نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحليلًا للكاتبة أشيرا موريس تناولت فيه المخاوف المتعلقة باحتمالية أن تتحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى النموذج البلغاري الحالي إذا فاز ترامب بولاية رئاسية ثانية، مذكّرة بالاحتجاجات المناهضة للحكومة التي تجري في شوارع صوفيا، عاصمة بلغاريا، وحالة الضعف التي أصابت الديمقراطية في بلادها نتيجة الفساد، وحكم الأقلية، وتركز الإعلام في أيدي عدد قليل من المنتفعين.

الشفافية الدولية: بلغاريا الدولة الأكثر فسادًا في الاتحاد الأوروبي

تستهل الكاتبة تقريرها قائلة: في مساء يوم 16 أكتوبر (تشرين الأول)، الذي يمثل اليوم المائة على التوالي من الاحتجاجات ضد الفساد في بلغاريا، خيّمت غيوم داكنة مشؤومة فوق العاصمة صوفيا. وتجمع آلاف الأشخاص أمام المركز التشريعي الوطني (البرلمان)، حتى بعد أن تسببت السحب في هطول أمطار غزيرة. وبدا الوضع وكأن كل سكان صوفيا كانوا في المكان، بدءًا من الأطفال الذين يلتقطون قطرات المطر، إلى الجدات المرتديات أغطية الرأس المزركشة بالزهور. هذا الحشد النشط والمتعدد الأجيال هو أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل البلغار يعتقدون أن نظام الأقلية الحاكمة في البلاد سيبدأ هذه المرة بالانهيار.

Embed from Getty Images

الاحتجاجات في العاصمة البلغارية صوفيا 16 أكتوبر 2020 

وأضافت الكاتبة أن آخر احتجاجات كبيرة شهدتها البلاد ضد الفساد أجبرت رئيس الوزراء بويكو بوريسوف على التنحي عام 2013 بعد أربع سنوات في الحكم. وظل خليفته في السلطة لأكثر من عام بقليل قبل أن تنطلق الاحتجاجات ضده في أعقاب ترشيحه لأحد المسئولين سيئي السمعة رئيسًا للأمن القومي لتجبره في نهاية المطاف على التخلي عن منصبه. وعاد بوريسوف رئيسًا للوزراء بحلول نهاية عام 2014. ولم تحُلّ القيادة العائدة من جديد مشكلة الفساد المُتجذّر في البلاد.

والآن يطالب البلغار بوريسوف بالاستقالة مرة أخرى. ويريدون وضع حد للفساد الذي يستفيد منه حفنة من أصحاب النفوذ المقرّبين، ويطالبون أيضًا بقضاء مستقل يحاسب السياسيين. ظل بوريسوف في السلطة طوال معظم العقد الماضي، وأدار البلاد على نحو يحقق مصالح دائرة داخلية من المقربين على حساب الشعب. وفي العام الماضي صنّفت منظمة الشفافية الدولية بلغاريا الدولة الأكثر فسادًا في الاتحاد الأوروبي.

هل يلفظ نظام الأقلية الحاكمة في البلاد أنفاسه الأخيرة؟

تشير الكاتبة إلى أن بوريسوف يصرّ على أنه سيبقى في السلطة حتى الانتخابات البرلمانية التي ستُجرى في شهر مارس (أذار)، بالرغم من أن 66% من البلغار يؤيدون الاحتجاجات. لكن الضغط السياسي الذي أحدثته التظاهرات يعني أن من سيُصوّت له في الربيع المقبل لن يكون قادرًا على الحكم بالطريقة نفسها التي حكم بها بوريسوف.

وترى الكاتبة أن الدولة البلغارية الفاسدة والتي استولت عليها فئة بعينها يمكن أن تكون بمثابة استعراض تمهيدي (لما يمكن أن تؤول إليه) الولايات المتحدة إذا أعيد انتخاب الرئيس دونالد ترامب. وتنذر أزمتها الحالية بالعواقب طويلة المدى التي يمكن أن تجلبها حكومة حريصة للغاية على تحقيق مصالح عدد قليل من قادة الأعمال المقربين من الحزب الحاكم على حساب أي شخص آخر.

دولي

منذ 3 أسابيع
«ذي أتلانتك»: كيف قد يكون شكل الولاية الثانية لترامب إذا فاز في الانتخابات؟

وبالعودة للأوضاع في بلغاريا، كتب أستاذ العلوم السياسية البلغاري إيفجيني داينوف: «ليس فقط الفاشيون الذين يكرهون الأجانب هم القادرون على قتل الديمقراطية، وإنما يمكن التعامل مع هذه المهمة بكفاءة عالية أيضًا من جانب رجال شبه أميين يفتقرون إلى أية أيديولوجية معادية للديمقراطية».

وقبل عام 2016 ربما كان هذا التشابه بين بلغاريا وأمريكا أمرًا غير مفهوم. وكان يُنظر عمومًا إلى مؤسسات الولايات المتحدة الديمقراطية على أنها مستقرة، وإن كانت غير كاملة. لكن بعد أربع سنوات من حكم ترامب، هذا هو ما وصلنا إليه.

المحسوبية والعلاقات الشخصية في بلغاريا وأمريكا

قالت الكاتبة: بدأت موجة الاحتجاجات الأخيرة في بلغاريا هذا الصيف، عندما قام خريستو إيفانوف، وزير العدل السابق وزعيم حزب دا بلغاريا (نعم، بلغاريا) لمكافحة الفساد، ببث مشهد لنفسه على الهواء محاولًا زرع العلم البلغاري على شاطئ البحر الأسود. وبالرغم من أن جميع الشواطئ البلغارية عامة ومفتوحة للجمهور، لكن هذا الشاطئ كان بالقرب من المقر الصيفي لأحمد دوجان، السياسي السابق الذي لم يزل يتمتع بقوة كبيرة خلف الكواليس. اعترض حراس الأمن المعينون لحماية دوجان طريق إيفانوف على الشاطئ. وبعد أن تركوه يزرع العلم، دفعوه بعيدًا عن الشاطئ الصخري.

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء البلغاري بويكو بوريسوف 

وأضافت الكاتبة أن حيلة الشاطئ جسّدت عددًا من جوانب النظام الفاسد في بلغاريا: وأبرزها أن الأغنياء والأقوياء فوق القانون، وأن آليات تطبيق القانون تخدمهم، وأن تحالفهم مع الحزب الحاكم يكافأ بحصولهم على امتيازات يدفع تكلفتها دافعو الضرائب. كما سئم البلغار من جهاز القضاء الذي لا يلاحق الفساد، والصحافة الحرة المتهالكة، والمؤسسات التابعة للحزب الحاكم وليس القانون.

والنتيجة على الورق أن بلغاريا دولة ديمقراطية، فهي دولة سجلها نظيف على نحو يكفي لدخول الاتحاد الأوروبي في عام 2007، مع أن قرار قبولها خيّمت عليه مخاوف بشأن انتشار الجريمة المنظمة، والفساد، والنظام القضائي الحزبي. وبعد الانضمام إلى الاتحاد، استفادت البلاد في الغالب من التمويل دون التحقق من تنفيذها حكم القانون.

نظام فاسد في أمريكا

وتشترك الإدارتان الأمريكية والبلغارية الحاليتان في بعض الصفات غير المرغوب فيها. فكل من ترامب وبوريسوف يديران بلديهما وفق أنظمة المحسوبية، ويمنحان عقودًا حكومية كبيرة لأصحاب العلاقات الشخصية دون تدابير مساءلة تُذكر. وكلاهما أسهما في انهيار مبدأ الفصل بين السلطات.

حتى أن بوريسوف لديه فضائح عقارية خاصة به: وقد تورط حزبه «مواطنون من يمين الوسط من أجل التنمية الأوروبية في بلغاريا» مؤخرًا في مخطط لتحديد أسعار الشقق؛ ما سمح لأعضاء الحزب بشراء عقارات فاخرة في صوفيا بأسعار مخفضة للغاية. واستقال بعض كبار المسؤولين، لكن بوريسوف ظل في السلطة.

وتعقد الكاتبة مقارنة بين الشخصيتين قائلة: على عكس ترامب، لا يُدلي بوريسوف بتصريحات عنصرية صارخة أو ينتقص من قدر المؤسسات الدولية. فهو معجب بالاتحاد الأوروبي وجزء من كتلة يمين الوسط نفسها في بروكسل مثل حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. لكن هذا لا يجعل مكائده أقل خطورة. إذ يعني ببساطة أن قادة أوروبا الغربية كانوا أكثر استعدادًا لتجاهل الفساد في بلغاريا، على الرغم من أنه مع استمرار الاحتجاجات، من الصعب على المشرعين في الاتحاد الأوروبي أن يتجاهلوا الأمر.

وترى الكاتبة أن المشكلة في بلغاريا والولايات المتحدة أعمق من تفكيك القادة الأفراد للديمقراطيات في بلادهم؛ إذ تكمن المشكلة في نظام سياسي يضع حفنة من الأشخاص من ذوي القوة والثروة المركزة فوق القانون وفوق أي شخص آخر. ويمكن لجوانب المسار الحالي للولايات المتحدة – حيث يسخر البيت الأبيض من قادة وكالات الصحة العامة غير الحزبيّن في ظل تفشي جائحة فيروس كورونا المًستجد، ويهاجم الرئيس الصحفيين علنًا ويصفهم بأعداء الشعب – أن تؤدي بسهولة إلى قيام نظام فاسد في أمريكا على غرار النظام القائم في بلغاريا. 

انهيار الديمقراطية في بلغاريا

يؤكد التقرير أن وجود المؤسسات المستقلة يعتبر أمرًا حاسمًا ومهمًا بالنسبة لمجتمع ديمقراطي فعّال، لكن المؤسسات البلغارية استولى عليها الحزب الحاكم لدرجة أن عمليات التفتيش على سلامة الأغذية تُعد شأنًا حزبيًا يمكن أن يؤدي إلى الابتزاز أو السلب. وفي هذا الصدد، كتب داينوف: أنه بحلول عام 2017، كانت مؤسسات الدولة «بالفعل عبارة عن أنظمة وقواعد، لكن هذه القواعد كانت عبارة عن رغبات رئيس الوزراء وحلفائه، وليست القوانين المكتوبة». وتابع «نفّذت المؤسسات ما طُلب منها القيام به، بغض النظر عن أي قانون».

Embed from Getty Images

وتضيف الكاتبة أن الصحافة المستقلة القوية هي حجر الأساس الآخر للمجتمع المدني السليم. وفي بلغاريا، ظهر انهيار حرية وسائل الإعلام ولكن من دون اللجوء لوسائل تتسم بالعنف. وبدلًا عن ذلك ساعدت الضغوط المالية التي تواجه المنافذ الإخبارية في جميع أنحاء العالم على تركيز الكثير من ملكية وسائل الإعلام في البلاد في يدي رجل واحد: وهو ديليان بيفسكي، الذي وصفته منظمة مراسلون بلا حدود بأنه «التجسيد الأكثر شهرة» للتواطؤ الحادث بين وسائل الإعلام، والسياسيين، وحكام الأقلية.

ولم تزل العديد من المنافذ غير المملوكة مباشرة لبيفسكي تمثل جزءًا من التشابك الغامض للأحزاب القوية التي تستثمر الوضع الراهن. وفي هذا السياق، أجبر المراسلون الاستقصائيون على ترك وظائفهم أو واجهوا حملات تشهير من جانب منافذ مملوكة لشركة بيفسكي، بينما يواجه صحافيون آخرون مشكلة عالمية تتمثل في الوظائف غير مدفوعة الأجر أو منخفضة الأجر. وتراجعت حرية الصحافة في بلغاريا خلال العقد الماضي، وهي الآن في المرتبة 111 في العالم، وفق تصنيف «مراسلون بلا حدود» ، وهي مرتبة أسوأ بكثير من دول أخرى تتمتع بعضوية الاتحاد الأوروبي.

دولي

منذ شهر
«الإندبندنت»: هكذا غيَّر ترامب السياسة الخارجية الدولية.. ربما إلى الأبد

واختتمت الكاتبة قائلة: إذا كانت المعضلة الحالية في بلغاريا توضح المخاطر التي تواجه الولايات المتحدة، فإن الاحتجاجات الحالية مفيدة أيضًا. نعم، الدعوة الحاشدة هي أن يستقيل بوريسوف. لكن التحركات تدور حول أكثر من مجرد إخراج رجل واحد من منصب سياسي. إنها تتعلق بالنظام.

وفي الليلة المائة للاحتجاجات، بإمكانك سماع ترانيم الكلمة البلغارية «استقيل» – أوستافكا – وسط الأمطار الغزيرة. أما حيلة الشاطئ، التي أطلقت الاحتجاجات قبل أشهر، هي اليوم بعيدة لكن الصورة الواضحة التي قدّمتها لحكومة فاسدة تخرج مواطنيها من الممتلكات العامة لم تزل ماثلة في الأذهان. 

وفي الأشهر المقبلة، ومع استمرار البلغار في مقاومة فساد الدولة، ستتاح للأمريكيين فرصتهم الخاصة لفعل الشيء نفسه. إن رؤية الأعلام البلغارية ملفوفة على أكتاف المتظاهرين والتلويح بها بقوة في الشوارع هو تذكير بإمكانية استعادة الرموز الوطنية والحكومات نفسها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد