كتبت الصحافية البريطانية ليز كوكمان المقيمة في أنقرة والمهتمة بالشؤون التركية، مقالًا نشر في موقع صحيفة «الجارديان» البريطانية حول جدوى توطيد علاقات المملكة المتحدة بكل من تركيا وأمريكا. وقالت في افتتاحية مقالها: «سوف تحتاج بريطانيا بشدة إلى أصدقاء بعد البريكست، وهذا ما يمكننا أن نراه من خلال زيارات رئيسة الوزراء تيريزا ماي إلى واشنطن وأنقرة في جولة إلى قادة العالم المشكوك في أمرهم، وبين حظر دونالد ترامب للمسلمين وتوسع رجب طيب أردوغان في حملات قمع معارضيه، فهل حقًا نحتاج إلى أصدقاء مثلهم؟».

وتقول كوكمان أن الأتراك يتابعون الأيام الأولى الصادمة لـ«ترامب» في البيت الأبيض ويعلقون بجملة وحيدة: «أهلًا بك في عالمنا أيها المتآمر»، فأسلوب إلقاء اللوم على القوى الخارجية في كل ما يحل بالبلاد من مشاكل، ومهاجمة الإعلام، واستخدام الدين أداةً للتقسيم، والاستخدام الكثيف لكلمة «إرهابي»، كل ذلك مر به الأتراك من قبل.

وترى الكاتبة أنه من الحكمة اعتبار دخول تركيا في دوامة الاستبداد تنبيهًا لما يمكن أن يحدث إذا لم يقف العالم ضد «ترامب». وتضيف أن كل الأشياء التي يخاف البعض أن يرتكبها «ترامب»، فإن «أردوغان» على الأغلب قد ارتكبها، فهؤلاء المصابين بعقد الأنانية يهمهم السلطة أكثر من تعزيز بلادهم، فهم أشخاص لا يمكن لـ«ماي» أن تتعاون معهم تجاريًّا.

«إنه من السهل أن تقرأ بعض المقالات عن تركيا في أي مكان في العالم، وتبدأ بالتعليق في كل منافذ الرأي بجملة مثل استيقظوا إن أردوغان ديكتاتور، ولكن انظر إلى الولايات المتحدة فهكذا تبدأ الديكتاتورية، بالزحف البطيء للسيطرة على العقول، وبالتقسيم والقهر»، وتحذر كوكمان القراء بألّا ينسوا أنه لم يمر وقت طويل على اعتبار تركيا منارة الديموقراطية في الشرق الأوسط، ولكن خلال سنوات قليلة تسببت المغالاة في ذلك بالإضافة إلى نشر الخوف والذعر، في تعزيز «انحدار» البلاد نحو التأسلم، وولّدت نوعًا من دولة «الأخ الأكبر» التي ظن الأتراك أنهم تركوها خلفهم في الأيام المظلمة التي تلت انقلاب 1980.

وتشير الصحافية إلى أن تركيا الآن تكمم أفواه معارضيها بالقبض عليهم، حتى أنها وجهت إليها اتهامات باستخدام التعذيب والعنف وحتى الاغتصاب. وأدت حملة التطهير التي قادها «أردوغان» إلى تسريح الآلاف من وظائفهم بالاستناد إلى أدلة ضعيفة، تزعم أنهم دعموا الفصيل الحكومي الذي قام بمحاولة الانقلاب الفاشلة في العام الماضي، وظل هؤلاء دون وظائف أو دعم مادي، حتى انتشرت أخبار الانتحار. وأصبحت الثيمة الجديدة الملازمة لتركيا هي أنها الدولة الأكثر سجنًا للصحفيين.

مواطنون أتراك يمنعون دبابة من المرور في محاولة الانقلاب الفاشلة

«ومع ذلك فإن رئيسة الوزراء آثرت الصمت، بل أصبحت طرفًا في صفقة مع أردوغان، قيمتها 100 مليون يورو لمقاتلتين بحريتين. فاجتماعها مع قائدين مثل ترامب وأردوغان بعث رسالة قوية وواضحة بأنها ما دامت المملكة المتحدة يمكنها جني الأموال، فافعلوا ما تشاؤون داخل بلادكم». وأقرب صورة لذلك هي الإدانة الضعيفة من قبل «ماي» لقانون «ترامب» بحظر دخول مسلمي 7 دول إلى الولايات المتحدة، وترى الكاتبة أن ذلك يعتبر صوتًا مؤيدًا للرئيس الجديد يسمح له باستخدام العنف والقهر.

وتقول كوكمان أن التشابهات بين «ترامب» و«أردوغان» لا تقف عند حد استخدام العنف، حيث استخدم كلاهما خطابًا وطنيًا إلى حد القومية، وكلاهما يقف ضد الإجهاض، بالإضافة إلى سمعتهما «السيئة» في ميلهم إلى تشييء المرأة، وسوء فهمهما لحركات المساواة بين الجنسين «النسوية». وأعطى كلا الزعيمين لأزواج بناتهم مناصب مهمة، وأخيرًا كلاهما لا يتمتع بسعة الصدر فيما يخص الانتقادات خصوصًا تلك التي يطلقها مقدمو البرامج الكوميدية أو الصحفيون.

ويتشابه الرئيسان في مواقفهما من المنافذ الإعلامية، فأي فرد قضى وقتًا في تركيا يمكنه ببساطة تمييز ما يقوم به «ترامب» تجاه الصحافة، حيث استنكر «التغطية السلبية» لعدد من الصحف، منها مثلا «نيوورك تايمز» التي وصفها بـ«الأخبار المزيفة». كما تتشابه بعض الصحف الأمريكية والتركية في عناوينها، فمثلًا، صحيفة «بيريتبارت»، حيث «ستيف بانون» كبير مستشاري ترامب هو أحد مؤسسيها، ظهر على صفحتها الأولى يوم السبت الماضي تزامنًا مع التظاهرات المعترضة على قرار حظر «ترامب» للمسلمين، عنوان هاجمت فيه المتظاهرين كان نصه: «مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية المرتبط بالإرهاب يخلق الفوضى ويقود التظاهرات والدعاوى القضائية في حين يحمي ترامب الشعب»، وتشير الكاتبة إلى أن مثل هذه الأساليب يبرع فيها «أردوغان» حيث يربط المعارضة بالإرهاب ويمجد القائد القوي. واصفة تركيا بأنها بلاد «الحقائق البديلة».

وتضيف كوكمان: «الدولة التي تجعل الإعلام هو عدوها، هي دولة يسهل على سلطتها التلاعب بالشعب. وتتحدث الكاتبة عن أحوال الصحفيين في تركيا، فتقول: «الصحفيون في تركيا إذا لم يتبعوا خطى الحكومة في التعبير عن الأحداث القائمة، فإنهم يلعبون على خيط رفيع بين تغطية الأحداث وبين عدم تغطيتها بشكل كافٍ خشية القبض عليهم»، وعن أحوال الصحفيين الأجانب هناك تقول كوكمان: «حتى الصحفيين الأجانب ذوي الرقابة الذاتية، يتأكدون مرتين من عدم وجود إهانات غير مقصودة في كتاباتهم قد توقعهم في الهلاك، فهم يرتجفون حينما يدق جرس أبوابهم على حين غرة، ويتساءلون في كل مرة يخرجون فيها من البلاد إذا ما كانوا سيمكنهم الدخول إليها مرة أخرى».

ووجهت الصحافية دعوة قالت فيها: «نحن نحتاج إلى الوقوف ضد تشويه الصحافة الحرة في الولايات المتحدة قبل فوات الأوان»، وأضافت أن «أردوغان» لم يعد يصلح لقيادة تركيا، كما لا يصلح «ترامب» لقيادة أمريكا، فهم يغيرون من هوية بلادهم.

«المفارقة أن الانضمام المحتمل لتركيا إلى الاتحاد الأوروبي استخدم ضمن الدوافع الأساسية للبريكست، ومن المحتمل أن يكون أيضًا موضوعًا أساسيًا في خطواتنا نحو مغادرة الاتحاد الأوروبي». وتعود لتتساءل كوكمان «هل العزلة والمزيد من التطرف الذي يمكن أن نواجهه إذا ما أدرنا ظهورنا إلى مثل هؤلاء القادة، هي دوافع لأن نضع أيدينا في أيديهم حرفيًا؟».

وتختم ليز كوكمان مقالها بأن الصمت والتعاون ودعوة قادة مثلهم إلى زيارة بريطانيا، يمدهم بمزيد من القوة. ما تصفه بالـ«التواطؤ»، وتدعو حكومتها بأن الوقت حان ليقفوا أمام هؤلاء.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد