 وتأثيرها الاقتصادي. وفي الاستطلاعات التي أُجرِيت في الجزائر في المدة من أغسطس (آب) 2020 إلى أبريل (نيسان) 2021، برز انتشار الفيروس ومستقبل التجارة باستمرار باعتبارهما أكبر تحديين في المستقبل، مع صعود المخاوف الاقتصادية إلى المركز الأول متخطية الحالة الصحية خلال هذه المدة.

عربي

منذ شهرين
«متحور دلتا» يجتاح البلاد! هل يصمد اقتصاد الجزائر المنهار أمام «إغلاق جديد»؟

وبسبب انتشار متحور دلتا، تكافح الجزائر لاحتواء انتقال الفيروس. وتصاعدت الحالات والوفيات الجديدة سريعًا بين شهري يوليو (تموز) وأغسطس 2021، مما جعل نظام الرعاية الصحية على حافة الانهيار.

وقبل أزمة الصيف التي أحدثها ظهور متحور دلتا، بدا الجزائريون، رغم قلقهم بشأن الفيروس، واثقين إلى حد ما في قدرة بلادهم على تحمل الجائحة. وفي أبريل 2021 لم يكن المستطلِعون قلقين بشأن قدرة مستشفياتهم على مواجهة المرض. وكان 14% فقط من المستجيبين منشغلين بنظام الرعاية الصحية الخاص بهم، في حين كان 43% منهم متخوفين من خطر إصابة أحد أفراد الأسرة بالمرض، بينما كان 18% منهم قلقين إزاء عدم اتباع مواطنين آخرين لتوصيات الحكومة.

التطعيمات وقيود الصحة العامة

وأوضح الكاتب أن حملة التطعيم الجزائرية، التي صنَّفها صندوق النقد الدولي في توقُّعاته الاقتصادية الإقليمية في أبريل 2021 على أنها «مُلقِّح بطيء»، كانت ضعيفة. وفي أوائل سبتمبر (أيلول)، ومع تلقيح 3 ملايين شخص فقط من إجمالي عدد السكان البالغ حوالي 45 مليون نسمة، أعلنت الحكومة إطلاق جهود تطعيم كبيرة بهدف تطعيم 70% من الجزائريين. كذلك تدرس السلطات إصدار شهادة تطعيم إلزامية لبعض الفئات من الأفراد.

Embed from Getty Images

وتسلِّط نتائج استطلاع الباروميتر العربي لشهر أبريل 2021 الضوء أيضًا على التردد الواسع النطاق بشأن تلقي اللقاحات في المدة التي سبقت انتشار متحور دلتا؛ فقد عَدَّ 45% من المستجيبين أنه من غير المحتمل للغاية أن يحصلوا على اللقاح إذا كان متاحًا مجانًا، بينما اعتقد 8% أنه حصولهم على اللقاح «غير محتمل إلى حد ما». وعند سؤالهم عن تفضيلهم بين اللقاحات المتاحة، كان الجزائريون أكثر ثقة (34%) في اللقاحات الروسية موازنةً باللقاحات الأمريكية (12%)، بينما رفض 21% جميع الخيارات المتاحة.

وعلى مدى عامي 2020 و2021، فرضت السلطات سلسلة من القيود في محاولات مختلفة سعيًا لإبطاء سرعة انتقال الفيروس. وكثيرًا ما أثرت هذه القيود على حرية التنقل والنشاط التجاري، من خلال حظر التجول ومواعيد الإغلاق الإلزامية على سبيل المثال.

وقد أثرت هذه التدابير على العمال ذوي الأجور المنخفضة والعمال غير النظاميين على نحو غير متناسب؛ إذ تعرض العديد منهم لقيود في أنشطتهم اليومية، وفقدوا على الأقل جزءًا من دخلهم. وتسلِّط دراسة الباروميتر العربي الضوء على قلق عديد من الجزائريين إزاء التأثير غير المتكافئ لهذه السياسات. وفي أبريل 2021 اعتقد 59% من المستجيبين أن الأزمة الصحية كانت لها تأثيرات أسوأ على المواطنين الأكثر فقرًا، ويعتقد 55% منهم أن المهاجرين تأثروا تأثرًا واضحًا بها.

النظرة الاقتصادية

وبالإضافة إلى تأثيرها على هذه الشرائح الضعيفة من السكان، وحسب ما يضيف الكاتب، أثرت الجائحة والقيود الحكومية أيضًا على توقُّعات الاقتصاد الكلي. ووفقًا لصندوق النقد الدولي، سجلت الجزائر انكماشًا حقيقيًّا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.6% في عام 2020. وبسعر التعادل المالي للنفط الذي يبلغ 90 دولارًا لميزانيتها و78 دولارًا لحسابها الجاري، سجلت الجزائر عجزين ضخمين في المجالين المالي والخارجي بلغ 12.7% و10.5% من الناتج المحلي الإجمالي، على الترتيب، إذ كانت أسعار النفط أقل كثيرًا من هذه الأهداف المالية.

وأدَّى هذا النقص بدوره إلى انخفاض سعر الصرف انخفاضًا مطردًا منذ مارس (آذار) 2020. وقد تُرجم تراجع سعر الدينار الجزائري إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع المستوردة؛ الأمر الذي ترتَّب عليه تغيُّر خاص بالمستهلكين في بلد يستورد فعليًّا جميع السلع التي يستهلكها.

Embed from Getty Images

ومن غير المستغرب أن يكون 42% من المستجيبين في استطلاع أبريل 2021 قد قدَّروا أن الوضع الاقتصادي كان «سيئًا»، فيما قيَّم 21% منهم أن الوضع كان «سيئًا للغاية». وأشار عدد كبير من الجزائريين (32%) إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة كان أكبر مخاوفهم المتعلقة بكوفيد-19، وعدَّته مجموعة أخرى (22%) ثاني أكبر مخاوفهم. كما أن قيود الميزانية تعني أن الحكومة لم تتمكن من تقديم الدعم المالي الكافي للسكان. وفي ظل هذه الخلفية، قال 90% من المستجيبين إنهم لم يتلقوا أي مساعدات من الحكومة أثناء أزمة كوفيد-19، واشتكى 20% منهم من أنهم يشعرون بالقلق في أغلب الأحيان بشأن نفاد المال لشراء الغذاء، بينما قال 18% منهم إنهم يشعرون بهذا القلق في بعض الأحيان.

وعلى مدى الأشهر الماضية كشفت الحكومة الجزائرية عن عدة مبادرات تستهدف محاولة إحياء آفاق الأعمال القاتمة في البلاد. وفي أواخر أغسطس قدمت الحكومة خطة عمل تركز على الزراعة والطاقة المتجددة والأدوية والسياحة، وذلك بهدف تحسين ظروف الأعمال التجارية وتبسيط القوانين للمستثمرين في هذه القطاعات.

وتشمل الأهداف الأخرى هدف تحسين التنمية البشرية، لا سيما جودة التعليم والبحث. بيد أن وسائل الإعلام المحلية والاقتصاديين انتقدوا البرنامج برمَّته لكونه غامضًا للغاية ولافتقاره إلى أهداف محددة. وبالإضافة إلى ذلك، أعلنت الإدارة الرئاسية في أوائل سبتمبر سلسلة من القيود على الواردات، في محاولة لاحتواء العجز في الحساب الجاري وتخفيض الضغط على سعر الصرف. غير أن هذه التدابير ستؤدي على الأرجح أيضًا إلى حدوث حالات نقص وزيادة التضخم.

التطلع قدمًا

وتطرَّق الكاتب إلى تفاؤل الجزائريين الحذِر رغم أن الصورة الحالية ليست وردية، فقد أظهر استطلاع الباروميتر العربي أن الجزائريين ظلوا متفائلين بحذر بشأن الظروف الاقتصادية في المستقبل، منذ عدة أشهر على الأقل. وفي أبريل 2021، اعتقد 23% من المستطلعين أن الظروف في غضون العامين أو الثلاثة أعوام القادمة ستكون أفضل كثيرًا، في حين توقَّع 23% آخرون أن يتحسن الاقتصاد إلى حد ما (موازنةً بـ19% ممن يرون أن الوضع سوف يزداد سوءًا و12% ممن يتوقعون تدهورًا طفيفًا). وأشار 34% من المستجيبين إلى أنه ينبغي للحكومة أن تعطي الأولوية لخلق المزيد من فرص العمل، في حين سلَّط 21% الضوء على إصلاح التعليم باعتباره مصدر قلق.

ويختم الكاتب مقاله قائلًا: وبوجه عام، تؤكد نتائج الاستطلاع أن الجزائريين يشعرون بالقلق إزاء الجائحة وآثارها الاجتماعية – الاقتصادية، لا سيما فيما يتعلق بالفئات الضعيفة، مثل المواطنين الأفقر والمهاجرين، حتى مع احتفاظهم ببعض التفاؤل بشأن المستقبل. وتُبرز الدراسة أيضًا كيف أن أكبر التحديات التي تواجهها الحكومة الجزائرية في الأشهر المقبلة تتمثل على الأرجح في التعامل مع التردد في تلقي اللقاحات، وهو ما قد يُعيق أي انتعاش اقتصادي في المستقبل ويعرقل إنعاش النشاط التجاري ويكبل خلق فرص العمل واحتواء التضخم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد