نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا أعدَّه مايكل بارلبرج، أستاذ مساعد في العلوم السياسية في جامعة فرجينيا كومنولث، يتناول فيه أوجه القصور في النهج الأمريكي فيما يتعلق بالتعاون الأمني الدولي والحاجة الماسَّة لإصلاحه على وجه السرعة.

يستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن التعاون الأمني ​​بين الولايات المتحدة والمكسيك اتخذ منعطفًا غير متوقع عندما ألقت الشرطة الأمريكية القبض على وزير الدفاع المكسيكي السابق سلفادور سيينفويغوس، وهو جنرال متقاعد من الجيش المكسيكي، في مطار لوس أنجلوس في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2020. وكانت تُحقق معه إدارة مكافحة المخدرات في الولايات المتحدة ووجَّهت إليه تهمة الاتجار بالمخدرات وغسيل الأموال والعمل لصالح (كارتل)، أي اتحاد احتكاري – ذو نشاط إجرامي في الأغلب – غامض إلى حد ما، يُدعى H-2، والذي ترجع أصوله إلى منظمة بيلتران ليفا المكسيكية المعروفة.

دولي

منذ سنة واحدة
«واشنطن بوست»: الرئيس يقمع البرلمان بالجيش.. ماذا يحدث في السلفادور؟

وبعد أن هدَّد الرئيس المكسيكي الغاضب أندريس مانويل لوبيز أوبرادور بطرد إدارة مكافحة المخدرات من المكسيك، وافقت إدارة ترامب على إطلاق سراح سيينفويغوس ليُسجن في المكسيك، حيث كان يُفترض أن يُحاكم. وبدلًا من ذلك، أعلن المدَّعون العامُّون المكسيكيون أن ادِّعاءات إدارة مكافحة المخدرات الموجَّهة ضد سيينفويغوس ملفقة وأسقطوا جميع التهم.

ثم نشرت الحكومة المكسيكية على الإنترنت ملفًا من 751 صفحة من المعلومات الاستخباراتية التي كانت الولايات المتحدة قد تبادلتها مع المكسيك للمساعدة في الملاحقة القضائية. وتضمن الملف نصوصًا جرى اعتراضها بين شخصيات الكارتل، والتي أشارت إلى حالات عدة لتعاون المسؤولين الحكوميين المكسيكيين وقوات الأمن المكسيكية مع الكارتلات، من بينها مساعدتهم على التوحد الإقليمي ضد الجماعات المتنافسة. وقد حذَّر تسريب هذه المعلومات على الأرجح بعض الشخصيات التي لم تكن على علم بعد بأنها مطلوبة للتحقيق.

أمريكا.. تعاون غير مثمر

وأوضح الكاتب أن النتيجة النهائية لهذا الانتهاك المكسيكي للثقة، والانتهاك لمعاهدة التعاون من أجل المساعدة القانونية المتبادلة من وجهة نظر وزارة العدل الأمريكية، لم تكن ذات أَهمِّية كبيرة. وعلى الرغم من أن الجانب الأمريكي هدد بتعليق تبادل المعلومات الاستخباراتية، فإنه واصل العمل الوثيق مع الحكومة المكسيكية في القضايا الأمنية. ومنذ عام 2007، أنفقت واشنطن أكثر من 3 مليارات دولار من خلال مبادرة ميريدا لمساعدة المكسيك في جهودها لمكافحة العنف والاتجار بالمخدرات، وهو برنامج قال وزير الخارجية المكسيكي مارسيلو إيبرارد إنه «غير مثمر».

Embed from Getty Images

ومع ذلك، لا يزال الكونجرس الأمريكي يخصص أكثر من 100 مليون دولار من المساعدات الأمنية السنوية في مجال مكافحة المخدرات والتدريب والمشتريات المكسيكية من المعدات العسكرية الأمريكية لمتابعة ما يسمى الحرب على المخدرات دون أي بوادر لخفضها. وخلال هذا الوقت، تضاعفت أربع مرات جرائم القتل في المكسيك، وكثير منها مرتبط بالكارتلات.

ترتيبات أمنية مختلة

ولفت الكاتب إلى أن قضية سيينفويغوس، على الرغم من كونها دراماتيكية، ليست سوى مثال واحد على الاختلال الذي أصاب ترتيبات التعاون الأمني بين الولايات المتحدة والحكومات الأجنبية. وهذه مسألة يمتلك الكونجرس الأمريكي الصلاحية لمعالجتها.

والواقع أن هناك بالفعل آلية لمنع وقوع المساعدات الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة في أيدي الجهات السيئة، وهو قانون ليهي، الذي قدمه عضو الكونجرس باتريك ليهي للمرة الأولى في عام 1997، والأحكام التي نص عليها كانت مستوحاة من عمليات مكافحة التمرد الوحشية في أمريكا الوسطى في ثمانينيات القرن الماضي، حيث نفَّذت وحدات عسكرية درَّبتها وموَّلتها الولايات المتحدة فظائع مثل مذبحة الموزوت عام 1981 في السلفادور.

ويمنع القانون الولايات المتحدة من تقديم المساعدة الأمنية للجيش أو قوات الشرطة الأجنبية التي ارتكبت انتهاكات جسيمة موثَّقة تتعلق بحقوق الإنسان.

يُعد قانون ليهي ناجحًا بوجه عام، بعد أن حرم دولًا عدة ارتُكبت فيها انتهاكات حقوق الإنسان من المساعدات العسكرية. ومع ذلك، فإن القانون من مخلفات الحرب الباردة الذي لا يعالج المشكلات التي تعتري نهج التعاون الأمني ​​بين الولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية اليوم. وفي حين لا تزال هناك مشكلات خطيرة تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها قوات الأمن، هناك عدد أقل من المجالس العسكرية، وعدد أقل من حركات حرب العصابات، وكذلك اهتمام أقل في واشنطن بتمويل الحروب القذرة.

تمارس الجيوش اليوم أعمال الشركات التجارية بوتيرة متزايدة، وتنخرط في قطاعات لا تحصى ولا تعد من الاقتصاد، وبعضها غير مشروع. وهذه ليست الحالة الوحيدة في فنزويلا، حيث يدير الجنرالات شركات بأكملها، أو كوريا الشمالية، حيث يهرِّب الجيش الأفيون ويصنع السجائر المزيفة. وينطبق نموذج الجيش الذي يضطلع بعمل الشركات، وهو ما أسماه كاتب المقال (نموذجًا فاسدًا) في كثير من الأحيان، مثل بعض حلفاء الولايات المتحدة أيضًا، ومنهم مصر وتركيا وأوكرانيا، بحسب وصف الكاتب.

Embed from Getty Images

ويرى الكاتب أن المطلوب هو قانون جديد يكافح الفساد على غرار قانون ليهي. ومثلما ينبغي ألا تُستخدَم المساعدة الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة لتمويل الفظائع الموجَّهة ضد السكان المدنيين، ينبغي ألا تُستخدَم المساعدات لتمكين المسؤولين الفاسدين من التربح على حساب المدنيين. وفضلًا عن الواجب الأخلاقي، هناك مصلحة للأمن القومي في ضمان عدم تقويض الجهود الرامية إلى مكافحة الجريمة العابرة للحدود من خلال القوى ذاتها التي تدرِّبها وتجهِّزها الولايات المتحدة. كذلك يُقوِّض الارتباط بالوحدات التي تعمل في الكسب الإجرامي، والتي غالبًا ما تنطوي على عمليات قتل، المصداقية الدولية للولايات المتحدة.

نقطة عمياء

وشدد الكاتب على أن الإخفاق في معالجة الفساد العسكري والشرطي على وجه التحديد، يترك نقطة عمياء كبرى في الجهود الرامية إلى تعزيز الحكم الرشيد في مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية. وبخلاف المكسيك، لدى واشنطن شركاء غير موثوقين في معالجة ما تَعدُّه إدارة بايدن «الأسباب الجذرية» للهجرة، وهي الافتقار إلى الأمن وغياب الآفاق الاقتصادية وضعف سيادة القانون. وينبع جزء كبير من عدم الموثوقية تلك من الفساد، والذي يمتد إلى قوات الأمن التي تُسلِّحها وتدرِّبها الولايات المتحدة، فضلًا عن التنسيق معها.

وتطرَّق الكاتب إلى عدد من الأمثلة التي بدأها بجواتيمالا، حيث أقال المدَّعي العام فيها مؤخرًا المدعي العام لمكافحة الفساد في البلاد؛ إذ تبين أن مجموعة من جنود الجيش الوطني وفَّروا الأمن لشبكة تهريب كوكايين مرتبطة بخوان أورتيز، وهو أحد أباطرة المخدرات. وفي هندوراس، فعل الجنود الشيء نفسه، نيابةً عن رئيس البلاد حسبما أُثير، المتهم بالتآمر في قضية وزارة العدل الأمريكية التي أدانت بالفعل شقيقه بتهريب الكوكايين واستخدام العائدات لتمويل الحملة الانتخابية للرئيس.

وفي السلفادور، التي أقال رئيسها مؤخرًا المدعي العام وحلَّ المحكمة الدستورية وألغى هيئة مكافحة الفساد في البلاد، تبين أن أفراد قوات الأمن متورطون في عصابات إجرامية ومجموعات قتل مأجور وفرق قتل أهلية. ووجدت تقارير حكومية أدلة على تسلل العصابات إلى الجيش، وارتبط كبار المسؤولين، بمن فيهم رؤساء الشرطة الوطنية ووزراء الأمن، بالجريمة المنظمة.

وفي كولومبيا، حيث هزت فضيحة «الإيجابيات الكاذبة» الجيش، كانت هناك حالات لضباط يديرون عمليات تهريب المخدرات.

Embed from Getty Images

وفي جمهورية الدومينيكان، قدَّر أحد كبار المدَّعين أن قوات الشرطة والقوات العسكرية تشارك في 90% من جميع قضايا الجريمة المنظمة. وزعم المسؤولون المنتخبون أن الجماعات الإجرامية سيطرت بالكامل على الشرطة ووزارة العدل ووكالة إنفاذ قوانين المخدرات.

عسكرة المجتمع

يعتقد الكاتب أنه ليس من قبيل الصدفة أن تحدث هذه التطورات في وقت تتزايد فيه نزعة عسكرة المجتمع في أمريكا اللاتينية. ففي تراجع مثير للقلق لموجة التحول الديمقراطي بعد الحرب الباردة، عندما سقطت الأنظمة العسكرية وقبلت الجنرالات الحكم المدني، يستدعي الرؤساء المنتخَبون ديمقراطيًّا اليوم الجنود إلى الخروج من ثكناتهم ويعطونهم أدوارًا تتجاوَز صلاحياتهم. وقد استخدم لوبيز أوبرادور الجيش لتنفيذ مشروعات كبيرة للأشغال العامة، من إصلاح المستشفيات إلى بناء المطارات.

وأرسل الرئيس السلفادوري، نايب بوكيلي، قواتٍ لاحتلال الهيئة التشريعية في البلاد لترهيب المشرِّعين المعارضين وإعاقة التحقيق في مذبحة الموزوت. وقد عيَّن الرئيس البرازيلي، جايير بولسونارو، الذي يستحضر ذكرياته المحببة عن مجلسه العسكري، أكثر من 3500 ضابط عسكري في مناصب الإدارة العامة؛ أكثر من أي رئيس منذ نهاية الديكتاتورية العسكرية في عام 1985. وفي جميع أنحاء المنطقة، وُظِّفت الجيوش خلال جائحة كوفيد-19 لتوزيع معدات الوقاية الشخصية وحزم الإغاثة واللقاحات.

وأضاف الكاتب أن المجال الرئيس للعسكرة هو القيام بأعمال الشرطة، مشيرًا إلى أن الشرطة ليست موضع ثقة في جميع أنحاء المنطقة ويُنظر إليها على أنها فاسدة. ومن ناحية أخرى، يتمتع الجيش بمستويات أعلى بكثير من الثقة العامة، أكثر من معظم المؤسسات والشخصيات العامة الأخرى، ومن بينهم الزعماء المنتخبون.

وحسب ما يأمل بعض القادة، فإن استدعاء القوات المسلحة إلى القيام بدوريات في الشوارع ومواجهة الكارتلات المتزايدة التسليح من شأنه أن يجعل القوات المسلحة تحل محل قوات الشرطة الفاسدة، وأن تُحسِّن الأمن للمواطنين، وتخلع على القادة بعضًا من شعبية الجيش. لكن بدلًا من ذلك، أدَّى استدعاء الجنود المدربين ليس على أعمال الشرطة، بل على الحرب، إلى مواجهات دامية. وقد أدَّى إقحام الجنود في ممرات تهريب المخدرات، كما هو الحال في المكسيك حيث يسيطر الجيش على الموانئ صراحة، إلى زيادة فرص الفساد.

إصلاح ضروري

ونوَّه الكاتب إلى أن واشنطن كانت مستعدة إلى حد كبير للتغاضي عن التعدي المستمر لجيوش أمريكا اللاتينية على الإدارة العامة والأسواق الخاصة، سواء أكان ذلك قانونيًّا أم لا، وذلك بُغية الحفاظ على العلاقات.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، يجب أن تكون هناك قيود كبيرة حتى تكون الجهات التي تتلقى المساعدات مؤهلة للحصول على ملايين أو حتى مليارات الدولارات من المساعدات الأمنية الأمريكية، لا سيما في عصر تراجعت فيه الحروب بين الدول، وفي وقت لم تعد الجيوش منخرطة في تفويضها الأساسي، الدفاع عن الأوطان. وببساطة، لا ينبغي أن يكون عدم ارتكاب المجازر، وهي محور قانون ليهي، كافيًا لحجب المساعدات.

ومن شأن وضع قانون جديد على غرار سابقة ليهي أن يحول دون تقديم أي مساعدة لقوات الأمن المصممة على الانخراط في ممارسات فاسدة. وينطبق ذلك على مجموعة المساعدة العسكرية والشرطية المقدمة من مختلف وكالات الولايات المتحدة، والتي تشمل الدعم الاقتصادي المباشر، والدعم العملياتي، وتمويل الأسلحة والمعدات ومبيعاتها، والتدريب، بما في ذلك القوات العسكرية ووحدات مكافحة الإرهاب وإنفاذ القانون والمخدرات.

وسيكون هناك عملية فحص تضطلع بها وزارتا الخارجية والدفاع الأمريكية. ومن شأن أي عملية إصلاح أن تسمح باستئناف تقديم المعونة المعلَّقة في ضوء الأدلة المناسبة، المبلغ عنها إلى الكونجرس الأمريكي، التي تفيد بمعالجة الفساد ومحاسبة الجهات السيئة.

دولي

منذ 11 شهر
«بلومبرج»: سلفادور سيينفويجوس.. وزير دفاع في المكسيك وتاجر مخدرات في أمريكا!

وأشار الكاتب إلى أن إدارة بايدن جعلت من مكافحة الفساد دعامة من دعائم سياستها الخارجية، وعلى وجه التحديد جهودها لمعالجة العوامل العميقة الجذور التي تسهم في الهجرة في نصف الكرة الغربي. ومع عسكرة الحكومات، يصبح من المستحيل على نحو متزايد فصل الشرطة والجيش عن الفساد العام وعالم الجريمة. والواقع أن السكان المدنيين يتفاعلون مع قوات الأمن الحالية على الدوام، ويستشهد عديد من ملتمسي اللجوء الذين يصلون إلى حدود الولايات المتحدة باضطهاد ليس من جانب العصابات والكارتلات، بل من رجال الشرطة المنحرفين.

وفي الختام يقول الكاتب إن الجمود في واشنطن قد يؤدي إلى إدامة السياسات السيئة. وتتعاون وكالات الولايات المتحدة مع نظيراتها الأجنبية، ويصبح المسؤولون أصدقاء، وتنظر إدارات الولايات المتحدة إلى خطوط التمويل بوصفها وسيلة للنفوذ. ويمكن للكونجرس أن يوفر رقابة على هذا الاتجاه. والآن، هناك اهتمام من الحزبين بمشروع قانون يرعاه النائبان مايك لي، وبيرني ساندرز، والذي يعطي الكونجرس دورًا أكبر في استخدام القوة ومبيعات الأسلحة ومجموعة من تدابير الأمن القومي الأخرى.

وفي وقت سابق، أدرجت النائبة نورما توريس بندًا في مشروع قانون للإنفاق يمنع السلفادور من الحصول على تمويل عسكري من الولايات المتحدة، والذي خُفِّض أيضًا لهندوراس وجواتيمالا. وهناك حاجة إلى مزيد من الرقابة. ويترتب على الشراكة مع شركاء لا يمكن الوثوق بهم تكلفة يتحملها السكان المدنيون. وأيًّا ما كانت الفوائد المستمدة من الحفاظ على العلاقات مع قوات الأمن في الدول الأجنبية، فلا بد وأن تقاس بمصالح الناس الذين تخدمهم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد