حتى بدون سيطرته على أراضٍ واقعيًا إلا أن تنظيم داعش ما يزال قادرًا على تمويل منتجه الرئيسي: العنف السياسي.

يقول الكاتب ديفيد كينر في مستهل مقاله الذي نشره على موقع «ذي أتلانتك» إنه إذا كنت ترغب بتحويل الأموال في بيروت فهناك احتمال كبير أن يتم توجيهك إلى أبو شوكت. يمارس هذا الرجل عمله من مكتب صغير في إحدى ضواحي العاصمة اللبنانية، لكنه لن يخبرك أبدًا عن موقعه الحقيقي، وبدلًا من ذلك يقوم بتوجيهك إلى زقاق قريب، ثم يتخذ قراره بالحضور من عدمه بناءً على شكلك.

ما قصة المقاتلين الأجانب المتطوعين لمحاربة «داعش»؟

يعتبر أبو شوكت -وهذا ليس اسمه الحقيقي- جزءًا من نظام الحوالة، والذي يُستخدم عادةً لتحويل الأموال بين المناطق التي توقفت فيها الأنظمة المصرفية أو يتطلب استخدامها تكلفة كبيرة. إذا وافق أبو شوكت على التعامل معك فسيعطيك كلمة مرور ويأخذ منك أموالك، ثم يزودك بمعلومات التواصل مع وكيل الحوالة في المدينة التي أرسلت إليها أموالك. بإمكان أي شخص الحصول على المال من الوكيل من خلال تقديم كلمة المرور له. بهذا الشكل يمكن أن تنتقل الأموال عبر الحدود بين الدول دون أي تحقق حول من يرسلها أو من يستلمها أو الغرض من تحويلها.

في حالة سوريا المجاورة قامت المشاريع الممولة من الولايات المتحدة وبريطانيا بإرسال ملايين الدولارات إلى البلاد باستخدام نظام الحوالة، كما تستخدمه المنظمات الإنسانية لدفع أجور موظفيها، ويعتمد عليه كذلك السوريون الذين يعملون في الخارج لإرسال الأموال لأقاربهم الفقراء.

لكن أعمال أبو شوكت تعتبر لا شيء مقارنة بتنظيم داعش الذي يعتبر أحد عمالقة هذا المجال والذي يعتقد المحللون أنه يمتلك شبكة من الشركات والخدمات المالية تقوم بتحويل ملايين الدولارات أسبوعيًا.

إمبراطورية مالية تقدّر بالملايين

على الرغم من أن القوات المدعومة من الولايات المتحدة قد انتزعت من تنظيم داعش آخر المناطق التي يسيطر عليها في سوريا إلا أن الولايات المتحدة وحلفاءها لم يقتربوا حتى من إسقاط الإمبراطورية الاقتصادية للتنظيم الإرهابي. لا يزال التنظيم يُشكل مركز قوة مالي: فهو ما يزال قادرًا على الوصول إلى مئات ملايين الدولارات وفقًا لتقديرات الخبراء، ويمكنه الاعتماد على قواعد اللعبة التي أجادها للحفاظ على تدفق الأموال إلى خزائنه.

هذه الثروة المستمرة لها مخاطر حقيقية، فهي تهدد بالمساعدة في الحفاظ على ولاء الجزء الرئيسي من المخلصين للتنظيم ونشر الخراب من خلال الهجمات الإرهابية لسنوات قادمة.

تمنحنا القوة المالية للدولة الإسلامية نظرة على التحدي الأوسع الذي يواجه الولايات المتحدة والحكومات الأخرى. لقد اضطرت واشنطن -في جهودها للضغط على التنظيم ماليًا- إلى الاعتماد على استراتيجية تختلف اختلافًا جذريًا عن تلك التي استخدمتها في حملاتها العسكرية: الأسلحة الرئيسية لهذه الاستراتيجية ليست الضربات الجوية والقصف المدفعي، بل أدوات أكثر نعومة مثل فرض العقوبات على الشركات المرتبطة بتنظيم داعش وحرمانها من التعامل مع النظام المالي الدولي، والتعاون بشكل هادئ مع الحكومات في جميع أنحاء العالم لتحقيق ذلك. سوف تكون نجاحات هذه الاستراتيجية غير واضحة، وقد تستغرق الحملة ضد التنظيم سنوات، كما أنه لا يوجد ما يضمن تحقيق النصر.

تمثل نهاية أيام تنظيم داعش في السيطرة على الأراضي وحكمها سلاحًا ذا حدين للمسؤولين الذين يتطلعون إلى تجريده التنظيم من موارده. فمن جانب حرمت هزائم التنظيم الكبيرة داعش من الاعتماد على مصدرين أساسيين للدخل: استغلال حقول النفط في العراق وسوريا وجمع الضرائب من المواطنين الذين يعيشون تحت حكمه. لعب هذان المصدران دورًا رئيسيًا في حصول تنظيم داعش على حوالي مليون دولار يوميًا -كما أخبر مسؤول أمني عراقي رفيع المستوى الكاتب ورفض الكشف عن هويته- وتحويل الجماعة إلى أغنى تنظيم إرهابي في العالم.

إعادة تنظيم الثروات بعد انهيار «الخلافة»

على الجانب الآخر فإن فقدان تنظيم داعش للأراضي أدى إلى تحريره من التكاليف المرتبطة بمحاولة بناء «الخلافة» التي أعلن عنها، مما يسمح له بالتركيز حصرًا على أنشطته الإرهابية كما علّق الكاتب. تحدث أحد المسؤولين بوزارة الخزانة الأمريكية شريطة عدم الكشف عن هويته عن أن التنظيم أصبح يعمل بشكل متزايد بأسلوب سلفه تنظيم القاعدة في العراق، ولم يعد يحتاج إلى نفس الموارد التي كان يحتاجها أثناء سيطرته على الأراضي. كذلك ما يزال التنظيم يجني عائدات من النفط أيضًا: بينما لم يعد تنظيم داعش يسيطر فعليًا على حقول نفطية إلا أن مسؤول وزارة الخزانة أضاف أن أحد المصادر الرئيسية لدخل التنظيم يتمثل في الاستيلاء على إمدادات خطوط نقل النفط في جميع أنحاء المنطقة.

كذلك بحسب المقال ما يزال التنظيم يمتلك الثروة الهائلة التي كونها خلال ذروة قوته. فقد قال هوارد شاتس وهو اقتصادي كبير في مؤسسة راند وشارك في العديد من الدراسات حول الشؤون المالية لتنظيم داعش قال: «ما نعرفه هو أنهم جمعوا مبالغ كبيرة من الأموال وغيرها من الأصول، ولا نعرف أين ذهب كل ذلك».

يبدو أن بعض هذه الأموال قد تم استثمارها في مشاريع تجارية شرعية. فقد كشفت سلسلة من المداهمات في شهر أكتوبر الماضي على شركات ذات علاقة بتنظيم داعش في مدينة أربيل العراقية كشفت عن معاملات ورقية تُشير إلى أن التنظيم قد استثمر في كل شيء من العقارات إلى وكالات بيع السيارات. وغالبًا ما تتم إدارة هذه الأعمال من قبل وسطاء يقيمون شراكات مع التنظيم ليس بدافع التعاطف الأيديولوجي بل من أجل الربح، وهم يقومون بتحويل إيرادات هذه الأعمال إلى تنظيم داعش عندما يُطلب منهم ذلك.

أخبر المسؤول الأمني العراقي رفيع المستوى الكاتب أن الجزء الأكبر من أصول تنظيم داعش تم نقلها إلى تركيا على الرغم من أن وزارة الخزانة قد فرضت عقوبات على شركات الخدمات المالية في سوريا والعراق، والتي لديها علاقات تصل إلى أماكن بعيدة مثل منطقة البحر الكاريبي. يُقال إن بعض هذه الأموال يُحتفظ بها نقدًا من قبل أفراد في تركيا، بينما تم استثمار جزء منها في الذهب.

هناك سابقة لغض أنقرة الطرف عن نشاط التنظيم الإرهابي على أراضيها: فقد اعتادت الجماعة على جني ملايين الدولارات من خلال بيع النفط المُهرب إلى مشترين أتراك. كما استهدفت مداهمات أكتوبر (تشرين الأول) في أربيل الشبكة المالية التي أنشأها فواز محمد جبير الراوي، أحد قادة تنظيم داعش الذي تزعم وزارة الخزانة الأمريكية أنه امتلك وأدار شركات خدمات مالية مقرها سوريا لتبادل الأموال مع تركيا. إلا أن الحكومة التركية تنفي باستمرار توفيرها ملاذًا آمنًا لأفراد تنظيم داعش أو أصوله.

هل يتحالف داعش مع رجال أعمال في المنطقة؟

كما تمثل الدولتان اللتان مزقتهما الحروب -سوريا والعراق- فرصًا واسعة لتنظيم داعش لإحياء التكتيكات التي مولت سلفه تنظيم القاعدة. فمن عام 2008 إلى عام 2012 عندما كان تنظيم القاعدة في العراق يُدار من تحت الأرض كان يعمل مثل المافيا: فقد قام بالحصول على عقود البناء، خاصة في مدينة الموصل شمال العراق، بالإضافة لسرقة البضائع بغرض إعادة بيعها، وخطف أفراد من العائلات الثرية للحصول على فدية مقابل إطلاق سراحهم.

وعلى الرغم من الظروف الصعبة كان تنظيم القاعدة يسجل إيرادات شهرية تبلغ حوالي مليون دولار في محافظة نينوى وحدها والتي تعتبر الموصل عاصمة لها، وهذا في أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009.

أما اليوم فهناك الكثير من العوامل التي تعمل لصالح تنظيم داعش. إن تدمير مناطق شمال العراق التي كانت ذات يوم تحت سيطرة التنظيم يستلزم جهود إعادة إعمار ضخمة. ففي مؤتمر عُقد العام الماضي تعهدت الدول بدفع مبلغ 30 مليار دولار لإعادة بناء المنطقة، وهو رقم أقل بكثير مما قالت الحكومة العراقية إنها بحاجة إليه.

إلا أن ضخ تلك الكمية الضخمة من الأموال يمنح تنظيم داعش فرصة أكبر للاستفادة من الفساد. تظهر وثائق تم رفع السرية عنها أن كبار السياسيين العراقيين والأكراد والأتراك قد تعاملوا مع القاعدة في العراق عام 2009؛ ومن المرجح أن يكون الإشراف على إنفاق الأموال أسوأ الآن بالنظر إلى حجم المبالغ المالية وضخامة المهمة. كذلك يحتفظ تنظيم داعش بسجلات دقيقة لما يقرب من 7 ملايين إلى 8 ملايين شخص كانوا يعيشون تحت حكمه في ذروة قوته، وإذا بقيت تلك السجلات بحوزة التنظيم فمن الممكن أن يتم استخدامها لابتزاز العراقيين والسوريين.

قال هوارد شاتس للكاتب: «إذا كنت تعيش في أراضي داعش فإنهم يعرفون مكان إقامتك ومقدار المال الذي تجنيه، ويعرفون طبيعة عملك. من الممكن مثلًا أن يذهب أشخاص من التنظيم إلى رجل أعمال ليقولوا له «يجب أن تفتخر بابنك. سيكون من المؤسف أن يحدث له أي مكروه».

وهل يمكن فعلًا القضاء على هذه الشبكات؟

مثل أي تكتل شركات ذكي متعدد الجنسيات قام تنظيم داعش بتنويع مصادر دخله. حتى إذا تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من القضاء على أعمال الخطف لطلب الفدية التي يقوم بها التنظيم على سبيل المثال فمن الممكن أن يلجأ إلى شركاته التجارية وأساليب الابتزاز.

الوضع ليس ميئوسًا منه؛ لقد وجهت الولايات المتحدة بالفعل ضربات للشؤون المالية لتنظيم داعش من خلال استهداف شبكته النفطية، كما أن السجلات الدقيقة التي يحوزها التنظيم يُمكن أن تستخدم ضده: فبمجرد الحصول عليها ستقدم معلومات تفصيلية عن أفراد التنظيم ومصادر دخله. لكن لا يوجد سبيل فوري لتحقيق ذلك في الوقت الحالي.

تتمثل ميزة أبو شوكت في السوق أنه يستطيع إرسال الأموال إلى المناطق التي تدمرت فيها المؤسسات المالية الرسمية. يعتمد نموذج أعمال تنظيم داعش على عوامل مماثلة لكن على نطاق أوسع جدًا. يهدف التنظيم إلى استغلال انهيار الدولة كوسيلة لتمويل منتجه الرئيسي: العنف السياسي. ثم يؤدي هذا العنف إلى إضعاف الدولة بشكل أكبر، مما يخلق المزيد من الفرص المالية للتنظيم الإرهابي.

يختم الكاتب قائلا إنّ النصر العسكري ضد تنظيم داعش مدعاة للاحتفال، لكنه يسمح أيضًا للتنظيم بالعودة إلى استراتيجية اقتصادية استفاد منها لسنوات. لذلك لا تتوقع انهيار التنظيم تمامًا في وقت قريب.

«ديلي بيست»: «عملنا على تطوير أسلحة بيولوجية»! مقابلة مع خبير كيميائي في «داعش»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد