قال كل من مارك مورو وجاكوب وايتون في مقال لهما على موقع معهد «بروكنجز» إن الاقتصاد الأمريكي يشهد فجوات كبيرة في سنوات دونالد ترامب.

وأوضح الكاتبان أن الاستياء العرقي والثقافي كانا السببين الرئيسيين لصعود الشعبويين من أمثال ترامب، لكن من الواضح أيضًا أن الحزبين التقليديين يسيطران على قطاعات مختلفة من الاقتصاد الأمريكي. تعتمد المناطق الجمهورية في البلاد على الصناعات «التقليدية» الأقل مهارة وإنتاجية مثل الصناعات التحويلية واستخراج الموارد، في حين تضم المناطق الديمقراطية، ومعظمها في المناطق الحضرية، تجمعات كبيرة من الخدمات المهنية والرقمية عالية التقنية في البلاد.

ولكن تلك الاقتصادات تتباعد بسرعة. في الواقع، تشهد اقتصادات الحزبين تحولات جذرية في الوقت الراهن. إن هذا المقال هو أحد أهم الحلول للتحليل الجديد للبيانات، وقد أعده الكاتبان بالتعاون مع آرون زيتنر ودانتي تشيني من صحيفة «وول ستريت جورنال».

ماذا تظهر الأرقام الجديدة بالضبط؟ استنادًا إلى البيانات الاقتصادية القياسية المرتبطة بالنتائج الأخيرة للخريطة الانتخابية التي قاموا بتتبعها على مر الزمن، يصور التحليل، المشترك قبل كل شيء، السرعة القصوى التي تتغير بها اقتصادات مناطق الحزبين في هذا العقد.

إن بعض التغيير مألوف بالفعل استنادًا إلى كيفية تطور خريطة نتائج تصويت الكونجرس في العقد الماضي:

في الدورة 111 للكونجرس في عام 2008، بلغت نسبة أصوات الديمقراطيين في أغلب الأحيان في المناطق الحضرية 39% من مساحة الأراضي الأمريكية مقارنة بـ61% من المناطق الجمهورية. وبحلول الدورة رقم 116، انخفضت حصة الديمقراطيين إلى 20% من الخريطة، وارتفعت حصة الجمهوريين إلى 80% من مساحة البلاد. تشير هذه الأرقام إلى التغير الاقتصادي، وتعكس أيضًا تقنين الأراضي وانخفاض الكثافة السكانية في المناطق الريفية.

تظهر البيانات الاقتصادية والديمغرافية أن سلسلة من التحولات الحقيقية كانت تحدث بسرعة شديدة خلال العقد الماضي – يشير الكاتبان. وهذه التحولات تغير بشكل كبير الهويات الاقتصادية للحزبين.

في غضون 10 سنوات فقط، انتقل الحزبان من شبه اتفاق على تدابير الرخاء والدخل إلى التباعد الصارخ السريع والمتزايد.

مع ارتفاع إنتاجيتها نتيجةً لميل المدن الكبيرة لاقتصاد الطرف المنتصر، شهدت المناطق الديمقراطية ارتفاع متوسط دخل الأسر في عقد من الزمن – من 54 ألف دولار في عام 2008 إلى 61 ألف دولار في عام 2018. على النقيض من ذلك، بدأ مستوى الدخل في المناطق الجمهورية أعلى قليلاً في عام 2008، لكنه انخفض بعد ذلك من 55 ألف دولار إلى 53 ألف دولار.

تكمن وراء هذه التغييرات تحولات جذرية في الأداء الاقتصادي – ينوه الكاتبان. فقد شهدت مناطق التصويت الديموقراطي نمو إجمالي الناتج المحلي لكل مقعد بمقدار الثلث منذ عام 2008، من 35.7 مليار دولار إلى 48.5 مليار دولار لكل مقعد، في حين شهدت الدوائر الجمهورية انخفاض إنتاجها بشكل طفيف من 33.2 مليار دولار إلى 32.6 مليار دولار.

عند إلقاء نظرة أعمق، نرى أن التحولات الكبيرة في جغرافيا الصناعة وتكوينها هي التي تقود التغييرات في هوية الحزبين. يرجى مراجعة مصفوفة اتجاهات السنوات العشر الموضحة أدناه:

على سبيل المثال، زادت مرونة المناطق الديمقراطية في العقد الماضي. بشكل عام، شهدت المناطق «الزرقاء» ارتفاع إنتاجيتها من 118 ألف دولار للعامل الواحد في عام 2008 إلى 139 ألف دولار في عام 2018، حيث إن التغييرات الديموغرافية والفرز الانتخابي الأخير ضمن لها أن تصبح أفضل تعليمًا وأكثر حضرية. على النقيض من ذلك، تظل إنتاجية الجمهوريين عالقة عند حوالي 110 ألف دولار، مما يعكس تحسينات طفيفة فقط بين الحاصلين على درجة البكالوريوس.

والمذهل في ذلك – يضيف الكاتبان – تزيد المناطق الديمقراطية من هيمنتها بسرعة على الخدمات المهنية والرقمية في المدن، بينما تتنازل عن حصصها التاريخية الريفية في أنشطة التصنيع والتعدين الزراعي. منذ عام 2008، ارتفعت حصة الدوائر الديمقراطية من العمالة في الخدمات المهنية والرقمية من 63.7% إلى 71.1%، في حين تقلصت حصتها من أنشطة الصناعات التحويلية والاستخراجية في البلاد من 53.8% إلى 43.6 % و46.1% إلى 39.5% على التوالي.

وعلى العكس من ذلك، تحولت المناطق الجمهورية – التي فشلت باعتبارها مجموعة في المنافسة في القطاعات الجديدة – إلى مناطق «تقليدية» أكثر. فقد هبطت نسبة العمالة المهنية والرقمية في الدوائر الحكومية من 36.3% إلى 28.9% في 10 سنوات فقط في حين ارتفعت حصتها في قطاعي التعدين والزراعة من 46.2% إلى 56.4% و53.9% إلى 60.5% على التوالي.

تزامنت هذه التحولات مع تغيرات ديموغرافية مثيرة – يواصل الكاتبان حديثهما. ففي عقد من الزمان فقط، أصبحت الدوائر الديمقراطية أفضل تعليماً وأكثر تنوعًا على نحو لافت للنظر. على سبيل المثال، زادت نسبة الحاصلين على درجة البكالوريوس في الدوائر الانتخابية للديمقراطيين من 28.4% في عام 2008 إلى 35.5%.

في المقابل، زادت نسبة الحاصلين على درجة البكالوريوس في الدوائر الانتخابية للجمهوريين بالكاد على 26.6% وغلب عليها أصحاب البشرة البيضاء وكبار السن. لذلك، لا يمثل أي حزب نفس الأماكن التي شغلها قبل 10 سنوات فقط. على هذا النحو، فإن الحزب الديمقراطي راسخ الآن في المناطق المزدهرة، ولكن غير المتكافئة للغاية، في حين يعتمد الحزب الجمهوري على العجائز والمجتمعات الريفية التي تعتمد على التصنيع في فترات الركود الاقتصادي.

يرى الكاتبان أن التحولات الحادة الحالية لن تستمر. يبدو أن تركيز أكثر من 70% من اقتصاد الخدمات المهنية والرقمية في يد حزب واحد يسبب درجة غير مستدامة تقريبًا من الاستقطاب.

في الوقت نفسه، لا توجد أي علامات على انسداد هذه الفجوة. بل إن الاتجاهات الاقتصادية الحالية تعزز التقسيم الحالي. لذلك، يبدو أن الأمة مقدر لها أن تكافح مع الانقسامات الاقتصادية والإقليمية والسياسية الشديدة التي يتصارع حولها الحزبان بشأن القضايا الاقتصادية والاجتماعية، مثل الابتكار والهجرة و التعليم. لا يقتصر الأمر على تمسك الحزبين بوجهات نظر مختلفة تمامًا، ولكنهما يسكنان اقتصادات وبيئات مختلفة بشكل متزايد.

ولكن ربما تكون هناك نقاط التقاء ممكنة. فربما يجد الحزبان سببًا مشتركًا في «مستقبل العمل» في وقت ينتشر فيه الخوف من الذكاء الاصطناعي وانتشار الأعمال الخطرة في المكاتب وكذلك المصانع والمستودعات. ربما يكون الديمقراطيون الذين يشعرون بالقلق من تغير المناخ والجمهوريون الذين سئموا من أضرار العواصف في الغرب الأوسط وعلى طول ساحل الخليج قادرين على العمل معًا. وبالنسبة لهذه المسألة، ربما يصبح الحزبان قريبًا قلقين بدرجة كافية بشأن التباينات الإقليمية والاقتصادية الهائلة التي نشهدها اليوم.

العالم والاقتصاد

منذ 10 شهور
«الجارديان»: أمريكا لم تعد أرض الحرية.. بل نظام احتكاري مفترس

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد