كتب شاران جريوال – الأستاذ الزائر في قسم السياسية الخارجية لمركز سياسة الشرق الأوسط – مقالًا نشره معهد «بروكينجز» الأمريكية للسياسة العامة، وتناول فيه المشهد العام في الجزائر بعد سبعة أشهر من الاحتجاجات التي أطاحت بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

استهل شاران مقاله بقوله: «سبعة أشهر مضت على الإطاحة بعبد العزيز بوتفليقة ولم يزال الجزائريون في الشوارع. فقد تواصلت الاحتجاجات الجماهيرية كل يوم جمعة منذ إسقاط الرئيس في أبريل (نيسان) الماضي مطالبة السلطات ليس فقط بتغيير القيادات، بل الشروع في تغيير شامل للنظام السياسي في البلاد أيضًا».

يتفق الكثير من المراقبين والمثقفين أن استمرار احتجاجات الجزائريين بعد الإطاحة بالديكتاتور يضع الكثير من الضغط على النخب لمتابعة التزامهم بإرساء الديمقراطية، ولكن بعد سبعة أشهر لم يتزحزح النظام الجزائري آملًا فيما يبدو أن تفشل الاحتجاجات، وأن يسأم غير المحتجين منها.

في الواقع أشارت دراسة حديثة أن استمرار المظاهرات من الممكن أن يكون سلاح ذو حدين، فقد يدفع غير المتظاهرين للإحباط ليس فقط من التظاهرات وإنما من الديمقراطية بشكل عام.

يتساءل شاران عما إذا كان الإرهاق قد تسلل إلى المحتجّين وغير المحتجّين في الجزائر؟ وهل لازال المتظاهرون متمسكين بالأسباب التي دفعتهم للنزول للشوارع كما كانوا في أبريل بعد سقوط بوتفليقة؟

آراء 14 ألف جزائري

يقول الكاتب: إن نظرة متفحصة لأحوال الجزائريين يمكن أن تساعدنا في الإجابة عن هذه الأسئلة، مضيفًا: «منذ أبريل، أُجري أنا وزملائي طاهر كيلافوز وروبيرت كوبينيك استطلاعًا في الجزائر عبر الإنترنت عن طريق إعلانات على الفيسبوك».

ويتابع الكاتب أن الإعلانات ظهرت لكل مستخدمي «فيسبوك» الجزائريين الذين هم فوق 18 سنة ويعيشون في الجزائر. وعند الضغط على الإعلان ينتقل المستخدم إلى موقع «كوالتريكس» حيث يكملون نموذج الموافقة، ثم يجيبون عن الاستطلاع».

ويوضح الكاتب أن عينة مستخدمي «فيسبوك» بالطبع ليست ممثلة للشعب على المستوى الوطني، فمن يستخدم «فيسبوك» في الجزائر حوالي 45% فقط من عدد السكان البالغ 19 مليون نسمة.

ولكن مقارنة بالاستطلاعات التقليدية، تتيح التكلفة الأقل لاستطلاعات رأي مستخدمي «فيسبوك» إنشاء عينة أكبر بكثير، وإجراء الاستبيان لفترة زمنية أطول. لقد أجرينا الاستبيان بشكل مستمر منذ أبريل، كوّنا عينة تضم أكثر من 14 ألف جزائري. وتسمح لنا بيانات المسح الطويل بتتبع التغيرات التي تحدث داخل مجتمع «فيسبوك» الجزائري.

لماذا تريد السلطة الجزائرية التعجيل بالانتخابات الرئاسية رغم رفض الحراك؟

إلى أي مدى لا يزال الجزائريون متمسكين بأهداف وتكتيكات الحراك؟

يقول شاران: «إن الاستطلاع أتاح لنا استكشاف إجابة السؤال المطروح: إلى أي مدى لا يزال الجزائريون متمسكين بأهداف وتكتيكات الحراك؟».

وأضاف «بدأنا بتقسيم العينة إلى مجموعتين فرعيتين: المتظاهرون الذين شاركوا في التظاهرات لمرة واحدة على الأقل منذ فبراير (شباط)، وغير المتظاهرين الذين لم يشاركوا بأي تظاهرة».

Embed from Getty Images

وتابع الكاتب «ندرس بداية دعمهم للهدف الشامل للحركة؛ تغيير كامل للنظام السياسي. في نتائجنا، اتضح لنا أن دعم هدف التغيير السياسي الكامل قد تزايد في الواقع بمرور الوقت ضمن المتظاهرين وغير المتظاهرين على حد سواء.

ويؤكد الكاتب أن «نسبة التأييد أو التأييد بقوة لهدف التغيير السياسي الكامل كانت ضمن مجموعة المتظاهرين بنسبة 78% في أبريل، بينما ازدادت هذه النسبة إلى 89% في أكتوبر (تشرين الأول)».

الأمر نفسه ينطبق على مجموعة غير المتظاهرين فقد كانت نسبة تأييد التغيير الشامل للنظام السياسي 64% في أبريل وأصبحت 74% في أكتوبر. فبعد تسعة أشهر على الاحتجاجات أصبح هناك دعم أكبر للتغيير النظامي.

أضاف الكاتب أنه على الرغم من استمرار التزام المجتمع الجزائري على «فيسبوك» بأهداف الاحتجاجات، إلا أن هناك القليل من خيبة الأمل تجاه التكتيكات التي تتبعها المظاهرات.

فمنذ أبريل إلى أكتوبر انخفض تأييد المظاهرات قليلًا من 94% إلى 80% ضمن المتظاهرين، ومن 67% إلى 58% ضمن غير المتظاهرين. وبالمثل انخفضت نسبة المؤيدين لاستمرار الاحتجاجات من 93% إلى 71% ضمن المتظاهرين، و76% إلى 58% ضمن غير المتظاهرين.

يشير الكاتب إلى أن الغالبية العظمى من كلا المجموعتين مستمرة في دعم مطالب المتظاهرين، ولكن كان هناك انخفاض طفيف بمرور الوقت، منذ أغسطس (آب) تحديدًا.

مكاسب المحتجين تتراجع.. واتجاه نحو الإضراب

أوضح الكاتب أن إحدى الطرق لفهم هذه الاتجاهات التي تبدو متناقضة هو التفريق بين أهداف وتكتيكات حركة الاحتجاج. فبينما لازال الجزائريون ملتزمون بهدف تغيير النظام، فإن هناك شكوكًا متنامية حول ما إذا كانت الاحتجاجات ستكون قادرة على تحقيق هذا الهدف.

Embed from Getty Images

في البداية، قوبلت احتجاجات الجمعة بشكل منتظم بتنازلات إضافية من قبل النظام. ففي الفترة بين أبريل ويوليو (تموز)، نجحت التظاهرات بالإطاحة ليس فقط بالرئيس، ولكن بأخيه ومستشاره سعيد بوتفليقة، ورئيسي وزراء سابقين، ورئيس مخابرات شهير، والعديد من رجال الأعمال البارزين ووزراء وسياسيين آخرين. فبدا أن الاحتجاجات في البداية تحدث تغييرا نظاميًا.

يستدرك الكاتب: ولكن منذ أغسطس أصبحت هذه التنازلات أقل ومتباعدة أكثر في المدة الزمنية. لم يكن النظام مستعدًا لقبول أحد أكثر المطالب التي صرح بها المحتجون؛ وهي إقالة الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح ورئيس الوزراء نورالدين بدوي وكلاهما من فلول نظام بوتفليقة. وبدلًا من ذلك، حاول النظام إعادة رسم خريطة الطريق بالدعوة مرة أخرى لانتخابات رئاسية مقررة في شهر ديسمبر يتنافس فيها خمسة مسؤولين من عهد بوتفليقة. في الوقت نفسه، كثف النظام من قمعه للحركة الاحتجاجية، واعتقل قادة المعارضة والمتظاهرين.

ويقول الكاتب: إنه «مع المكاسب الضئيلة التي تحققها الاحتجاجات، فإن دعم تكتيكات التظاهر ربما تراجع شيئا ما على الرغم من زيادة دعم مطلب تغيير النظام. إذا استمر هذا الاتجاه، فربما يمهد الطريق للبعض في الحركة لتبنّي تكتيكات جديدة».

وبدأت الدعوات منذ أغسطس إلى العصيان المدني ومن المحتمل أن تشمل إضرابات واعتصامات تتجاوز المسيرات والاحتجاجات المؤقتة. كما شهد أواخر أكتوبر الماضي إضرابات في العديد من النقابات العمالية والقضاة، بينما بدأت الشائعات تنتشر حول الدعوة لإضراب عام على مستوى البلاد.

يختم الكاتب مقاله بقوله «باختصار، لم تظهر أي علامات على تراجع الاحتجاجات، فبعد تسعة أشهر من التظاهرات، تزايدت المطالب بالتغيير النظامي. ولكن بينما تناضل التظاهرات لتحقيق هذا الهدف، قد يزداد التأييد لتعزيز التظاهرات بالإضرابات والاعتصامات، لكن الأمر الجلي حتى الآن هو أن النظام لم يتمكن من استرضاء المحتجين أو قمعهم أو إنهاكهم».

«الجارديان»: بماذا تخبرنا الاحتجاجات في 5 دول عن شكل العالم قريبًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد