الصورة: لقطة من فيلم «أليس في بلاد العجائب 2010».

نشر موقع «لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس» مقالًا لـ«براد إفانز» يعيد من خلاله النظر للواقع المؤلم الوحشي الذي نعيشه، وكيف يمكن أن نجد الملاذ والنجاة من عالم كهذا بإعادة تدبر قصة من أشهر القصص مثل «أليس في بلاد العجائب»، كيف تنظر أليس للأمور والناس في عالم عجيب ربما يشبه عالمنا الآن.

يعرف «براد إفانز» نفسه أنه فيلسوف سياسي، وناقد، وكاتب، يتخصص عمله في مشكلة العنف. وهو مؤسس ومدير مشروع «تاريخ العنف»، الذي يضم قاعدة مستخدمين عالمية تغطي 143 بلدًا. ألَّفَ حوالي 10 كتب فضلًا عن أكثر من 40 مقالًا أكاديميًا وإعلاميًا، يعمل حاليًا محاضرًا في كلية علم الاجتماع والسياسة والدراسات الدولية، في جامعة بريستول، المملكة المتحدة. وفيما يلي الترجمة الكاملة لمقاله:

«إن محاولة التصالح أو قبول الأحداث الشنيعة كالحادث الذي شهدته مانشيستر مؤخرًا أمرٌ غاية في الصعوبة، خاصة عندما يتضمن الحادث أطفالًا صغارًا أبرياء، حينها، غالبًا ما تخذلنا الكلمات في التعبير. في الحقيقة ما زلت أشعر بالصدمة والغضب والحنق، لكن الأهم من ذلك كله أنني أشعر بالإرهاق.

كيف يمكن أن نجد الملاذ والنجاة من عالم بهذه الوحشية بإعادة تدبر قصة من أشهر
القصص مثل «أليس في بلاد العجائب»، كيف تنظر أليس للأمور والناس في عالم
عجيب ربما يشبه عالمنا الآن.

أشعر بالإرهاق، فقد استنزفت قواي مرة أخرى من جراء صور حادث مأساوي عقيم، تمامًا مثلما أشعر بالاستنزاف لدى رؤية صور أطفال غرقى قذفت الأمواج أجسادهم على شواطئ المتوسط، أرهقتني المناقشات السياسية المألوفة حيث لا تستدعي الإدانات أي تفكير جاد بشأن العنف. ولا سيما أشعر بالاستنزاف من مصاصي الدماء السياسيين الذين يذكون نيران الأوضاع غير المحتملة، فصاروا طفيليات تقتات على العنف من أجل أن يتلاعبوا بالمخاوف الحقيقية لمن يأملون أن تنتهي كوابيسهم.

الذعر يتطلب تلك الفداحة، كما يزدهر في عالم المشاعر المختزلة حيث تُعبأ الحلول الجاهزة بطرقٍ أنيقة في صناديق الانقسام، مملوءة بمشاعر الغضب والكراهية التي تم احتواؤها بعناية. لا يسعني الادعاء أنني أفهم تلك الرغبة في تدمير مثل تلك الأرواح البريئة عمدًا، ولا أظن أنني سأفهمها أبدًا. لكن في المقابل أظن أن الكاتب جيمس غراهام بالارد كان محقًا عندما كتب «كما كل الأحلام التي مرَّت، يظل هناك إحساس مُلحّ بالخواء. لذا يبحث الناس عن أي شيء، يعتقدون في أي تطرف، فحينها أي هراء متطرف أفضل من لا شيء».

اقرأ أيضًا: 12 سيناريو لنهاية العالم

ثمة شيء مدمر للغاية مرتبط بالتكتيكات الجارية التي تبثها بعض الجماعات الإرهابية مثل تنظيم الدولة الإسلامية. لا يرتبط برمزية استخدامهم للعنف فحسب، بل أيضًا بالتآلف الحسي، لذا، يعد أمرًا مرعبًا للغاية. فهم يرسلون رسائلَ مقصودة حول الفئات التي يستهدفونها بالقتل – سواء كانوا كفارًا، أو حتى مؤمنين ولكنه إيمان غير كافٍ وفق معاييرهم المتشددة، أو مثليي الجنس، أو الصحفيين، أو عمال الإغاثة، أو الشباب والأطفال مؤخرًا. إن عنف هذه الجماعات هو في حقيقة الأمر هجوم على أناس مثلي ومثلكم. كما أن فكرهم السوداوي هو في حقيقة الأمر اعتداء على المستقبل أيضًا.

ولكن من خلال بحثنا عن بعض الإجابات، لا يمكننا أن نتعامل مع هذا العنف بمعزل عن البعد التاريخي، فالأمر لا يتعلق بالبحث عن مبررات أكثر منه دعوةً للوضوح والصراحة والمناقشة الجادة لكيفية كسر حلقة العنف تلك. وفي هذا الصدد، نحن بحاجة إلى أن نضمن بعناية وحساسية أن الضحايا الذين سقطوا جراء ذلك العنف، لا يصبحون فرائس مكرسة لمكائد الحرب، كما هو شائع جدًا في مثل هذه الحالات. وكما ذكّرنا هوارد زين، «يجب علينا أن نقرر ألا نُستدرج إلى الحرب، مهما كان السبب الذي تذرع به السياسيون ووسائل الإعلام، لأن الحرب في وقتنا الحاضر غالبًا ما تكون غير مُمَيِزة، وتصبح حربًا ضد الأبرياء وضد الأطفال».

من المؤسف أن قتل الأبرياء، وخاصةً الأطفال، أصبح جزءًا لا يتجزأ من نسيجنا الحضاري الشاسع. يمكننا أن نعود إلى إسخيلوس أوراسيا – ثلاثية شعرية تراجيدية -، والتي تحكي لنا قصة مقتل أجاممنون على يد زوجته الملكة كليتمنسترا، والتي انتقمت للتضحية بابنتها إيفيجينيا. فقد ذبحت كقربان من أجل «الخير العظيم» لاسترضاء الإله لكي تبدأ الحرب. يجب أن نفكر أيضًا في الكتاب المقدس وفي مذبحة الأبرياء، والتي كانت من أوائل المرات التي أتذكرها منذ أيام الطفولة، والتي تعرفت من خلالها على وحشية هذا العالم.

ثمة شيء مدمر للغاية مرتبط بالتكتيكات الجارية التي تبثها بعض الجماعات
الإرهابية مثل داعش. لا يرتبط برمزية استخدامهم للعنف
فحسب، بل أيضًا بالتآلف الحسي، لذا، يعد أمرًا مرعبًا للغاية. فهم يرسلون
رسائلَ مقصودة حول الفئات التي يستهدفونها بالقتل – سواء كانوا كفارًا، أو
حتى مؤمنين ولكنه إيمان غير كافٍ وفق معاييرهم المتشددة.

يمتلئ القرن العشرون بأكوام من جثث الأطفال الأبرياء. بدايةً من وحشية نظام الملك ليوبولد ملك بلجيكا، الذي كان ينتشي بهجة وفرحًا بتعذيب وقتل الأطفال، مرورًا بالصور القاسية للأطفال في معسكرات الاعتقال بألمانيا النازية، والذين تعرضوا لأهوال يندى لها الجبين، إن القدرة البشرية على استخدام العنف ضد أكثر الفئات ضعفًا، ليس لها حدود. ولكن بالطبع، وعلى الرغم من كل ذلك، لم ينته الأمر عند ذلك الحد.

دعونا نفكر في الصور التي لا تزال تطاردنا في الآونة الأخيرة فحسب. بداية من صورة نيك أوت، التي اشتهرت بفتاة النابالم، مرورًا بصورة كيفن كارتر التي التقطها عام 1993 للنسر والفتاة السودانية – ذلك المشهد الذي ساهم في انتحار كارتر، وانتهاءً بالصورة المأساوية الأخيرة للطفل إليان كردي، الذي ألقته الأمواج على شواطئ المتوسط، إن موت البراءة بدون سبب لا يزال يحملنا بالخزي.

اقرأ أيضًا: 6 كتب يجب إعادة قراءتها كل عام لتجديد طاقة العقل والروح

قد يجادل البعض بأن هذه الظروف المأساوية أمر لا مفر منه. وشرح ذلك بسيط للغاية: البشر متوحشون بطبيعتهم، لأننا جزء من عالم متوحش بطبيعته، ولسوء الحظ، سوف يقع الأطفال ضحايا نتيجة اشتباكاتنا في ظل اختلافاتنا السياسية. ولكن دعونا نركز على أمرين هنا:

أولًا، ليست الاختلافات ما تتسبب في نشوء الصراعات. فكلا الجانبين في أي صراع يتشابهان إلى حد كبير في لغتيهما، ومبرراتهما للعنف، ومواقفهما المتصلبة. فالأطراف المتصارعة لديهم قواسم مشتركة أكثر من المميزات الفردية.

ثانيًا، لا يوجد شيء طبيعي في العنف. فلا أساس لصحة الخرافة التي يُطلق عليها التطور البشري. وحتى إذا تدبرنا ذلك من وجهة نظر أكثر حيوانية، فإن المميز حقًا هو الطرق التي تجعل البشر أقل وحشية مما نتوقع، لا يعني ذلك أن الملايين يعانون ويلات الحروب دون داع. ولكن على المستوى الفردي، وفقًا لتاريخ الحروب كاملةً، وحجم الظلم في العالم كله، يظهر البشر قدرة بارزة في التعايش بسلام خلال حياتهم اليومية، إنما سياساتنا هي التي تفشلنا وتخذلنا.

ما الذي علينا فعله إذًا؟ حسنًا، هناك خيار بسيط بالنسبة لنا نحن البالغين. وهذا الخيار يمكن أن يبدأ بطرح سؤال أساسي: كيف ترون تنظيم داعش، وجميع الفاشيين الذين يخشاهم العالم؟ هل تكرههم أم تحبهم؟

بالنسبة لأولئك الذين لديهم أطفال صغار (أو حتى ليس لديهم) إليكم نصيحة مني: في طريق عودتكم للمنزل الليلة، اذهبوا لمكتبة واقتنوا قصة «أليس في بلاد العجائب» لـ«لويس كارول» وابدؤوا قصّها عليهم قبل وقت نومهم وأحلامهم. أعتقد أن «أليس في بلاد العجائب» أهم ألمع كتاب حول النظريات السياسية قاطبة.

يبدأ الكتاب بأليس تطارد أرنبًا أبيض ليس لديه الوقت لأي شيء، هل هناك استعارة أفضل من تلك لتصف الزمن المعاصر؟! في أرض كارول للعجائب الهراء والعقم هو القاعدة، حيث صار الاستثناء هو العرف. أرض العجائب مليئة بالظلم والإجحاف، أرض حيث استخدام العنف تعسفي والسلطة أحادية غير مأمونة. ولنتدبر قليلًا في الملكة – ملكة القلوب -، هل هناك تصوير كاريكاتوري لدونالد ترامب أفضل من ذلك؟!

لكن أهم ما في تلك القصة المحبوكة ببراعة هي أليس، فهي تتعلم باستمرار أن ترى الأشياء من منظور مختلف. فتلك الفتاة الصغيرة شخص ثوري حقيقي بكل ما تحمله الثورية من معانٍ. فأليس لا تحكم على العالم، بل تُخرِج ما به من سحر. أليس لا تختبئ، بل تقاوم ما لا يطاق بوضوح.

أليس لا تنهر أو تحكم على الغرباء الذين تتعرف إليهم في رحلتها، تتقبل الناس باختلافهم، ولعل الأهم من كل ذلك أنها لا تمتعض ولا تندب، لأنها مسلحة بأعظم الأسلحة ألا وهي قوة الخيال. تعجب لويس كارول ذات مرة قائلًا «هل تعرفون ما هي مشكلة العالم؟ الجميع يريد حلًا سحريًا لمشكلاتهم، في حين يرفض الجميع الاعتقاد في السحر». يمكننا إعادة ترتيب المقولة السابقة، دعونا لا نقدم لأبنائنا العالم على أنه مشؤوم كارثي.

أرض العجائب مليئة بالظلم والإجحاف، أرض حيث استخدام العنف تعسفي والسلطة
أحادية غير مأمونة. ولنتدبر قليلًا في الملكة – ملكة القلوب -، هل هناك تصوير
كاريكاتوري لدونالد ترامب أفضل من ذلك؟!

يقال دائمًا إن الأطفال هم المستقبل، فتلك العبارة تنم عن حقيقة تتطلب المزيد من التبصر السياسي والفلسفي، فعندما يحاصر الأطفال في ويلات العنف، فإن ما يحاصر ويهاجم تحديدًا هنا هو فكرة أن المستقبل ربما يسير في اتجاه مغاير لما هو واقع الآن؛ فكسر عجلة العنف تعني أن نعلمهم عن طبيعة العالم الصعبة كي لا يخافوا، لكن كي يمكنهم الاستمرار في إيجاد أسباب ليؤمنوا به. أو ليرددوا ما قاله غاندي «إن كنا ندرِّس السلام الحقيقي في هذا العالم، وإن كنا نشن حربًا حقيقية ضد الحروب، فعلينا أن نبدأ بأطفالنا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد