منذ أن قمت بنشر كتاب عن عمر أمريكا من الصراعات التي لا يمكن الفوز بها منذ بضعة أسابيع مضت، طلب مني الإجابة عن مئات من الأسئلة حول مواضيع تتراوح بين تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى أوكرانيا، من المجمع الصناعي العسكري إلى سن الخدمة العسكرية.

ولكني لا أستطيع أن أتذكر أن شخصًا واحدًا سألني عن الحرب في أفغانستان.

يثير ذلك الدهشة بالنظر إلى أن الحملة العسكرية الأمريكية في أفغانستان لم تسفر فقط عن مقتل ما يقرب من 2500 شخص أمريكي، وإنفاق مئات المليارات من الدولارات، ولكنها أيضًا تترنح ما بين الجمود والخسارة، وتمثل الفصل الأخير في ملحمة أمريكا للصراعات المستعصية على الحل.

يبدو كما لو أن الأمريكيين وقعوا على اتفاق النسيان: جهد جماعي لمحو كل ذاكرة من الحرب في أفغانستان.

أفغانستان كانت يومًا ما الحرب الجيدة. البحث عن انتقام الصالحين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، ما يقرب من 90% من الجمهور الأمريكي دعم في البداية حملة لإسقاط نظام طالبان في كابول وتطهير البلاد من تنظيم القاعدة. لسنوات، وصف باراك أوباما أفغانستان كمركز الثقل في الكفاح ضد الإرهاب الدولي. في عام 2009، عمد أوباما إلى زيادة القوات الأمريكية في أفغانستان إلى ما يقرب من 100 ألف جندي. عبثًا، حاول المسؤولون الأمريكيون الفوز على الأفغان عبر مبادرات من قبيل نسخة أفغانية من شارع سمسم تسمى حديقة السمسم.

ثم تحولت الحرب الجيدة إلى أخرى سيئة. أصيب أوباما بخيبة أمل مع عدم إحراز تقدم في أفغانستان، وبحث عن الخروج من هناك بأسرع ما يمكن. بحلول عام 2011، خلص وزير الدفاع الأمريكي آنذاك روبرت جيتس إلى أن «كل شيء يدفعنا إلى الخروج». بعد عقد ونصف من الصراع، تحركت الجماهير وراء السأم من الحرب إلى نوع من فقدان الذاكرة.

على ما يبدو، توافق الأمريكيون على ميثاق النسيان. يعود المصطلح إلى وفاة الدكتاتور الإسباني فرانشيسكو فرانكو في سبعينات القرن الماضي، عندما قرر الأسبان أن أفضل طريقة للانتقال إلى الديمقراطية هي التوافق على عهد وميثاق لنسيان جراح الحرب الأهلية والاستبداد.

بالمثل، يحجب الأمريكيون تجربة مؤلمة في أفغانستان. يستغرق الأمر جهدًا لعدم التفكير في الحرب التي قتل فيها الآلاف من المواطنين. هناك رغبة عميقة لتغيير السرد الشعبي الذي كان يتحدث عن إنقاذ الأفغان. الآن يتم التركيز على العودة بالجنود الأمريكيين إلى الوطن، واختفى الأفغانيون من القصة.

تشير استطلاعات الرأي إلى أن التأييد الشعبي للحرب انخفض إلى مستويات قياسية في عام 2013. وعلى نحو مكشوف، لم يشهد عام 2015 أي استطلاعات عن أفغانستان. وسائل الإعلام أيضًا تحولت بعيدًا عن الحرب. انخفض عدد المقالات التي يرد فيها ذكر “أفغانستان” في صحيفة نيويورك تايمز إلى النصف تقريبًا خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2015 مقارنة بنفس الفترة من عام 2012.

بدلًا من ذلك، يتناقش الأمريكيون حول البدء في حرب شاملة ضد داعش، وهي جماعة إسلامية وهابية في منطقة إستراتيجية على الحدود مع إيران. يبدو أن القليل قد لاحظ أن الولايات المتحدة هي بالفعل في حالة حرب مع جماعة وهابية إسلامية في منطقة إستراتيجية على الحدود مع إيران: حركة طالبان في أفغانستان.

غالبًا ما تنتهي الحروب الصعبة بميثاق النسيان. عندما سقطت سايجون في يد القوات الشيوعية في عام 1975، قال الصحفي مارثا جيلهورن: «فقدان الذاكرة التوافقي كان رد الفعل الأمريكي، وهو رد فعل فوري تقريبًا، إلى حرب فيتنام». في جزء منه، نسيان فيتنام كان جهدًا باطنيًّا لتجنب الألم. ولكنه كان أيضًا محاولة متعمدة للغاية للتخلص من الحرب في محاولة لإيداع التجربة برمتها إلى النسيان.

في حالة أفغانستان، لم تتغيرالأهداف الأساسية للولايات المتحدة في أفغانستان كثيرًا مع مرور الوقت: وقف الإرهابيين الدوليين من استخدام البلاد كقاعدة، وتجنب زعزعة استقرار باكستان المجاورة. الالتزام الأمريكي بالحملة، مع ذلك، ارتفع وتحطم مثل الموجة.

خلال فترة أوباما الأولى، فاق حجم التدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان المصالح الأمريكية. وكانت تعزيزات القوات ضرورية في عام 2009 لوقف تقدم طالبان. ولكن مضاعفة الإدارة السريعة للقوات الأمريكية لثلاثة أضعاف كان خطوة غير متوافقة مع الطبيعة المحدودة للأهداف الرئيسية للرئيس في البلاد. نشر البيت الأبيض 100 ألف جندي في بلد ربما لا يحتضن سوى 100 من أعضاء تنظيم القاعدة.

 

ولكن الآن، وبينما تبددت هذه الموجة من التزام الولايات المتحدة، يواجه الأمريكيون الخطر المعاكس: نسيان الحرب ومقاومة الاستثمار المتواضع إلى حد ما في المساعدات لأفغانستان، والتي يمكن أن تحدث تغييرًا ذات مغزى في نتيجة الصراع. على سبيل المثال، وعدت الولايات المتحدة وحلفاؤها بتمويل قوات الأمن الأفغانية، وهو الالتزام الذي يجب أن يمتد حتى نهاية العقد الحالي.

لا تتجاوز تكلفة القيام بذلك حاجز 5 مليار دولار سنويًّا، وهي قيمة ضئيلة إذا ما قورنت بالمبالغ التي ضختها الولايات المتحدة في أفغانستان في عام 2011، والتي تتخطى 100 مليار دولار. ويوجد حاليًا 10 آلاف جندي أمريكي في أفغانستان للقيام بمهمة التدريب ومكافحة الإرهاب، من المتوقع أن يجري سحبهم من الأراضي الأفغانية بحلول عام 2016.

سيكون من الأفضل لبضعة آلاف من الجنود البقاء وتدريب الأفغان بعد عام 2016. بدون هذه الاستثمارات، ما هي التوقعات بالنسبة لأشرف غاني وتجربة عبد الله عبد الله في حكومة موحدة في كابول؟ هل يمكن لقوات الأمن الأفغانية البقاء على قيد الحياة؟

فقدان الذاكرة يمكن أن يكون إستراتيجية فعالة للمواجهة. نيتشه قال بأن من المفيد «إغلاق أبواب ونوافذ الوعي لبعض الوقت».

غير أن محو تجربة سلبية للحرب قد تمنع مناقشة مفتوحة وصادقة حول كيفية إنقاذ الحملة واستيعاب دروسها قبل ارتكاب ذات الأخطاء مرة أخرى. ننسى حتى نتمكن من تخفيف الألم. ولكن الألم هو كيف نتعلم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد