انتخاب «ترامب» يعكس تنازل الولايات المتحدة عن قيادتها للغرب، وطالب الكاتب الدول الغربية بمزيد من الاهتمام بالفكرة الأوروبية والاستعداد للمهام الجسيمة في المستقبل

لا تزال أصداء انتخاب «دونالد ترامب» رئيسًا جديدًا للولايات المتحدة تسيطر على الدوريات الغربية والعالمية، خاصة في ظل المخاوف التي تنتاب البعض من التبعات التي قد ترافق تنفيذ الوعود الانتخابية للرئيس الأمريكي المنتخب.

مقال نشرته النسخة الدولية لصحيفة «دير شبيجل» الألمانية واسعة الانتشار للصحفي الألماني »ديرك كوربيوفايت»، أشار إلى أن انتخاب «ترامب» يعكس تنازل الولايات المتحدة عن قيادتها للغرب، وطالب الكاتب الدول الغربية بمزيد من الاهتمام بالفكرة الأوروبية والاستعداد للمهام الجسيمة في المستقبل.

استهل الكاتب المقال بقوله: «حتى التاريخ يميل أحيانًا نحو الشفقة. في يناير (كانون الثاني) عام 2017، عندما يؤدي دونالد ترامب اليمين الدستورية ليصبح الرئيس الـ45 للولايات المتحدة، فإن العصر الأمريكي سيحتفل بذكراه المائة وجنازته في نفس الوقت».

وأضاف الكاتب أن الغرب تشكل في شكله الحديث في يناير (كانون الثاني) عام 1917. في ذلك الوقت كانت الحرب العالمية الأولى مستعرة في أوروبا وفي واشنطن العاصمة كان الرئيس «وودرو ويلسون» يخبر بلاده أن الوقت قد حان بالنسبة للأمريكيين لتحمل المسؤولية عن «السلام والعدالة».

في أبريل (نيسان) 1917 قال الرئيس الأمريكي: «يجب أن يصبح العالم آمنًا لتحقيق الديمقراطية». وأعلن الحرب على ألمانيا وأرسل الجنود إلى أوروبا لضمان تحقيق الفوز للديمقراطيات الغربية، وتولت الولايات المتحدة قيادة العالم الغربي. وكانت مرحلة مبكرة من العولمة السياسية.

بعد مائة عام: ترامب

قال الكاتب عن «ترامب» إنه لا يريد العولمة. وهو أيضًا «ترامب» الذي يبشر بالقومية الأمريكية، والعزلة، والانسحاب الجزئي من التجارة العالمية، وعدم تحمل أي مسؤولية عن مشكلة عالمية مثل تغير المناخ. وكل هذا بعد حملة انتخابية تميزت بالعنصرية والتحريض.

وأضاف الكاتب أن كرامة الإنسان هي حجر الزاوية في المشروع الغربي. في أعقاب الثورات في فرنسا والولايات المتحدة في أواخر القرن الثامن عشر، بدأت الدول في العمل على ضمان حقوق الإنسان لأول مرة.

حقوق الإنسان لها طابع معياري، كما يقول «هاينريش أغسطس ينكلر» في كتابه الضخم «تاريخ الغرب».  والعنصرية لا يمكن أن تجسد هذا المشروع المعياري. «ترامب» لا يوجد لديه الشعور بالكرامة – لا لنفسه ولا الآخرين. هو ليس زعيمًا مؤهلًا للعالم الغربي، لأنه على حد سواء غير راغب وغير قادر على تحمل هذا الدور، بحسب ما ذكر الكاتب.

وتابع الكاتب بقوله: «إننا نواجه الآن الفراغ – الخوف من الفراغ. ماذا سيحدث للغرب، لأوروبا، لألمانيا بدون الولايات المتحدة باعتبارها القوة الرائدة؟ ألمانيا هي طفل الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، جاءت إلى الحياة مع السخاء الأمريكي وهي الآن في حالة صدمة عميقة. كان الرئيس الأمريكي دائمًا رئيسنا، وبشكل أقل، كان باراك أوباما رئيسًا يستحقه الغرب. الآن، وعلى الرغم من ذلك، يجب أن نتصالح مع عدم وجود قيادة غربية».

تساءل الكاتب بقوله: كيف كانت الأعوام المائة السابقة؟

وأجاب بقوله إن تاريخ الغرب الحديث يمكن أن نحكي عنه في نواحٍ كثيرة: قصة بطولة، وقصة طمع، وقصة خوف. هذا المقال هو عن 100 سنة من الخوف، لا سيما الخوف من أجل حرية الغرب، وجنون العظمة الأمريكي العريق الذي انتشر إلى بقية الغرب.

بحسب الكاتب، لا تستخدم كلمة جنون العظمة هنا بدلالة سلبية. وإنما نتحدث عن الخوف بوصفه حصنًا يحمي الغرب من الخطر. وهناك مخاوف جيدة ومخاوف سيئة.

الرابط الذي وحد المجتمعات

أشار الكاتب إلى أنه تحت القيادة الأمريكية، كانت الديمقراطيات الموحدة ناجحة تمامًا في الاستغناء عن الأنظمة المنافسة. هزمت هذه الديمقراطيات الإمبراطورية الألمانية المحافظة والنمسا والمجر في الحرب العالمية الأولى. وفي الحرب العالمية الثانية، قضت على الأنظمة الفاشية في الرايخ الألماني وإيطاليا. في الحرب الباردة، ضيقت الخناق على الاتحاد السوفيتي الشيوعي حتى نهايته.

وفي بداية التسعينيات، كان الفائز من التاريخ واضحًا: الغرب.

ما الذي جعل الغرب قويًا جدًا؟

وفقًا للكاتب يرجع ذلك من ناحية إلى الحرية ذاتها. كان اقتصاد السوق متفوقًا بوضوح على الأشكال الاقتصادية التي كان يسيطر عليها بشكل مباشر من قبل الدولة. في مسرح خال من الحرب، تفوق الغرب بتقديم أفضل المنتجات وزاد ثراءً، جنبًا إلى جنب مع القوة للفوز في الحروب وسباق التسلح.

وقال الكاتب إن الخوف من فقدان الحرية كان الرابط القوي الذي وحد المجتمعات معًا. بالطبع كانت هناك مناقشات ومظاهرات غاضبة، وكان هناك بعض الذين فضلوا أن يكونوا شيوعيين، ولكن كان من الممكن دائمًا تأسيس أغلبية حول الإجماع الغربي الأساسي: سنحافظ على حرياتنا في الداخل والخارج، وقد نعمل حتى على توسيعها.

وحدت هذه الفكرة أيضًا البلدان معًا. تحت القيادة الأمريكية، وتحت الدرع النووي الأمريكي، كانت هذه البلدان الغربية قوية وموحدة نسبيًا.

وأضاف الكاتب أن فترة التسعينيات كانت الفترة الأكثر سعادة للغرب. نما العالم الديمقراطي، وتبدد الخوف من أجل الحرية إلى الأبد. لم يعد هناك قوة كبرى تتحدى الحرية.

هجمات سبتمبر والعودة للوراء

حتى 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بدأ كل شيء في العودة مرة أخرى. هاجم إسلاميون متشددون عاصمة الحرية؛ نيويورك، ومبنى وزارة الدفاع (البنتاجون) في واشنطن العاصمة واستمر الإرهاب بلا هوادة منذ ذلك الحين.

وفقًا للكاتب، يسود الخوف الآن أكثر من أي وقت مضى، لكنه ليس مجرد الخوف من الإرهاب. إنه ليس أيضًا الخوف من فقدان الحرية، كما كان في الماضي، ولكن الخوف من الحرية نفسها. هذه هي النقلة النوعية التي مهدت الطريق للرئيس الأمريكي المنتخب إلى البيت الأبيض، وفقًا لما ذكره التقرير.

أشار الكاتب إلى أنه كان هناك دائمًا نوعان من الخوف في المجتمعات الغربية في الوقت ذاته. التمتع بالحرية والخوف عليها، يجري الدفاع عن الحرية ومحاربتها في آن واحد.

وهذا هو السؤال؛ أي خوف يسيطر على المجتمع، وأي توجه يسيطر على السلطة؟

ذكر التقرير أن الخوف من الحرية يمكن أن يأخذ العديد من الأشكال. هناك أيضًا الخوف من حرية المرء، ولكن عادة ما يكون هناك الخوف من حرية الآخرين. قال الوجودي الفرنسي «جان بول سارتر»: الجحيم هو الآخرون، إن كانوا أحرارًا، كما قد يضيف أحدهم.

بحسب الكاتب، فإن الرجال البيض وبشكل خاص كبار السن منهم يُنظر إليهم على أنهم هم من صنعوا «ترامب»، دعمت هذه الفئة بشكل كبير الرئيس الأمريكي خلال الحملة الانتخابية.

وفقًا للكاتب، كان من الخطأ ترك هؤلاء الرجال والنساء اللواتي يفكرن بتلك الطريقة أمام مخاوفهم وحدهم، دون أخذ تلك المخاوف بجدية.

ولأول مرة، أتاحت شبكة الإنترنت انتشارًا واسعًا لهذا الغضب، مما أتاح له الوصول إلى جمهور أوسع وتضخيم أصوات الخائفين والغاضبين. عندما نصب «ترامب» نفسه على رأس هذه الحركة من الغضب، وجد الدعم اللازم ليصبح رئيسًا للبلاد. ومن المتوقع منه الآن الحد من الحريات، بما في ذلك التجارة الحرة والهجرة.

كثير من الأمريكيين، خصوصًا أفراد الأقليات، يخشون مرة أخرى من أجل حريتهم، ولكن هذه المرة يأتي التهديد من الداخل. إنهم يخشون من أنهم سوف يواجهون المزيد من التمييز ضد ثقافتهم وأساليب حياتهم تحت رئاسة «ترامب».

ميركل والقيادة الجديدة

قال الكاتب إنه في أوروبا الغربية، لم يتمكن الخوف والغضب بعد من دفع أحد ممثليهم إلى مكتب رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية، رغم أن هذا قد يحدث في الانتخابات الرئاسية في النمسا في أوائل ديسمبر (كانون الأول) 2016.

لطالما كانت أمريكا معيارًا للغرب. ولكن إذا حكم «ترامب» كما وعد خلال الحملة، فإن أرض الأحرار ستتخلى عن دورها زعيمًا للعالم الحر. ثم، سيكون دور أوروبا. القارة يجب أن تقاوم الشعوبية، مع مزيج ذكي من أخذ المخاوف على محمل الجد ومواجهة الغضب، ولكن من دون الحد من الحريات، وفقًا لما أورده الكاتب.

شدد الكاتب على أنه قد حان الوقت لأن تضع أوروبا المزيد من التركيز على الاتحاد الأوروبي. قيل هذا وكتب بشأنه آلاف المرات بالفعل، ولكن ربما ستساعد صدمة «ترامب» على ضمان أن يحدث ذلك في نهاية المطاف.

لسوء الحظ، فإن أوروبا في شكلها الأسوأ منذ عقود. البريطانيون يغادرون الاتحاد الأوروبي، وذلك جزئيًا بسبب الخوف من حرية الآخرين، وحرية الإقامة في بريطانيا العظمى. العديد من الحكومات تؤكد على الانقسام بدلًا من القضايا الموحدة. دول أوروبية تنفصل بعيدًا.

وأوضح الكاتب أنه بمعنى آخر، يمكن للاتحاد الأوروبي القيام بذلك لفترة طويلة. في السنوات المائة التي كانت خلالها الولايات المتحدة قوة وقائية ورائدة في الغرب، مضى حلفاؤها في مسار مريح نسبيًا. كان لديهم متسع من وقت لمتابعة الفكرة الأوروبية.

حافظت كل بلد على علاقتها الخاصة بها مع الولايات المتحدة، والجميع اعتمد على سلاحه في حال حدوث طارئ. الآن، سوف يتعين على أوروبا أن توفر أمنها، وذلك في وقت يوجد فيه «فلاديمير بوتين»، وتنظيم«الدولة الإسلامية» (داعش).

واختتم الكاتب بقوله: «قادة الغرب، باستثناء أمريكا، سيواجهون مهامَّ ضخمة في المستقبل. وهي مهام المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. إنها تمثل دولة قوية ولها قاعدة أخلاقية قوية، كما كان واضحًا في أزمة اللاجئين. لا يجب عليها أن تكون زعيمة كوورد ويلسون، لكنها يجب أن تصبح زعيمة لأوروبا. وإذا لم تصبح كذلك، فإن ذلك يعني أنها لم تدرك إشارات الأزمنة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد