في يوم السابع عشر من يناير (كانون الثاني) عام 2016، لاحظ سويسريون من هواة تتبع حركة الطائرات أن طائرة بوينج 737 مملوكة للجمهورية الإيرانية الإسلامية تقف في ممر مطار جنيف. درجت الطائرة على الممر بمحاذاة طائرة تابعة للقوات الجوية الأمريكية، وطائرة جولفستريم نفاثة من الطراز «في»، قبل أن تقلع في سماء سويسرا.

في وقتٍ لاحقٍ من اليوم نفسه، أعلنت إدارة أوباما أن أربعة أمريكيين كانت إيران تحتجزهم بدعوى «تهديدهم الأمن القومي، ومن ضمنهم مراسل صحيفة «واشنطن بوست»، جيسون رضائيان، قد أُطلق سراحهم».

ما لم تذكره الإدارة الأمريكية، هو أن إيران استعادت في اليوم ذاته 400 مليون دولار كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة قد أصرّت على تجميدها بعد الثورة الإيرانية على الشاه محمد رضا بهلوي، قبل أن تسلّمها إدارة أوباما في تحرّك اعتبره الكثير من المشرّعين والدبلوماسيين الأمريكيين «فدية» دفعتها الحكومة الأمريكية مضطرة لإنقاذ رعاياها المحتجزين في أرض الخُميني. في تقريرهما بصحيفة «وول ستريت جورنال»، يتتبع «جاي سلومون» و«كارول لي» قصة صراع السبعة والثلاثين عامًا بين إيران والولايات المتّحدة على دولارات الشاه المجمّدة.

التسليح الأمريكي في عهد الشاه.. والثورة تقلب الطاولة

تبدأ القصة في عهد شاه إيران، محمد رضا بهلوي، حين كانت واشنطن ترى طهران جزءًا حيويًا من إستراتيجيتها الهادفة إلى تأمين الخليج الغني بالنفط، وإحباط الطموحات السوفييتية في الشرق الأوسط. وقتها، كانت إيران أكبر مشترٍ للأسلحة الأمريكية في العالم؛ بتعاقدات معٍ شركات الدفاع الأمريكية مثل «بوينج» و«روكويل إنترناشونال»، لتزويد قوات الشاه بالسلاح.

في المقابل، أودعت حكومة إيران مئات الملايين من الدولارات في صندوق أمانات الكونجرس الأمريكي، من أجل ضمان استمرار تدفق التسليح الأمريكي إلى إيران.

كان هذا بالطبع إلى أن تمكّن آية الله روح الله الخُميني وأتباعه من إسقاط الشاه. مع سقوطه، انتهى التحالف الإيراني الأمريكي، وألغى البنتاجون عقودًا بمليارات الدولارات، إيذانًا ببدء أعوامٍ طويلة من العداوة بين الدولتين.

المُقايضة الأولى

بسقوط الشاه، قررت الإدارة الأمريكية أن الأموال التي أودعها في الولايات المتّحدة، ومن ضمنها الموجودة في صندوق أمانات الكونجرس، يجب تجميدها وعدم إعادتها إلى الحكام الجدد. ثمّ جاءت أزمة الرهائن الأمريكيين حين اقتحم الطلاب الإيرانيين السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا الدبلوماسيين الأمريكيين رهائن في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1979. قطعت الولايات المتّحدة علاقاتها رسميًا بإيران.

وبعد 444 يومًا من الاحتجاز، أطلقت إيران سراح رهائنها في يناير (كانون الثاني) 1981، فقط بعد أن بدأت إدارة كارتر في تحويل 12 مليار دولارٍ من أموال الإيرانيين إلى حكام الجمهورية الجدد، فيما يمثّل المقايضة المالية الأولى التي تحدث بين طهران وواشنطن، وفقًا لعدة مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، وهو ما رأى عددٌ من المشرعين أنّه يقترب من الابتزاز، أو طلب الفدية. باتريك كلاوسون، خبيرٌ بالشأن الإيراني بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قال إنّ اختطاف الرهائن والتهديد بهم كان، في الأعين الإيرانية، «النفوذ الوحيد الذي اعتقدوا أنّهم يملكونه في مواجهة قوة كُبرى».

محاكم دولية

لكن التحويلات لم تتضمن الأموال المودعة في صندوق أمانات البنتاجون، بالإضافة إلى نزاعات مالية أخرى (بعضُها ما زال مستمرًا إلى يومنا هذا) بين الولايات المتّحدة وإيران. وفي 1981، اتفقت الدولتان على إنشاء محكمة دولية في لاهاي للنظر في النزاعات المالية المتبقية من عهد الشاه.

تألفت هيئة المحكمة من ثلاثة قضاة إيرانيين، وثلاثة أمريكيين، وثلاثة من دولٍ أخرى، وقُدّمت إليها قرابة 4000 قضية، تمكنّت من تسوية الكثير منها سواءً كان بين الحكومتين أو تعّلق بنزاعاتٍ خاصة. لكن قضية صندوق البنتاجون، وفقًا لمحامين أمريكيين وإيرانيين شاركوا في الإجراءات، لم تكن ضمن هذه القضايا.

فضيحة الكونترا

في منتصف الثمانينيات، اضطرت الإدارة الأمريكية إلى التواصل مع المسؤولين الإيرانيين بهدف تحسين العلاقات، أملًا في أن تساعدهم الجمهورية الإسلامية في إطلاق سراح الأمريكيين المختطفين في لبنان، في مُقابل أن تبيعهم الولايات المتّحدة الصواريخ المضادة للدبابات والتي كانت إيران في حاجة ماسّة إليها في حربها ضد الدكتاتور العراقي صدام حسين.

لكن الإيرانيين أرادوا ما هو أكثر، وكرّروا مطالبهم باستعادة الأموال من صندوق أمانات الكونجرس في كل اجتماعٍ تقريبًا، فيما وصفه «أوليفر نورث»، الكولونيل السابق بالقوات البحرية الأمريكية، بالهوس. إلا أن الولايات المتّحدة رفضت ذلك.

ما سارت إليه الأمور بعد ذلك معروف؛ فضيحة الكونترا، حين استخدمت الحكومة الأمريكية مبيعات الأسلحة السرية للنظام الإيراني الذي كان يخضع حينها لعقوباتٍ على التسلح، في تمويل متمردي الكونترا المقاومين للحكومة الماركسية في نيكاراجوا. لاحقًا، زعم الإيرانيون أن الصواريخ كانت فاسدة، وافتُضح أمر الإدارة الأمريكية، ووُجهّت الاتهامات للعديد من المسؤولين في إدارة ريجان، منهم الكولونيل «نورث».

جورج بوش الأب.. والتقارب مع هاشمي رفسنجاني

ثمّ رحل ريجان، وجاء الرئيس جورج بوش الأب. في عهده، عمل المحامون بلاهاي على تسوية كل النزاعات العالقة، أملًا في تحسين العلاقات مع إيران ورئيسها آنذاك هاشمي رفسنجاني. وبالفعل، في 1990، أُعيدت 200 مليون دولار إلى إيران من صندوق أمانات البنتاجون، ووصلت الحكومتان إلى تسوية أخرى بخصوص صفقة الأسلحة الفاسدة في 1991.

يمكن تخمين ما حدث بعدها بفترة قصيرة بالطبع. أطلقت الميليشيات المدعومة من إيران سراح الرهائن الأمريكيين، ما دفع الكونجرس إلى اتهام إدارة بوش بدفع فدية إطلاق سراحهم، وهو ما نفته الإدارة، ودفع بالمحامي الأعلى بوزارة الخارجية آنذاك، «إبراهيم سوفير»، إلى التساؤل «وماذا كان ينبغي علينا أن نفعل؟ لا نستعيد الأمريكيين؟».

إيران تدعم الإرهاب

إلا أن الأمور تعقّدت بعدها سياسيًا بشدّة. تصاعدت الاتهامات ضد طهران بأنّ تمويلها للإرهاب العالمي قد تضاعف في الأعوام الأخيرة. وفقًا للتقرير، تزوّد إيران جماعات تعتبرها حكومة الولايات المتّحدة جماعات إرهابية، من ضمنها حزب الله اللبنانية، وحركة حماس في الأراضي الفلسطينية.

بناءً على ذلك، مرّر الكونجرس في 1996 تشريعًا يسمح بمقاضاة ضحايا الإرهاب لحكومات أجنبية طلبًا لتعويضاتٍ مالية. بعدها بعامين، تمكنت عائلة أليسا فاتلو، امرأة عشرينية قُتلت في قطاع غزة في تفجير انتحاري لحافلة، من كسب قضية رفعتها على إيران أمام القضاء الأمريكي، ليُحكم لها بتعويضٍ يبلغ 250 مليون دولار، لأن هيئة المحكمة ارتأت أن إيران أشرفت على نشاطات الجماعة الإرهابية ومولتها. أراد ستيفن فاتلو، والد أليسا، أن تدفع الحكومة الأمريكية التعويض لا من أموال دافعي الضرائب، ولكن من أموال إيران في صندوق أمانات الكونجرس. لكن هذا لم يتحقق.

أوباما والتقارب الأمريكي الإيراني

لا شكّ أن عهد الرئيس باراك أوباما شهد أكبر تقاربٍ إيراني أمريكي منذ ثورة 1979.استطاعت إدارة أوباما التوصل إلى الاتفاقية الإيرانية النووية، وهو ما مهّد للتقارب في العديد من المساحات والمجالات الأخرى. وتعرّض أوباما لسيل من الانتقادات من العديد من السياسيين، ومن ضمنهم الرئيس المنتخب دونالد ترامب. يرى هؤلاء أن النظام الإسلامي في إيران لا نيّة له للاعتدال في عداوته تجاه الولايات المتّحدة، كما اتهّم البنتاجون طهران بأن الدعم الإيراني للجماعات المسلحة قد استشرى في جميع أنحاء الشرق الأوسط بعد انعقاد الصفقة.

خلال الفترة الثانية لأوباما، كثّفت الإدارتان من مفاوضاتهما الساعية إلى تسوية الخلافات المالية المتبقية. طالبت إيران بعشرة مليارات دولار؛ مستحقاتها في صندوق الأمانات، بالإضافة إلى الفوائد. لكن التسوية النهائية التي توصّلت إليها الحكومة الأمريكية بعيدًا عن ساحة المحكمة كانت 400 مليون دولار، بالإضافة إلى 1.3 مليار دولار من الفوائد.

وانعقد الاتفاق. حوّل البنتاجون 400 مليون دولار إلى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، حيثُ تحولت الدولارات إلى فرنكات سويسرية، وأودعت في حسابٍ بالبنك السويسري المركزي، ثم نُقلت إلى مطار جنيف. انتظر المسؤولون الأمريكيون خبر إطلاق سراح ⟪الرهائن الأمريكيين⟫، ثمّ سلّموا ⟪الفدية⟫ لإيران، بعد 37 عامًا من الصراع على دولارات الشاه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد