تشير البيانات التجارية الجديدة إلى أن النظرة المستقبلية للاقتصاد الأمريكي ستعتمد جزئيًا على معدل انتعاش الدول الأخرى، حسب ما يخلُص الكاتب الصحفي نيل ايروين في تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.

وأشار الكاتب في مستهل تقريره إلى أن الولايات المتحدة، ومن خلال إجراءاتها الصارمة للمساعدة في مكافحة الأوبئة وطرحها السريع للقاحات، تدفع الاقتصاد العالمي، ذلك أنها تعمل بوصفها مصدرًا للطلب في جميع أنحاء العالم.

التسرب المالي

وأوضح الكاتب أن الحكومة الأمريكية كانت تنفق المليارات؛ الأمر الذي أدى إلى ازدهار الطلب في الولايات المتحدة. ولكن كما تظهر البيانات التجارية الجديدة، فإن حصة كبيرة من هذه الأموال تتسرب إلى الخارج وتتجه نحو السلع المستوردة، فيما يسميه خبراء الاقتصاد «التسرب المالي».

وفي نهاية المطاف سوف تعتمد النظرة المستقبلية للاقتصاد الأمريكي على قدرة البلدان الأخرى على تولي زمام الأمور باعتبارها محركات للطلب العالمي في الأشهر المقبلة، وهو الاحتمال الذي لا يزال غير مؤكد.

Embed from Getty Images

ولفت الكاتب إلى أن أمريكا تشتري الكثير من الأشياء من الخارج، في وقت يمضي اقتصادها الذي غذّته خطة التحفيز قُدمًا، في حين لم تلحق بقية دول العالم بركبها حتى الآن وبدأت في شراء المزيد من الصادرات الأمريكية. ولهذا السبب كان العجز التجاري قد بلغ 68.9 مليار دولار في أبريل (نيسان)، منخفضًا من 75 مليار دولار في مارس (آذار) ، ولكنه كان أعلى بكثير من المستويات التي بلغت نحو 45 مليار دولار شهريًا قبل جائحة فيروس كورونا المستجد مباشرة. فالناس ينفقون أموالهم التحفيزية على الأثاث المستورد والأجهزة وغيرها من السلع.

صمام ضغط

وتابع الكاتب قائلًا: أحد الآثار هو أن بقية دول العالم تعمل باعتبارها صمام ضغط للقوى التضخمية التي تتراكم داخل الحدود الأمريكية. وإذا كنت تعتقد أن أسعار البنزين والخشب مرتفعة الآن، تخيل لو كانت الاقتصادات البطيئة النمو في أوروبا واليابان تتعافى بالوتيرة السريعة نفسها كما في الولايات المتحدة.

وقال موريس أوبستفيلد، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وكبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي: «التسرب المالي أمر لا مفر منه»، مضيفًا أنه «أمر مرغوب فيه إلى الحد الذي يخفف فيه الضغوط التضخمية إلى حد ما. ومرغوب فيه كذلك إلى حد أنه يساعد في تحفيز النمو في بقية العالم إلى حد ما، والتي يعود بعضها لمساعدتنا».

وألمح الكاتب إلى أنه يعكس محاولة تنقل جيو اقتصادية صعبة تحاول الولايات المتحدة اجتيازها بمهارة. ومن الأفضل للجميع أن تنضم بقية العالم لهذا الجهد وتكون قادرة على تعزيز الطلب العالمي، خاصةً بمجرد أن تفقد أموال التحفيز الأمريكية قوتها إلى حد كبير. ولكن إذا كان هذا الانتعاش سريعًا وقويًا للغاية، فسيؤدي ذلك فقط إلى جعل مشاكل التضخم واضحة بالفعل في عديد من الأسواق.

Embed from Getty Images

وعلاوة على ذلك تشمل بعض أكثر الأدوات فعالية توزيع اللقاحات على الصعيد العالمي، وليس السياسة الاقتصادية. ومن شأن نجاح التطعيم أن يساعد على إعادة العرض والطلب، سواء بالنسبة للسلع المادية أو بالنسبة للسياحة وغيرها من الخدمات، إلى مسارها الصحيح.

وتدير الولايات المتحدة عادة فائضًا تجاريًا كبيرًا في الخدمات، بما في ذلك البرمجيات وأفلام هوليوود والأعمال المصرفية، ولكن أكبر مجال منفرد لصادرات الخدمات قبل الجائحة كان السفر الدولي.

ووفقًا للحسابات الرياضية للاقتصاد العالمي، فإن السائح الأجنبي المقيم في الولايات المتحدة يقوم أساسًا بشراء صادرات الخدمات الأمريكية. وبلغت قيمة صادرات السفر 18 مليار دولار فقط في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2021، انخفاضًا من 67 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2019.

التحول نحو السلع

وتابع الكاتب: وفي غضون ذلك حوَّل المستهلكون الأمريكيون إنفاقهم بعيدًا عن الخدمات ونحو السلع. وفي الأشهر الأربعة الأولى من العام، كانت واردات السلع الاستهلاكية أعلى بنسبة 29%؛ مما كانت عليه في عام 2020، بزيادة قدرها 57 مليار دولار.

ونقل الكاتب عن كونستانس هانتر، كبير الاقتصاديين في مجموعة «كي بي ام جي» (KPMG) قوله: إن «الشيء الوحيد الذي يمكن أن يستهلكه الناس هو السلع. لا يمكن أن يكون لديك حفل زفاف، لا يمكنك الذهاب إلى مباراة بيسبول في ظل الجائحة. إذًا ماذا اشترى الناس؟ لقد اشتروا السلع، وهذا يمثل سوقًا عالمية أكثر من كونها خدمات». والواقع أن الولايات المتحدة والصين تعملان بوصفهما محركين للاقتصاد العالمي، في حين أن معظم بقية دول العالم أكثر تأخرًا في التعافي من الجائحة.

العالم والاقتصاد

منذ 10 شهور
«نيويورك تايمز»: كيف استطاع الاقتصاد الصيني ترويض فيروس كورونا؟

وفي تقرير النظرة المستقبلية للاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي في أبريل، فإن إجمالي الناتج المحلي الأمريكي عام 2021 كان يُتوقع أن يزيد بنسبة 3% عن مستواه في عام 2019، بينما كان من المتوقع أن تزيد الصين بنسبة 11% عن مستواها في عام 2019. لكن منطقة اليورو واليابان كانا يسيران على مسار انخفاض اقتصاداتهما بنسبة 2% مقارنة بعام 2019، مع توقع أن تكون كل من بريطانيا وكندا والبرازيل والمكسيك في منطقة سلبية.

واعتبر الكاتب أن هذا أمر مؤسف للأشخاص في تلك الأماكن التي تعاني من انتعاش بطيء، ولكن من المحتمل أن يساعد في الحفاظ على نقص الإمدادات في عديد من القطاعات حتى لا يكون الأمر أسوأ. والواقع أن النقص في أشباه الموصلات كان سببًا في عرقلة إنتاج السيارات؛ وأدى النقص في مواد البناء إلى تقييد بناء المساكن، وأدى نقص حاويات الشحن إلى ارتفاع شديد في الأسعار لنقل السلع عبر المحيطات.

قال ناثان شيتس، كبير الاقتصاديين في «بي جي أي إم فيكسد إنكوم» وأحد كبار الاقتصاديين الدوليين السابق في الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة الأمريكية: «إذا كان الجميع يحفزون اقتصاداتهم في وقت واحد، وكان الجميع يتمتعون بذروة النمو في وقت واحد، عندئذ سيحدث الكثير من التكدس».

ومن الاحتمالات الواعدة أن يجري تنتقل راية النمو الاقتصادي تدريجيًا في مختلف أنحاء العالم، بعد أن بدأت في عام 2020 في الصين، واستمرت خلال الجزء الأول من عام 2021 في الولايات المتحدة، ثم إلى أجزاء أخرى من العالم مع تلاشي أموال التحفيز الأمريكي. وهذا من شأنه أن يساعد الولايات المتحدة على تجنب حالة التعب الاقتصادي بعد التحفيز.

وقال شيتس: «إذا تخلَّفت أوروبا بمقدار ربع عام أو ربعين، وتخلفت الأسواق الناشئة عن أوروبا، فربما كان بوسعنا أن نحصل على انتعاش عالمي تدريجي حيث يكون النمو الذي نحصل عليه أمرًا جيدًا، من دون ممارسة ضغوط مفرطة على العرض في آن واحد».

Embed from Getty Images

ويرى الكاتب أن تباطؤ وتيرة التطعيم في أجزاء كثيرة من العالم يشكل خطرًا من جميع الجوانب. ويبدو أنه يعيق الإنتاج جوهريًا، مما يساهم في مشكلة التضخم في أمريكا، لافتًا إلى أن تفشي كوفيد-19 مؤخرًا، على سبيل المثال في مصنع رقائق تايواني، أوقف إنتاج منتج يعاني بالفعل من نقص في المعروض.

ويظهر بحث لصندوق النقد الدولي نُشر مؤخرًا أن خطة التطعيم الطموحة يمكن أن تجلب مكافآت قوية. ومن شأن تحقيق معدلات تطعيم عالمية بنسبة 40 % أن يضخ ما يعادل 9 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي من خلال السماح بعودة أسرع للتجارة العادية. وسيذهب 40% من المكاسب إلى الاقتصادات المتقدمة، مثل تلك الموجودة في الولايات المتحدة وأوروبا.

وهذا يعني، حسب ما يختم الكاتب، أن العجز التجاري الهائل في الشهرين الماضيين قد يتلاشى في الأشهر المقبلة، ولكن فقط إذا كان العالم بأسره قادرًا على البقاء بصحة جيدة، مع انتعاش النمو أيضًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد