في الوقت الذي تمر فيه الاحتجاجات الشعبية الجزائرية بشهرها السادس، مطالبة بدولة مدنية بعيدًا عن قبضة الجيش الجزائري، تتوقع صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، في تقرير من إعداد داليا غانم، الباحثة المقيمة والخبيرة في الشأن الجزائري بمعهد كارنيجي للشرق الأوسط، استمرار إحكام الجيش الجزائري سيطرته على البلاد، مستندة في ذلك إلى تاريخ المؤسسة العسكرية الجزائرية وإيلائها اهتمام كبير بالحفاظ على مصالحها.

تستمر الاحتجاجات في الجزائر بعد ستة أشهر من الضغط المستمر لإجراء إصلاحات في الحكومة. يحكم الجيش البلاد صراحةً منذ رحيل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أواخر مارس (آذار) الماضي، في حين يطالب الشعب الجزائري بدولة مدنية. لكن صحيفة «واشنطن بوست» تتوقع استمرار الجيش الجزائري في التدخل المباشر والعلني في السياسة، مرجعة ذلك إلى عدة أسباب.

الأسبقية التاريخية للحكم العسكري

تشير الصحيفة إلى أن إدارة شؤون البلاد ليس دورًا جديدًا على الجيش الجزائري. إذ قاوم الجيش الاحتلال الفرنسي وحرر البلاد في ستينيات القرن الماضي، وشارك في تنميتها الاجتماعية والاقتصادية خلال السبعينيات من القرن الماضي واستجاب للاحتجاجات التي شهدتها البلاد في ثمانينيات القرن الماضي، وحمى وحدة أراضيها في التسعينيات. وطوال تلك الفترات، تبعًا للوضع، تأرجح موقف الجيش الجزائري بين التدخل المباشر في الحياة السياسية والانسحاب المحدود منها.

وضربت الصحيفة مثالًا على ذلك بالفترة التي تلت وفاة الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين عام 1978، حين توسط الجيش بين المجموعات المدنية المختلفة التي تصارعت على خلافته. نصَّب الجيش مرشحًا اختير بالإجماع، وعاد في النهاية إلى ثكناته. لكن التدخل العسكري في السياسة وصل إلى ذروته في عامي 1988 و1992، بحسب الصحيفة، وطوال فترة «العشرية السوداء»، حين عصف صراع دموي مسلح بين السلطات وعدة جماعات إسلامية متشددة بالبلاد من عام 1991 وحتى عام 2001.

Embed from Getty Images

لكن عندما وصل بوتفليقة إلى السلطة عام 1991، انسحب الجيش الجزائري من الحياة السياسية بعد أن حصل على ميزانية وفيرة، وحصانة ضد انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها خلال الحرب الأهلية التي دامت عقدًا من الزمان، وفقًا للصحيفة.

ومنذ بداية الحراك الشعبي في وقت سابق من العام الجاري، وفي ظل غياب السلطات المؤسسية المؤثرة، تقول «واشنطن بوست» إن الجيش يحكم البلاد «بوضوح». إذ غيَّر قائد الجيش ولاءه ودعا المجلس الدستوري الجزائري إلى إعلان منصب الرئيس شاغرًا بموجب المادة 102 من الدستور، وضغط في نهاية المطاف على بوتفليقة للتنحي. ولم يقتصر تدخل الجيش على ذلك، إذ عيَّن الجيش رئيسًا مؤقتًا مع حكومة انتقالية، وألقى القبض على عشرات السياسيين وكبار رجال الأعمال بتهم فساد.

قبضة الجيش الثقافية على الجزائريين

تقول الصحيفة الأمريكية في تقريرها إن الجيش الجزائري لديه نظرة مقدسة لدور الجيش الوطني الشعبي، وإن المؤسسة العسكرية الجزائرية تمسكت بوحدتها في الأزمات، وحافظت على نفسها من الانقسام، مضيفة أن الفرق المختلفة داخل الجيش لديها التصور ذاته: يرون أنفسهم أوصياء على الأمة، وحراس الجزائر وشعبها. وينبغي للجزائرين -في نظر الجيش- أن يكونوا ممتنين للنظام المدعوم من الجيش، وما فعله من أجلهم.

هتف ملايين المتظاهرين قائلين: «نريد دولة مدنية لا عسكرية»، ليرد عليهم قائد الجيش قائلًا: «كل الجهود التي بذلتها المؤسسة العسكرية حتى الآن هي في الأساس جهود تحترم مصلحة الدولة العليا».

ضعف المؤسسات السياسية

تشير صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن القوى المدنية «ضعيفة للغاية» في الوقت الحاضر، لدرجة أن القيادة المدنية أصبحت تابعة للقوات المسلحة، مضيفة أنه على الرغم من محاولة بوتفليقة تحييد الجيش وبناء رئاسة أقوى، سيكون من المبالغ فيه القول بأن القوى المدنية أصبحت قوية لدرجة وضع الجيش تحت الرقابة. فقد ظل الجيش أقوى من أي وقت مضى، وهو الجيش الذي تدخل لعزل بوتفليقة، وتولي زمام القيادة خلال الأشهر الأربعة الماضية.

وبحسب الصحيفة، فقد تعرضت المؤسسات السياسية مثل المجلس الشعبي الوطني، والمسؤولين، والمشرعين، وأعضاء الحكومة الحالية، والأحزاب السياسية للرفض من الحراك الشعبي الذي يرفض أي حوار مع رموز النظام السابق. إضافة إلى ذلك، فهناك انفصال كامل بين الحراك الاجتماعي، والمؤسسات السياسية؛ ومن ثم لا توجد قنوات لإيصال مطالب الشعب للحكومة.

Embed from Getty Images

مصالح الجيش الجزائري

في الوقت الحالي، أصبح اهتمام الجيش بالبقاء في السلطة أعلى من رغبته في إيقاف تدخله المباشر، وفقًا لتقرير «واشنطن بوست» الذي أشار إلى أن ضباط الجيش يستمتعون بالمزايا التي تتراوح بين المرتبات المرتفعة، والإسكان، والحصول على السلع الاستهلاكية النادرة.

وترى الصحيفة أنه في حال تمكن الجيش من الحصول على ضمانات بأن الحكومة المدنية يمكنها حماية مصالحه (أي في طريقة تخصيص الموارد)، ومصير القيادة (أي عدم المقاضاة القانونية)، فقد يساعده هذا في المضي قدمًا.

وأيًا كان ما يحدث، تتوقع الصحيفة أن تقبل المؤسسة -على الأرجح- عقد صفقة مع القوى المدنية فقط إذا كانت لديها حرية تصرف كاملة في الأمور التي كانت دائمًا تتعلق بمصير المؤسسة، أي الميزانية، والاستحواذات، والتجنيد، والتدريب، والتخطيط المهني، والتقاعد.

وبالإضافة إلى هذه المصالح العامة للمؤسسة العسكرية، فهناك مصالح شخصية أيضًا، بحسب الصحيفة. إذ توجه الجنرالات الحاكمون إلى القطاع الخاص، وأقاموا اتصالات مع الشركات المحتكرة للأعمال التجارية المهمة، وأَثروا أنفسهم.

التفكير في المستقبل

تقول «واشنطن بوست» إنه لا يوجد نموذج واحد يناسب جميع العلاقات المدنية- العسكرية، مضيفة أن الجزائر تمر بمرحلة يُعاد خلالها التفاوض بشأن هذه العلاقات، وتحتاج إلى تطوير نموذج للعلاقات المدنية- العسكرية يكون قابلًا للتطبيق، ومناسبًا للبلاد.

وترى الصحيفة أنه ينبغي لكلٍّ من الجيش والقادة السياسيين، وكذلك الشعب، مناقشة حدود التدخل المقبول من الجيش الجزائري في السياسة، إذ يبدو أن الشارع والمعارضة السياسية متفقان على أنه قد انتهي ذلك الوقت الذي اعتاد فيه بعض الجنرالات الحاكمين لعب دور «صناع الرؤساء»، مستخدمين نفوذهم لدعم المرشحين الرئاسيين.

«عرّابة الانقلابات في أفريقيا».. هل تقود فرنسا قريبًا انقلابًا في الجزائر؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد