كانت تونس ما بعد الثورة أكثر ودًّا مع سكانها الأمازيغ الأصليين، لكن تركيز الثروة والسلطة في الشمال أدَّى إلى استمرار تهميش المجتمعات النائية.

نشر موقع «المونيتور» الإخباري تقريرًا كتبه سام كيمبال، وهو صحافي مستقل يغطي شؤون الثقافة والحرب والسياسة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويركز حاليًّا على شؤون العراق وتونس وليبيا، سلَّط فيه الضوء على معاناة الأمازيغ الذين يعيشون في جيوب محرومة من الخدمات في جنوب شرق تونس.

يستهل الكاتب تقريره بالقرب من قرية تاوجوت، حيث طريق مليء بالأوساخ يؤدي إلى تلة شديدة الانحدار في اتجاه مجموعة من المنازل الحجرية جاثمة على قمة التلة. وفي المناطق المنخفضة أسفل الطريق، تنبت أشجار النخيل في أحضان حدائق خضراء.  والمفارقة أنه على بعد ستة أميال فقط من مركز الإدارة الإقليمي والمعالم السياحية، يبدو أن تاوجوت منفصلة تمامًا عن العالم الخارجي.

على جانب الطريق، يوجد مبنى خارجي صغير تزينه زخرفة تقليدية، يُستخدَم كمركز ثقافي ومدرسة لغات للأمازيغ، وهو الاسم الذي أطلقه السكان الأصليون في شمال أفريقيا على أنفسهم ما قبل وصول العرب إلى المنطقة.

من مكتبه في ذلك المبنى، أجرى موقع «المونيتور» حوارًا مع أحمد جويرة، رئيس جمعية تاوجوت للحفاظ على القرى الأمازيغية، للحديث عن التهميش الذي تعرض له المجتمع الأمازيغي على مرِّ التاريخ، والأضرار التي لحقت بهم من جراء ذلك.

مجتمع

منذ 5 سنوات
الأمازيغ في شمال إفريقيا.. الجذور والواقع والرهانات

بين الأمس واليوم

يقول جويرة: «كانت أوضاعنا في تاوجوت أفضل في ظل حكم الفرنسيين. لقد شيدوا لنا مبانيَ كثيرة، ومن ذلك أنهم حفروا لنا بئرين. كما عبَّدوا لنا الطرق التي تربطنا [بالعالم الخارجي]. وهذا نوع من التطور».

ويضيف أنه بعد استقلال تونس، كان يُنظر إلى القرى الجبلية مثل قريته – التي يتحدث كثير منها بالأمازيغية – على أنها من أنصار صلاح بن يوسف، المنافس السياسي الشرس للرئيس السابق الحبيب بورقيبة (أول رئيس للجمهورية التونسية) الذي تعرض للاغتيال (بعد الانقلاب عليه).

وكانت هذه القرى أيضًا موطنًا للفلَّاقة، المقاتلين المؤيدين للاستقلال الذين هاجموا البؤر الاستيطانية للمستعمرين الفرنسيين، والذين كانت تربطهم علاقة قوية ببورقيبة حتى بعد الاستقلال.

ويتابع جويرة: «بدأ التهميش الحقيقي بعد الاستقلال»، مشيرًا إلى أن الحكومة بَنَت مستوطنات جديدة في الأراضي المنخفضة لكل مجموعة من القرى الباقية الناطقة بالأمازيغية.

كما يلفت إلى الأوضاع في زراوة، وهي قرية حجرية صغيرة على تلة أخرى مجاورة لقريته، فيقول: «زراوة القديمة خالية الآن من السكان. ولا يعيش أحد في المباني والمنشآت المعمارية الأمازيغية. وحين تدخلت السلطات بعد الاستقلال، قطعتْ عنهم الماء والكهرباء، وأجبرتهم على النزوح إلى زراوة الجديدة الواقعة في السهول الأدنى من زراوة القديمة».

الأمازيغ في الجزائر

الأمازيغ في الجزائر

وشدد جويرة على أن نقل الأمازيغ المتمردين إلى القرى التي أُنشئت حديثًا في موقع أدنى، ونزع أسلحتهم، كان وسيلة لمراقبتهم ودمجهم في الأغلبية الناطقة بالعربية، وتعزيز سلطة الدولة بعد الاستقلال، وتعزيز حكم بورقيبة كذلك.

ولفت إلى أن دستور تونس ما بعد الثورة في عام 2014 أشار في التشريعات إلى توزيع السلطة على البلديات، في تلك الدولة شديدة المركزية. لكنه أعرب عن شكوكه في قدرة القوانين على إحداث تغيير إيجابي حقيقي في جنوب شرق تونس، حيث يعيش ما تبقى من المجتمعات الأمازيغية؛ وذلك بسبب تركز الثروة والسلطة في الشمال.

ويكمل قائلًا: «لا وجه للمقارنة بين المناطق الشمالية والساحلية، ومناطق الجنوب هنا؛ إذ تتركز الإدارة والمال والتنمية كلها في تونس».

الاحتجاجات تؤتي ثمارها

في زراوة الجديدة، جلس علي زيدا، أحد مؤسسي جمعية أزرو للثقافة الأمازيغية، أمام واجهة متجر مغلق في الشارع الرئيسي. وبدت القرية وكأنها مهجورة، وكان جميع السكان تقريبًا يختبئون في منازلهم من لهيب شمس منتصف النهار.

يقول إن أهل القرية كانوا يحتجون، ونجحوا في الحصول على بعض الاهتمام من الدولة، ويضيف: «بدأنا بعد الثورة في اتخاذ إجراءات على الأرض. وأنشأنا هذه الجمعية، التي كان من الممكن أن تكون محظورة فيما مضى. ولم تكن هناك مدرسة ثانوية في القرية؛ وكان على جميع الأطفال تلقي تعليمهم في مدن أخرى. لذا، نظَّمنا اعتصامًا كبيرًا في منطقة مَطْمَاطة، وفي النهاية بَنَت الحكومة مدرسة ثانوية لنا».

نجحت الاحتجاجات في إحداث تحسينات متواضعة أخرى في القرية، فأصبح الأطباء الذين اعتادوا القدوم للعمل في العيادة المحلية مرة واحدة في الأسبوع يأتون الآن ثلاث مرات. وأقامت الدولة أعمدة لإنارة الشوارع في زراوة الجديدة التي كانت ذات يوم خالية من هذه الإضاءة.

ومع ذلك، يعتقد علي أن أكثر تقدم أُحرِز كان في الحفاظ على الثقافة. وقال إن أهل قريته كانوا أول من أبدع موسيقى الراب الأمازيغية. وابتكرت جمعية أزرو أبجدية تيفيناغ الأمازيعية، التي كانت محظورة يومًا ما، لتعليم الأطفال القراءة والكتابة بهذه الأبجدية.

حتى إن لوحة المفاتيح الصغيرة للهاتف الذكي الخاص بعلي زيدا تعمل بحروف أبجدية التيفيناغ؛ وهو ابتكار حديث ونادر، بحسب التقرير. وعلاوةً على ذلك، أشار علي إلى أنه منذ انتقال القرويين إلى زراوة الجديدة منذ عقود خلَت، انتقلت الأسر الناطقة بالعربية من السهول المحيطة إلى القرية، وبهذا ربَّت أطفالها بين المتحدثين بالأمازيغية. لكن القرويين الأمازيغ حافظوا على هُويتهم بقوة. يقول علي: «والآن، حتى الأطفال العرب يتحدثون الأمازيغية».

شعور بالدونية

وينتقل الكاتب إلى منطقة أخرى، فيقول: على مسافة بضعة أميال فقط، في مَطْمَاطة، المركز البلدي للقرى الأمازيغية، نجد أن البنية التحتية أفضل حالًا، وتتميز البلدة بمركز صحي، وطرق معبَّدة، ومدارس جيدة البناء. ومع ذلك، حققت البلدة أدنى مؤشرات للتنمية في جنوب شرق تونس.

ومَطْمَاطة مليئة بالحفر المنحوتة في الصحراء، والتي كانت بمثابة منازل للأمازيغ السالفين، وخلفية لكوكب تاتوين في «حرب النجوم» (سلسلة الأفلام الشهيرة). ومع ذلك، لم يبقَ فيها مَن يتحدث الأمازيغية.  وكان السكان المحليون من قبل يُطلقون على مَطْمَاطة، اسم قبلي عربي، أَثْوَبْ بمعنى «الأرض الطيبة».

تقول السيدة رباب بن كريم، رئيسة بلدية مَطْمَاطة: إنه بالرغم من حريات التعبير المكتشفة بعد الثورة التونسية، ما يزال هناك شعور بالتهميش الثقافي لبعض الأمازيغ بعد عقود من القمع. وتستدعي كتابة لغتهم أو التحدث بها في الأماكن العامة الاحتجاز أو الاعتداء الجسدي.

وتضيف السيدة رباب: «حتى الطلاب الذين يأتون من قرى أمازيغية إلى المدرسة في مَطْمَاطة؛ يمكنك أن تلمس فيهم الشعور بأنهم أقل من غيرهم. إنهم يجلسون ملتصقين بعضهم ببعض، وعندما يتحدثون معًا باللغة الأمازيغية، وتسألهم عما يتحدثون، يقولون: لا شيء».

يقول غاكي جلول، نائب رئيس منظمة الكونجرس العالمي الأمازيغي، وهو يجلس بجانبها: «إنهم حذِرون عند التعامل مع أولئك الذين لا يتحدثون لغتهم. وإذا كانوا ورِثوا الخوف كابرًا عن كابر طوال 100 عام، فلن يكون من السهل عليهم التخلص منه».

وأضاف: منذ اندلاع الثورة قبل حوالي 10 سنوات، عندما طالبت مختلف الفئات المهمشة بالتوظيف والتنمية، لم يكن هناك تغيير يذكر. وتوافقه السيدة رباب بن كريم قائلة: «هذا صحيح، بعد الثورة، أصبح من الممكن للمواطنين التعبير عن أنفسهم وتقديم مطالبهم للحكومة. كما أصبح الاحتجاج ممكنًا، ولكن بالنسبة للتنمية، ليس هناك جديد، ولم تتوفر وظائف جديدة لنا».

وأشار جلول إلى أن تهميش الحكام التونسيين للمنطقة يعود إلى ما هو أبعد بكثير من بورقيبة. «فمنذ عهد الحكام العثمانيين المحليين الذين كانوا يسمون «البكوات»، كانت مَطْمَاطة مهمشة. وكانت الدولة ترسل جامعي الضرائب فقط إلى مطماطة من أجل جمع الضرائب من القبائل المحيطة بها، ومن ثم يغادرونها بمجرد جمع الضرائب».

شباب الأمازيغ في تونس

مجموعة من شباب الأمازيغ في تونس

أوضاع لم تتحسن

ينتقل التقرير إلى رياض بشير، رئيس جمعية التنمية والدراسات الاستراتيجية في مدنين، وهي مدينة في جنوب شرق تونس، الذي تحدث عن إخفاقات الدولة التي تركت جنوب البلاد فقيرة ومتخلفة.

يقول: «في سبعينيات القرن الماضي، بَنَت الدولة مصانع في قفصة وقابس [مدينة بالقرب من مَطْمَاطة]، لكنها لم تنجح في توفير ما يكفي من فرص العمل للمناطق كي تنعم بالازدهار. وقال بشير إن الإهمال جعل القرى الأمازيغية تعاني من تهميش مضاعف؛ مما تسبب في هجرة الأمازيغ من بلدات أجدادهم وقراهم بحثًا عن العمل، مشيرًا إلى القرى الأمازيغية الخالية الآن من السكان، وهي شنني،  ودويرت، وتلك القرى القريبة من مدينة تطاوين. وأضاف: «لقد فر معظمهم إلى تونس للعمل. ومعظم باعة الصحف في العاصمة من الأمازيغ النازحين من تلك القرى».

وأفاد بأنه منذ ثورة 2011، لم يتحسن الوضع في الجنوب، والسبب في ذلك إلى حد كبير يرجع إلى الافتقار إلى الإدارة المؤهلة، والصراع السياسي الذي يعوق تنفيذ الإصلاحات، والقروض الدولية التي تلقتها الحكومة لدفع الرواتب بدلًا من استخدام الموارد لتطوير الجنوب.

في السياق ذاته، ينقل التقرير عن صُبيقة بحري، أستاذة علم اللغة التونسية بجامعة كولورادو بمدينة دنفر، والمتخصصة في اللغة الأمازيغية التونسية، قولها: على الرغم من تحسن قبول الثقافة الأمازيغية، بل الاهتمام بها في أوساط التونسيين العاديين، فإن الجغرافيا تجعلهم في وضع غير مستقر.

وأضافت: «الأمازيغ أكثر المجتمعات تأثرًا بالانقسام الجغرافي في الاقتصاد التونسي وتوزيع الثروة. وعلى الرغم من رحيل بورقيبة وخليفته بن علي، فإن أيديولوجيتهم القومية العربية – التي عملت على تهميش التعددية الثقافية- ظلت محورية في السياسة الوطنية».

واختتم التقرير بقول صبيقة بحري: «حتى في أوساط السياسيين، بما في ذلك الذين يُعدُّون تقدميين، هناك نزعة لدمج الأمازيغ في التراث الشعبي بدلًا من الاعتراف بلغتهم وثقافتهم وتعليمهم، خشية اعتبارهم انفصاليين. لكن الإسلاميين كانوا هم التغيير الأكبر؛ لأنهم ينكرون التعددية العرقية. ولقد لعب مفهومهم عن الأمة الإسلامية دورًا حاسمًا في قمع الهوية الأمازيغية».

مجتمع

منذ سنة واحدة
«يكرهون الإسلام واللغة العربية».. 4 مغالطات شائعة عن الأمازيغ في الجزائر والمغرب

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد