نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا للكاتب ستيفن كوك، كبير الباحثين في دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا، صدَّره بعبارة صادمة مفادها أنه بمجرد أن يفقد بلد ما إحساسه بهويته الوطنية، يصبح تفككه القومي على الأغلب أمرًا غير مستبعد.

أمريكا ليست استثناءً

وفي بداية مقاله، يقول الكاتب: «خلال رحلة إلى العراق قبل بضع سنوات، قضيتُ بعض الوقت في محافظة السليمانية، حيث التقيتُ بمجموعة من طلاب الجامعات الأكراد، من بين مجموعة متنوعة من الأشخاص المثيرين للاهتمام. وفي مرحلة ما من حديثنا سألتُ الطلاب: ما هي مجموعة الأفكار، والمبادئ، والتاريخ، والرواية الوطنية، التي تشاركونها مع طلاب الجامعات في بغداد أو البصرة؟ وكانت إجابتهم الجماعية: لا شيء».

يضيف الكاتب: «أدهشني أن هذا الأمر كان لب مشكلة العراق. وإذا لم يتمكن العراقيون من الاتفاق على مجموعة مشتركة من الأفكار حول ما يعنيه أن تكون عراقيًّا، فإن مصير البلاد المحتوم يتلخص في أنها ستظل في حالة ممتدة من الانهيار الشديد الذي لا يُرجى الشفاء منه».

Embed from Getty Images

لقطة من مسيرة لمؤيدي ترامب في العاصمة واشنطن – 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020

واستطرد كوك: «هذا المقال ليس هدفه إثبات أن حال الولايات المتحدة مثل حال العراق. لكن الأمريكيين لم يكونوا أبدًا مختلفين عن بقية العالم كما يعتقدون في لاوعيهم. ومثل عدد من البلدان الأخرى، في الشرق الأوسط وأماكن أخرى، يجب على الولايات المتحدة أن تواجه الحالة المرضية التي أصابت هويتها».

التلاعب بمضمون الهوية

وأشار الكاتب في هذا الصدد إلى الهوية الوطنية قائلًا: «أعني بها الطرق التي يعرِّف بها الأمريكيون أنفسهم، وعلاقتهم بالدولة، وعلاقاتهم ببعضهم البعض. وبالطبع لدينا جميعًا ما يُسمِّيه علماء الاجتماع (مخزن الهوية)، والتي نؤكد على أجزاء منها في أوقات مختلفة بناءً على الظروف.

ويسوق الكاتب مثالًا إرشاديًّا في هذا السياق بالاسم المعروض لصديق قديم له على «تويتر» وهو «abu el gamecock»، والذي يعكس أنه أمريكي من أصل مصري نشأ في ولاية كارولينا الجنوبية وهو من أشد المعجبين بفريق جيمكوك (Gamecock)، لكرة القدم التابع لجامعة كارولينا الجنوبية. وكما أوضح لكوك منذ سنوات عديدة، فهو أمريكي عندما يكون بين المصريين، وعربي عندما يكون بين الأمريكيين، ومصري عندما يكون بين العرب.

يلفت الكاتب إلى أن القادة السياسيين غالبًا ما يستخدمون الهوية لتعزيز مصالحهم الخاصة، أو مصالح بلادهم. ونذكر مثالًا في هذا الصدد، بعبد الفتاح السيسي، الذي سعى بعد وصوله إلى السلطة في مصر إلى إعادة صياغة القومية المصرية بطريقة أبعدت عدوه اللدود، جماعة الإخوان المسلمين، عن الانتماء القومي. وفي بعض الأحيان، أطَّر القادة السعوديون والإيرانيون تنافسهم الإقليمي على أساس الهوية الدينية. وتكمن المشكلة، بطبيعة الحال، في أنه من الصعب التفاوض وحل النزاعات عند التعبير عنها على أنها صراع بين السنة والشيعة.

هل يجمع الأمريكيين هوية وطنية مشتركة؟

ويطرح الكاتب سؤالًا: ما علاقة كل هذا بالولايات المتحدة؟ وأجاب بأنه وثيق الصلة بشكل كبير، وأوضح: «عندما كنتُ في السليمانية أتجاذب أطراف الحديث مع طلاب الجامعة الأكراد، أتذكر أنني كنتُ أفكر في مدى اختلاف النظرة بين الأكراد العراقيين، والعرب العراقيين عن الأمريكيين.

Embed from Getty Images

لقطة من تظاهرة معارضة لترامب في نيويورك – 12 نوفمبر 2020

وأضاف كوك: «كان لدي اعتقاد راسخ أنه على الرغم من أنني أنحدرُ من منطقة متميزة في الولايات المتحدة ولدي تاريخ عائلي مميز خاص بي، إلا أنني ما زلتُ أشارك أشخاصًا آخرين في جميع أنحاء البلاد في الأفكار الأساسية المتعلقة بمعنى أن تكون أمريكيًّا».

يوضح الكاتب: «أدركتُ، بالطبع، أن هذا يمثل نوعًا من السذاجة بعض الشيء وأنه في حد ذاته نتاج خبراتي وتعليمي الفريدين، في ضوء كيفية استمرار الأشخاص من الملونين والنساء والمهاجرين وغيرهم في مواجهة الظلم. ومع ذلك، لا أعتقد أنني كنت ساذجًا للغاية بحيث لا أصدق (أو ربما كان ذلك أملًا) أن أعدادًا كبيرة من الأمريكيين يمكن أن يتفقوا على الروح التأسيسية للدولة والشعور بأنه، حتى لو لم نرتقِ إلى تلك الروح، فإننا مع ذلك نسعى جاهدين لتحقيقها».

دولي

منذ 10 شهور
«واشنطن بوست»: هل تشتعل حرب أهلية جديدة في أمريكا؟

ويقول كوك: إن ذلك ثبت من خلال الصداقات التي كانت بينه وبين أشخاص لا يشترك معهم، إلا في القليل، والذين لا يتفق معهم في جميع القضايا السياسية تقريبًا. ويضرب مثالًا على ذلك فيقول: «زميل لي من منطقة الغرب الأوسط العليا. في البداية، كانت وسيلتنا الوحيدة للاتصال هي المحاور الثقافية لكوننا مراهقين في الثمانينات من القرن الماضي – وهي ما يمثل جزءًا من مخزن هويتنا. ومع ذلك، وبمرور الوقت، اكتشفنا أننا نؤمن بعديد من المبادئ والأفكار الأساسية نفسها التي تدعم هويتنا بصفتنا أمريكيين – مثل الحرية وسيادة القانون وتكافؤ الفرص، على سبيل المثال لا الحصر – على الرغم من أننا نصوِّت في الانتخابات بطرق مختلفة للغاية».

لكن في الآونة الأخيرة – يقول الكاتب – بدأتُ أتساءل عما إذا كان هذا صحيحًا بالمعنى العام. هل يشترك عدد كافٍ من الأمريكيين في الشعور بالانتماء القومي بحيث لم يزل بإمكاننا الإشارة إلى هوية وطنية مشتركة؟ وهل فعلنا ذلك من قبل؟ والحقيقة أنه على مدى السنوات الأربع الماضية كشف الرئيس دونالد ترامب – بل عمَّق لدي – جوانب في المجتمع الأمريكي زرعت الشك في ذهني بشأن هذا الأمر.

الشدائد تصنع الهوية الوطنية

ويضيف الكاتب: قرأتُ مؤخرًا كتابًا عن الولايات المتحدة حتى وصولها إلى الحرب الأهلية وخلالها. إن أوجه الشبه بين وضعنا الحالي وحقبة ما قبل الحرب صارخة ومقلقة. لكنني أعتقد منذ مدة طويلة أن المحاكمات والانتصارات اللاحقة للبلاد – مثل إعادة الإعمار، والحرب العالمية الأولى، والكساد العظيم، والحرب العالمية الثانية، وحركة الحقوق المدنية، والحرب الباردة، والعولمة، وثورة التكنولوجيا – ربطت البلاد ونسجت خيوطها معًا من خلال تشكيل هوية مشتركة. وأنتج هذا التاريخ أساطير حول المشروع القومي لأمريكا يمكن للجميع المشاركة فيها.

Embed from Getty Images

وبطبيعة الحال لم تكن الرواية القومية لأمريكا دائمًا هي المادة التي تغمرها الشمس التي صورها الرئيس رونالد ريجان في برنامج «الصباح في أمريكا». فإعادة الإعمار فشل، وما زلنا نعيش مع إرث قانون جيم كرو. ولم تزل سياسات الهجرة الأمريكية الحالية وصمة عار في جبين البلاد، بحسب تعبير الكاتب.

يرى كوك أنه على الرغم من النجاح الملهم الذي حققته نائبة الرئيس المُنتخب كامالا هاريس، لم يزل النساء يتقاضين أجورًا منخفضة، ولا يُقدَّرن حق قدْرَهن كثيرًا، وغالبًا ما يُساء إليهن في المعاملة في كثير من مجالات الحياة الأمريكية. لكن الرواية المُشبعة بالأساطير، والتي أصبحت أساسًا مركزيًّا للهوية الأمريكية خدمت غرضًا موحدًا مهمًا. ومن بين أفضل المظاهر المادية لتلك الهوية – كما أراد مؤسسيها أن تكون – جسر أرلينجتون التذكاري الذي يربط العاصمة واشنطن بفيرجينيا مع نصب لنكولن التذكاري في أحد طرفيه ومقبرة أرلينجتون الوطنية، ومنزل روبرت إي لي في الطرف الآخر.

مرةً أخرى، بينما يجري تجاهل عديد من الأمريكيين بسبب الرمزية المقصودة للجسر، فإن شكل هذه البادرة نحو الوحدة والهوية المشتركة هو الأمر المهم الذي يجب الحفاظ عليه. ويخضع الجسر لأعمال بناء خلال السنوات القليلة الماضية، ولكن يبدو أن ما يعنيه من الناحية الرمزية قد فُقِد. ونظرًا لعدم قدرتنا على إجراء حوار، يظل السؤال الذي يحتاج إلى إجابة مطروحًا: هل يريد الأمريكيون تشكيل هوية مشتركة أم لا؟

ويختتم الكاتب مقاله مؤكدًا على أن هناك أوجه تشابه مقلقة مع طريقة تفكير من تحدث إليهم في السليمانية بشأن بلدهم، مضيفًا: «لقد عانوا هم ومواطنوهم في أماكن أخرى من البلاد عواقب وخيمة نتيجة عدم قدرتهم على الاتفاق على ما يعنيه أن تكون عراقيًّا، لدرجة رفض الفكرة نفسها لدى عديد من الأكراد. من ثم تجلت الهوية المتنازع عليها في الشرق الأوسط في حالة عدم الاستقرار السياسي والعنف والصراع الأهلي. والأمريكيون – على الرغم مما نحدِّث به أنفسنا عن وضعنا الاستثنائي – ليسوا بمنأى عن الانتهاء إلى مصير مماثل».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد