تحمل فكرة مائدة العشاء المتكاملة قيمةً رمزيةً كبيرةً بالنسبة للولايات المتحدة، بدايةً من أول عيد الشكر. إذ أسهمت الموارد الطبيعية الوفيرة في البلاد وأراضيها الخصبة الشاسعة في تدعيم اقتصادٍ زراعيٍ استمر لعقودٍ بعد أن شهدت أوروبا ثورتها الصناعية. وبالنسبة لشعبٍ يتألَّف أسطوريًا من صغار المُزارعين والفلاحين، كانت المآدب هي الرمز المثالي لرخاء البلاد، والدلالة على أنَّ الولايات المتحدة تُؤدِّي أعمالها بأفضل طريقةٍ ممكنة.

وقال فرانك روتا، الطاهي التنفيذي المساعد بالبيت الأبيض سابقًا، إنَّ مأدبة العشاء الأمريكية هي «إعلانٌ رسميٌ عن احتفائنا بحقيقة اعترافنا برئيس الدولة وترحيبنا به/بها في عرضٍ من الضيافة المدنية؛ إذ يُعَدُّ الضيف بمثابة ضيف شرف الولايات المتحدة لتلك الليلة».

«البوليميا».. عندما يفقد الإنسان السيطرة على علاقته بالطعام

لذا أعدَّت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تقريرًا عن مآدب عشاء عددٍ من رؤساء الولايات المتحدة، والتغيير الذي أدخلوه على مطبخ البيت الأبيض.

ذكر التقرير أنَّ قوائم الطعام في مآدب عشاء البيت الأبيض تُظهر حجم التغيُّر الذي طرأ على الذوق الأمريكي بمرور الوقت، وبالتالي، الصورة التي تُقدِّمها البلاد للعالم. ساعدت الخيارات المُقدَّمة داخل المآدب الوطنية، بدايةً من المُقبِّلات ووصولًا إلى الترفيه، على تشكيل الطريقة التي ينظر بها الزعماء إلى الولايات المتحدة، مثل ملك هاواي ونيكيتا خروتشوف، رئيس الوزراء السوفيتي الأسبق.

وأوردت المجلة الأمريكية بعض الأصناف التي تضمَّنتها قائمة الطعام حين استضاف الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ملك بريطانيا جورج السادس، في مأدبة عشاءٍ أُقيمت بالبيت الأبيض عام 1939. كان منها الجبن المُجمَّد مع سلطة الجرجير، وحساء رأس العجل، وسلحفاة مع أعواد خبز الذرة. وقد تبدو هذه الأصناف مأكولاتٍ تدفع بالمعدة إلى التوعُّك اليوم، لكنَّ قابليتها بالنسبة لأمريكي يعيش عام 1939 ربما تُشبه قابلية الجاتوه المصنوع من جبن الماعز (تشيزكيك) ومربى الطماطم الذي قدمه دونالد ترامب في مأدبة العشاء التي أقامها عام 2018.

مأدبة العشاء هي آليةٌ دبلوماسيةٌ مُزدوجة الأوجه، بحسب المجلة. إذ إن المآدب تُكرَّس لضيف الشرف، حيث يُشعِرُ الرئيس وذويه ضيوفهم، الذين يكونون رؤساء دولٍ عادةً، بالترحاب والجاهزية للتأكيد على علاقتهم بالرجل الأول في الولايات المتحدة، لكنها تُعبِّر أيضًا عن أذواق الولايات المتحدة وقادتها.

مأدبة عشاء في عهد الرئيس السابق جون ف. كينيدي

وبعبارةٍ أخرى، لا يُفتَرَضُ أن يكون جاتوه جبن الماعز شهيًا فقط، بل إنه يُقدِّم للعالم ما تعتبره الولايات المتحدة شهيًا في عام 2018، بحسب ما تراه إدارة ترامب. لكنَّ المجلة أفادت أن الأمر ليس شخصيًا بالكامل. لأنَّه لو كان الأمر خاضعًا لذوق ترامب، كانت قائمة طعام مأدبة العشاء ستُقدِّم للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عددًا من شطائر الهامبرجر من ماكدونالدز وبرجر كينج ووينديز، مع قطعة من كعكة الشوكولاتة اللذيذة، حين استضافه البيت الأبيض في أبريل (نيسان) عام 2018.

لكنَّ ترامب (أو ميلانيا ترامب لنكون أكثر دقة، إذ تُخطِّط السيدة الأولى عادة قوائم طعام مأدبة العشاء بالتعاون مع رئيس الموظفين والشيف التنفيذي ومُرشِد النبيذ) قدَّم أطباقًا مثل الجاتوه وأضلاع الضأن المشوية مع صلصة البصل المحروق وسلطة الخس المُلوَّن، ومثلجات القشطة الرائبة ضمن الحلويات، بدلًا عن أطباقه المُفضَّلة، وترى المجلة في ذلك دليلًا على أنَّ الرئيس الذي لا يُفضِّل الدبلوماسية يُدرِكُ أهمية الرسالة الضمنية على مائدة الطعام.

ذكرت المجلة الأمريكية أنَّ تفسير كل رئيسٍ لقائمة طعام مأدبة العشاء يختلف عن الآخر؛ إذ يتشكَّل حسب عصره ورؤيته لموقع الولايات المتحدة وسط العالم. ويجب أن تُجيب قائمة الطعام عن الأسئلة التالية: هل من الأفضل أن يُقدَّم طعام من مطبخ دولة ضيف الشرف، أم الأفضل أن يُعبِّر الطعام عن الذوق العالمي؟ ما هو أفضل نوع نبيذ؟ هل تُعَدُّ حلوى السلطعون الهلامية خيارًا مُناسبًا؟ وكانت إجابة الرئيس ليندون جونسون وجورج بوش الأب على السؤال الأخير هي نعم، وفي أكثر من مناسبةٍ بحسب ما أوردته المجلة.

مأدبة عشاء في عهد الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان

جمعت مجلة «فورين بوليسي» قوائم طعام مآدب عشاء البيت الأبيض التي تعود إلى 86 عامًا مضت. وتطلَّب الحصول على هذه القوائم أبحاثًا مُكثَّفةً داخل المكتبات الرئاسية وإدارة الأرشيف والوثائق الوطنية ومكتبة الكونجرس، وطلبين بمُوجب قانون حرية تداول المعلومات (للرئيسين رونالد ريجان، وجورج بوش الابن).

بدأ التقرير مع الرئيس فرانكلين روزفلت، لأنَّه كان أول رئيسٍ يُقيم أكثر من مأدبة عشاءٍ على شرف رؤساء الدول. ومن أجل فهمٍ أوسع لطبيعة رحلات البيت الأبيض المطبخية، أُدرِجَت بعض قوائم العشاء التي لم تُقدَّم ضمن «مآدب عشاءٍ رسمية» (إذ يجب أن تُقام المآدب الرسمية خلال الزيارات الرسمية)؛ لأنَّ الضيوف لم يكونوا فيها في زياراتٍ رسمية، لكنَّ وسائل الإعلام أشارت إليها بأنَّها مآدب عشاءٍ رسميةٍ، وحُضِّرَت بنفس الطريقة.

اختار «ساسة بوست» لكم ستة رؤساء من القائمة:

6- فرانكلين روزفلت

4 مارس (آذار) 1933 – 12 أبريل (نيسان) 1945

26 مأدبة عشاء

ذكر التقرير أنَّ عائلة روزفلت كانت من الطبقة الأرستقراطية الأمريكية، لكنَّ روح برامج ومشروعات «الصفقة الجديدة» الراديكالية أدَّت دورًا كبيرًا حين تعلَّق الأمر بمائدة الطعام. إذ كان فرانكلين وإليانور روزفلت، وخاصةً إليانور، يرغبان في إعادة بناء الوظائف الاجتماعية داخل البيت الأبيض بصورةٍ أكثر إفادةً وتقدُّمية.

الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت

كانت مآدب عشاء روزفلت بعيدةً كل البعد عن المتعارف عليه اليوم، بحسب التقرير. ويتبيَّن بالنظر إلى قوائم الطعام أنَّ مآدب العشاء في الثلاثينات تخلَّت عن الفاكهة، لكنها حافظت على بقية الأطباق المُتعارف عليها (وتخلَّت عن طبق المأكولات البحرية بعد عام 1942). ولا يُعرَفُ الكثير عن المشروبات التي اعتادوا تناولها؛ لأنَّها نادرًا ما تُدرَج في قائمة الطعام، ولا تُذكر سوى بأوصافٍ عامةٍ مثل «النبيذ الأبيض» أو «نبيذ شيري»، رغم استخدام وصف «خمر الويسكي» في حالة مأدبة عشاء فولجينسيو باتيستا، رئيس كوبا الأسبق، في ديسمبر (كانون الأول) عام 1942.

يرى التقرير أن الطعام المُقدَّم آنذاك كان مُتواضعًا عند مقارنته بما قدَّمه الرؤساء السابقون. إذ أنَّ الولائم الفاخرة لم تكن تتلاءم مع بلدٍ يعيش فترة الكساد الكبير، وربما بدت أشبه بخيانةٍ كبرى إبان حالة التقشف التي عايشتها الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية. (وعلى الجانب الآخر، لم يقف ذلك عائقًا في وجه ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني، الذي وصلت ديونه لصالح تاجر النبيذ إلى ما يُعادل 75 ألف دولارًا اليوم).

وآمنت إليانور روزفلت بأهمية أن يُقدِّم الطعام الفائدة الغذائية المرجوة منه بأقل سعرٍ مُمكن، وهي الرسالة التي بعثت بها ضمنيًا إلى ربات المنازل في أمريكا حين قدَّمت وصفاتٍ مثل طاجن السباجيتي المهروس وحلوى كريمة الخوخ. ومن هنا توافق الإفراط في مآدب عشاء الدجاج والديك الرومي المطهو ببساطةٍ مع التشكيلة العجيبة لأطباق الخضار، الفاصولياء، واللفت السويدي، وأي خضارٍ مُنخَفِض السعر في متاجر الجيش.

5- جون ف. كينيدي

20 يناير (كانون الثاني) 1961 – 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1963

14 مأدبة عشاء

أفاد تقرير «فورين بوليسي» أنَّ عائلة كينيدي قدَّمت رقيًا وأناقةً غير مسبوقةٍ في مآدب عشاء البيت الأبيض. إذ أعادت جاكلين كينيدي هيكلة موظفي البيت الأبيض، واستحدثت منصب الطاهي التنفيذي لتجهيز مآدب العشاء. وانتهت بذلك أيام إدارة أصدقاء العائلة والعسكريين لمطبخ البيت الأبيض.

ويقول المؤرخ ويليام سيل: «زعم البيت الأبيض لفترة طويلةٍ بأنَّه يتمتَّع بأطباقٍ فرنسية. لكن الفضل في ذلك يعود فعليًا إلى عائلة كينيدي». لدرجة أنَّ قوائم طعام عائلة كينيدي كانت مكتوبةً باللغة الفرنسية، رغم أنَّها كانت «فرنسيةً إنجليزيةً» في واقع الأمر، إذ احتوت على أطباقٍ تحمل أسماءً مثل «لحم خاصرة البقرة المشوي مع الخضار (Roast Sirloin Vert Pre)».

الرئيس الأمريكي السابق جون ف. كينيدي

ويرى التقرير أنَّ عائلة كينيدي أثبتت أن المأكولات الفرنسية لا تُناسب جميع الأثرياء. إذ يُعَدُّ كينيدي واحدًا من أصل رئيسين فقط قدَّما البطاطا المقلية في صورة طبقٍ جانبي. وأُشير إليه في قائمة الطعام باسم «ويفر البطاطس (Potatoes Gaufrettes)».

كان كينيدي رئيسًا دوليًا بحسب التقرير؛ إذ أنشأ هيئة السلام وجعل السفر من الأدوار الرئاسية الدائمة بعد أن أجرى ثمانية زياراتٍ رسميةٍ خلال فترة رئاسته التي استمرت لأقل من ثلاث سنوات، وهو رقمٌ يُعادل ثلاثة أضعاف الزيارات التي أجراها الرئيس أيزنهاور.

واعتاد إرسال تلميحاته إلى الدول الأخرى عبر أطباق الحلويات، رغم دبلوماسيته الثقافية، باستخدام حلوى الستينيات العصرية التي تُعرف باسم «القنبلة (bombe)». إذ قدَّم حلوى «قنبلة الدوقة العظمى المُثلَّجة (Bombe Glacée Grand Duchesse)» في مأدبة عشاء الدوقة العظمى للوكسمبورج بأبريل (نيسان) عام 1963. ولكن لا يُوجد دليلٌ على تقديمه حلوى «البرلينية Berliners»، وهو مصطلحٌ عاميٌ لكعك دونات الجيلي الألماني.

وذكر التقرير أنَّ النبيذ كان يأتي من فرنسا في المقام الأول، لكن كينيدي كان أول رئيسٍ يُقدِّم لضيوف مأدبة العشاء نبيذًا أمريكي الصنع، يحمل اسم «نبيذ المعادن الأحمر»، حين قدَّمه للرئيس البيروفي مانويل برادو، في 19 سبتمبر (أيلول) عام 1961. وهو أيضًا أول رئيسٍ يُقدِّم نبيذ «شاردوناي» الذي حلَّ محل «نبيذ شيري» ليكون نبيذ الطبق الأول، بالإضافة إلى النبيذ الأبيض المُعتاد.

وأضافت المجلة أنَّه كان من المُفترض أن تُقام مأدبة عشاءٍ على شرف لودفيج إيرهارت، مستشار ألمانيا الغربية سابقًا، في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1963، وتضُمُّ قائمتها سمك موسى المقلي على طريقة بوسطن ولحم الخاصرة المشوي على الطريقة الفرنسية، والسبانخ بالكريمة والموس بجبن الروكفورت، والقنبلة المُثلَّجة مع البيتي فور في طبق الحلويات. لكنَّ مأدبة العشاء أُلغِيَت إثر اغتيال كينيدي في 22 نوفمبر.

4- بيل كلينتون

20 يناير 1993 – 20 يناير 2001

32 مأدبة عشاء

ظهرت فجوة الأجيال بين جورج بوش الأب وبيل كلينتون في الفارق بين مآدب العشاء التي أُقيمت لرؤساء المكسيك، بحسب التقرير. فحين استضاف بوش الأب الرئيس كارلوس ساليناس دي جورتاري في أكتوبر عام 1989، ضمَّت قائمة الطعام لحم العجول المشوي المحشو، وبطاطس المركيز، والسبانخ باللحم المفروم، وسلطة الجرجير، والهندباء البلجيكية.

أما بالنسبة لمأدبة عشاء الرئيس إرنستو زيديلو، التي أُقيمت بعد ست سنوات، فتناول الضيوف صدور طائر الحجل المُتبَّلة وخبز الكمثرى المحمص، مع بذور الخشخاش والبلوط المطحون، مع صلصة الفلفل الحار المدخن وسلطة الخضروات الخريفية، وقوالب الذرة الحلوة مع مثلجات التيكيلا بصوص الليمون.

الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وزوجته هيلاري كلينتون

وأفاد التقرير أنَّه على غرار العديد من قوائم الطعام الانتقالية، بعثت قوائم مآدب عشاء كلينتون برسالةٍ سياسيةٍ فحواها أنَّ الطعام الأمريكي مُتنوِّع وصحي، وفي نفس مستوى أي مطبخٍ عالميٍ آخر، مثل المطبخ الفرنسي.

جاء التركيز على «الفوائد الصحية» نتيجة ازدهار الحميات الغذائية منخفضة الدهون في التسعينيات، بحسب التقرير، لذا ركَّزت هيلاري كلينتون على الوجبات «منخفضة الدهون»؛ لأن بيل كلينتون كان معروفًا بهوسه بوجبات ماكدونالدز والانشيلادا. ولم تُقدَّم لحوم البقر سوى مرتين خلال 32 مأدبة عشاءٍ أقامتها عائلة كلينتون. وشهد العشاء الرسمي الذي أُقيم لكيم يونج سام، رئيس كوريا الجنوبية، عام 1993 تقديم مثلجات اللوز، الذي وصلت نسبة الحليب فيه إلى 2% فقط لتقليل نسبة الدهون.

ويرى عشاق الطعام والحسابات السياسية أنَّ عائلة كلينتون دفعت مآدب العشاء إلى مستويات جديدةٍ يُستقى خلالها الإلهام من بلد الضيف، مع التعبير في الوقت ذاته عن مواطن قوة المطبخ الأمريكي، كما يظهر في مأدبة عشاء زيديلو عام 1995 بحسب التقرير.

وربما بدت فكرة قوالب الذرة الحلوة مع مثلجات التيكيلا غريبةً بعض الشيء، لكنَّ الوقت كان مناسبًا للتغيير. وكان جيل طفرة المواليد، الذي حظي أخيرًا بفرصة وصول رجلٍ من أبنائه إلى مقعد الرئاسة، أول جيلٍ يبلغ سن الرشد إبان فترة مثالية الهيبيز في الستينيات، وإثر إلغاء جونسون لقانون تحديد الهجرة عام 1965. وأكَّد هذا القرار التاريخي، بالإضافة إلى الإصلاحات التي أدخلها ريجان على نظام الهجرة عام 1986، على أنَّ التركيبة السكانية والذوق العام للبلاد يتغيُّر تدريجيًا ليُصبح أكثر تنوُّعًا من أي وقتٍ مضى.

وكتبت كيث بوتسفورد لصحيفة «الإندبندنت» البريطانية عام 1994: «وصلت عائلة كلينتون إلى الحكم، باختيار الأقلية، لتُقدِّم التغيير الذي تحدَّثت عنه. لذا يجب أن تتغيَّر طبيعة المطبخ الأمريكي بالتبعية. وسيشهد البيت الأبيض بأم عينيه.. أن عائلة كلينتون ربما تُحدِّد أخيرًا تعريف المطبخ الأمريكي. أو نوعية الأطباق الأمريكية التي تُعبِّر بشكلٍ أوضح عن الهوية الأمريكية. وهذا ليس إنجازًا بسيطًا».

3- جورج بوش الابن

20 يناير 2001 – 20 يناير 2009

13 مأدبة عشاء

لم يهوَ جورج بوش الابن استضافة مآدب العشاء الضخمة، إذ كان يُفضِّل الخلود إلى النوم مُبكِّرًا، والتجمُّعات الأكثر حميميةً مثل استضافة رؤساء الدول داخل مزرعته في كراوفورد بولاية تكساس. ويرى تقرير «فورين بوليسي» أنَّ ذوقه في الطعام كان مُثيرًا للجدل بقدر فكرة وجود أسلحة دمارٍ شاملٍ في العراق، إذ كان يُصِرُّ مثلًا على طهي النقانق داخل البيت الأبيض بالبخار وعدم شيِّها أبدًا، بحسب مذكرات والتر شيب، الذي شغل منصب الطاهي التنفيذي آنذاك.

ولم يكن يتناول الخمر، بفضل مشاكله مع الكحول في شبابه؛ مما يعني أنَّ وسيلة كسر الجمود الاجتماعي التي ساعدت الرؤساء الآخرين على تحمُّل الفعاليات الرسمية كانت مفقودة، ويرى التقرير أن هذا هو سبب إقامته لـ13 مأدبة عشاءٍ فقط.

الرئيس الأمريكي السابق جورش بوش في زيارة لأفريقيا عام 2008

وذكر التقرير أنَّ بوش الابن أعاد أكثر أنواع اللحوم تعبيرًا عن الهوية الأمريكية إلى مائدة مآدب العشاء في مناسبتين. إذ قدَّم لحم الثور الأمريكي من ولاية كولورادو (الولاية التي صوَّتت لبوش في الانتخابات الرئاسية مرتين) للرئيس المكسيكي فيسينتي فوكس، خلال أول مأدبة عشاءٍ يُقيمها جورج بوش الابن في الخامس من سبتمبر عام 2001.

واكتسبت لحوم الثيران الأمريكية (البيسون) شهرةً واسعةً في الألفية الثالثة بفضل زيادة أعدادها وفوائدها الصحية المزعومة مقارنةً بلحوم البقر (لنحافتها وقلِّة مضاداتها الحيوية)، وهي الفكرة التي روَّج لها رجل الأعمال تيد تيرنر.

وكان بوش الابن آخر رئيسٍ يستضيف الملكة إليزابيث، أقدم زعماء دول العالم بحسب تقرير المجلة الأمريكية. (إذ تسبَّب تقدُّمها في العمر إلى انخفاض عدد رحلاتها الخارجية خلال العقد الماضي، رغم استضافتها لأوباما وترامب في المملكة المتحدة).

وخلال مأدبة العشاء التي أُقيمت على شرفها في 7 مايو (أيار)، تناولت الملكة سمك الموسى باللوز على طريقة دوفر، وشرائح لحم الضأن بصلصة فطر الشانتريل، وبسكوت البيزيل بالثوم المُعمَّر مع الكافيار الأمريكي، والخرشوف المشوي وفلفل بيكولو والزيتون وحساء البازلاء مع أوراق اللافندر (الخزامى) السرخسي، والجرجير وصلصة خردل سافانا وسلطة الخس والنعناع بمرقة الشمبانيا. وقُدِّمت لها الحلوى التي تحمل اسم «براعم الورود Rose Blossoms»، وهي عبارةٌ عن أزهارٍ خالية من السكر ومُحاطةٌ بكعكاتٍ بيضاء صغيرة.

2- باراك أوباما

20 يناير 2009 – 20 يناير 2017

13 مأدبة عشاء

يرى تقرير «فورين بوليسي» أن مآدب عشاء باراك وميشيل أوباما عبَّرت عن فوضى وكثافة المعلومات في العقد الثاني من الألفية الثالثة. ويُعَدُّ كلاهما من عُشَّاق الطعام الذين اعتادوا التردُّد بكثرةٍ على مطاعم شيكاجو وواشنطن، وتميَّزوا بجرأةٍ في تغيير صيغة مآدب العشاء، على غرار عددٍ قليلٍ من الرؤساء والسيدات الأوليات. وبعكس الإدارات السابقة، اختلفت مآدب عشائهم عن بعضها تمامًا، إذ تميَّز كلٌ منها بنمطٍ مُغاير.

وذكر التقرير أنَّ الطاهية التنفيذية كريستيتا كوميرفورد ابتكرت تكريمًا متنوع الأطباق من المطبخ النوردي الجديد بلمسةٍ أمريكية خلال مأدبة العشاء التي أُقيمت في 13 مايو عام 2016 على شرف النرويج وفنلندا والسويد والدنمارك وأيسلندا. وضمَّت قائمة الطعام الدجاج والوافل وترتار لحم الغزلان وصلصة خل الكمأة على نفس المائدة. ولأنَّ النوردية الجديدة تركز على المُكوِّنات محلية الصُنع؛ تكوَّنت قطع الكانابي من الفجل الصغير المغروز على قطعٍ خشبيةٍ مُستخرجةٍ من شجرةٍ في فناء البيت الأبيض.

الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في زيارة للصين عام 2009

وأفاد التقرير أن عائلة أوباما غيَّرت طهاتها باستمرار – وهي الخطوة غير المسبوقة في تاريخ البيت الأبيض؛ إذ عُيِّن ريك بيليس، طاهي شيكاجو الذي يعمل لدى عددٍ من المطاعم المكسيكية، لتحضير مأدبة عشاءٍ على شرف الرئيس المكسيكي فيليبي كالديرون في 19 مايو عام 2010.

وتناول كالديرون سيبيتشي الأعشاب الخضراء بسمك القيصانة من هاواي، ولحم بقر الواجيو من ولاية أوريجون الأمريكية داخل لحم الخُلد الأسود من واهاكا المكسيكية، وتامالون الفاصوليا السوداء، والفاصوليا الخضراء المشوية، ورقائق السمسم بالكزبرة، وسلطة الهيكاما (لوبيا بصلية الشكل) مع البرتقال، والجريب فروت، وصلصة الأناناس والليمون المُخلَّل.

وشملت الحلويات كلًا من التارت بصوص كاجيتا الشوكولاتة، وحلوى الخطمي (المارشميلو) المشوية المصنوعة في المنزل، وفتة رقائق جراهام، ومثلجات جبن الماعز. ولم تتواجد أيٌ من هذه الأطباق مُسبقًا على أي قائمة طعام مأدبة عشاءٍ في السابق.

وأورد التقرير أنَّ وجه التشابه الوحيد بين مآدب عشاء عائلة أوباما هو استخدامها لحديقة مطبخ البيت الأبيض. إذ ظهرت محاصيل الحديقة في أكثر من مناسبةٍ داخل سلطات مآدب العشاء، ومن بينها سلطة حديقة البيت الأبيض المُقطَّعة مع سُكَّر عسل البيت الأبيض، التي قُدِّمَت للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في 7 يونيو (حزيران) عام 2011.

ولم تتوافق أطباقٌ مثل لحم الضأن المشوي مع الحليب المقلي بالثوم الذي تناوله الرئيس الصيني شي جين بينج عام 2015 مع حملة ميشيل أوباما المُناهضة للسمنة في مرحلة الطفولة، لكن البيت الأبيض واصل تركيزه على المُكوِّنات الطازجة محلية الصنع.

وكانت أنواع النبيذ المختارة متنوعةً بقدر الطعام، وفقًا لما أورده تقرير المجلة الأمريكية. وكثيرًا ما قُدِّمَت أنواع نبيذٍ تتوافق مع دولة ضيف الشرف. إذ قُدِّم نبيذٌ صينيٌ للمرة الأولى خلال مأدبة عشاء الرئيس الصيني في 25 سبتمبر عام 2015، حين تناول «نبيذ شاوكسينج»، وهو نبيذٌ صينيٌ مصنوعٌ من الأرز.

ولا ترى «فورين بوليسي» عجبًا في أنَّ مجلة «تايم» الأمريكية لقَّبت أوباما بـ«رئيس المطبخ الأمريكي». لكنَّه لم يستضف سوى 13 مأدبة عشاءٍ فقط خلال ثمانية سنواتٍ قضاها في الرئاسة، على غرار سلفه.

1- دونالد ترامب

20 يناير عام 2017 – حتى الآن

مأدبة عشاءٍ واحدة

أتت قائمة الطعام التي قدَّمها ترامب على خلاف ما توقَّعته المجلة الأمريكية من رئيسٍ وصفته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية بأنَّه «رئيس المأكولات السريعة في البلاد». إذ تضمَّنت القائمة أطباقًا أرقى مما قدَّمه للرئيس الصيني على العشاء داخل منتجع «مار آلاجو» الخاص به مثلًا في السادس من أبريل عام 2017.

شملت قائمة المأدبة شرائح اللحم البقري النيويوركي المجفف والمعتق من الدرجة الأولى، وسلطة سيزر، وكعك الشوكولاتة مع صوص الفانيليا ومثلجات الشوكولاته الداكنة. تعهَّد ترامب أمام قناة «فوكس نيوز» عام 2015 بتقديم شطيرة «بيج ماك مزدوجة» للرئيس الصيني بدلًا عن إقامة مأدبة عشاءٍ على شرفه، وهو وعدٌ انتخابيٌ فَشِلَ في الوفاء به للأسف. لكن ترامب أوفى بوعوده المُتعلِّقة بالأطعمة السريعة حين التقى مع فريق كرة القدم الأمريكية بجامعة كليمسون إبان إغلاق الحكومة الأمريكية، واشترى 300 شطيرة هامبرجر من جيبه الخاص.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ويرى تقرير «فورين بوليسي» أن مفهوم ترامب للطعام، وغيره من الأشياء، لا يكترث بالفلسفة الراسخة داخل البيت الأبيض على مدار السنوات الخمسة وعشرين الماضية.

ليس ترامب أول رئيسٍ يعشق شطائر ماكدونالدز أو وجبات دجاج كنتاكي، إذ قدَّم بيل كلينتون وهاري ترومان الدجاج المقلي خلال مآدب العشاء الرسمية. لكنَّ ترامب يتباهى بذوقه الفقير في الطعام أكثر من أي رئيسٍ آخر.

ورغم أنَّ الولايات المتحدة وضعت رجل الأعمال الناجح على خشبة مسرحٍ أكبر وأجمل من نظيره في عصر «الصفقة الجديدة»، فقد احتفظت بازدرائها لنخبة المجتمع. وهذه هي معضلة ترامب، بحسب المجلة الأمريكية: مليارديرٌ ومُضاربٌ عقاريٌ من نيويورك، فاز بأكبر عددٍ من الأصوات خلال انتخابات عام 2016 من ولايتي وايومنج وفيرجينيا الغربية، وأكلته المفضلة هي شرائح اللحم بالكاتشب.

ولهذا تعتقد المجلة أن ترامب لا يستطيع الظهور بمظهر الداعية لمآدب العشاء على الملأ. إذ إن الحفلات البراقة، التي تَضُمُّ أكثر من 350 شخصًا وعددًا من المشاهير، ووجباتٍ مُبدعةٍ باهظة الثمن وخيامًا في حديقة البيت الأبيض، تُناسب شخصية النخبة الليبرالية من أمثال أوباما وهيلاري كلينتون. وإذا كان رونالد ريجان رئيسًا للبلاد في الوقت الحالي، فستبدو مآدب العشاء الاثنين وخمسين التي أقامها بحضور العديد من النجوم أشبه بتصرفاتٍ نخبويةٍ تُبعِده عن المواطنين العاديين.

لكن ذلك لم يَعُد مهمًا حين كان من الضروري إقامة مأدبة عشاءٍ مناسبة، بحسب التقرير. إذ فضَّلت السيدة الأولى ميلانيا ترامب احترام تقاليد البيت الأبيض، لحسن حظ ماكرون. والدليل على قوة رمزية مآدب عشاء البيت الأبيض هو أنَّ المأكولات السريعة لم تُدرَج على قائمة الطعام؛ لأنها لا تُعبِّر عن أفضل ما يُمكِن للولايات المتحدة تقديمه.

وساعدت بعض التغييرات الطفيفة على صنع الفارق بين أول مأدبة عشاء لترامب وسلفه أوباما. إذ بلغ عدد المدعوِّين 150 شخصًا فقط، غالبيتهم من حلفائه الجمهوريين، ووصل عدد الأطباق إلى ثلاثةٍ فقط. ويبدو أن ترامب اختار أن تكون مأدبته الأولى متواضعةً للغاية.

أكثر الدول إهدارًا للطعام: السعودي يهدر 427 كيلو والاتحاد الأوروبي 22 مليون طن

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد