تعهَّدت واشنطن بجلب الديمقراطية الليبرالية إلى العاصمة الأفغانية كابول، لكنها بدلًا عن ذلك، أنشأت قطاعًا عريضًا عديم الجدوى من المنظمات غير الحكومية الصورية.

في إطار تغطيتها المستمرة للمئة يوم الأولى من رئاسة جو بايدن للولايات المتحدة، نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا لصعزت الله مهرداد، صحافي أفغاني مستقل يُقيم في العاصمة الأفغانية كابول، تناول فيه مدى نجاح الولايات المتحدة في تطبيق القيم الليبرالية في أفغانستان طيلة العشرين عامًا الماضية، وهل تخرج أمريكا من البلاد الواقعة في آسيا الوسطى دون إرساء حقيقي لدعائِم الديمقراطية والمبادئ الليبرالية.

بايدن في موقف محرج

في بداية المقال، يقول الكاتب إن الولايات المتحدة أنفقت، على مدى العقدين الماضيين، ملايين الدولارات ونشرت أكثر من 700 ألف جندي من جنودها بهدف مكافحة التمرد وزرع بذور القيم الليبرالية والديمقراطية في أفغانستان. لكن ورود القيم الليبرالية لم تتفتح أزهارها في جنبات المجتمع الأفغاني، ولم تترسخ العمليات الديمقراطية في المؤسسات التي تُموِّلها الولايات المتحدة، بما في ذلك الحكومة الأفغانية ذاتها.

دولي

منذ 7 شهور
مترجم: رحمة الله أندار.. من قيادي سابق في طالبان إلى مسؤول في الحكومة الأفغانية

وأوضح الكاتب أن هذا الإرث وضع الإدارة الأمريكية برئاسة بايدن في موقف حرج: إذ يجب عليها أن تُقرر هل ستدعم القيم الليبرالية في التسوية السياسية المقترحة أم تتجاهلها وتنسحب من البلاد. ونظرًا لأن أفغانستان تفتقر إلى المجتمع المدني الحيوي الفعَّال والمؤسسات التي يُمكنها صياغة التسوية السياسية التي تصب في مصلحة تأسيس نظام ديمقراطي، فإن الولايات المتحدة – إذا اختارت ألا تتهرَّب من الموقف – لديها حاليًا فرصة للضغط من أجل خلق مناخ ديمقراطي من شأنه أن يسمح للأفغان بتحديد شكل مصيرهم السياسي عمليًّا.

واستشهد الكاتب بما كتبه زلماي خليل زاد، مبعوث الولايات المتحدة الخاص إلى أفغانستان والذي لا يزال حامل مشعل صنَّاع السياسة الأمريكية الذين يُركِّزون على أفغانستان، في مذكراته بأنه أخبر الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج دبليو بوش، في عام 2002 قائلًا له: «لا يمكننا حل مشاكلنا الخاصة من دون مساعدة الأفغان أنفسهم على حل مشاكلهم». وفي الأعوام التالية، أنفقت الحكومة الأمريكية ملايين الدولارات في محاولة منها لتثبيت أركان أفغانستان فيما يُسمى بــ «تأسيس دولة»، وإنشاء هياكل اجتماعية وسياسية جديدة في البلاد.

منظمات المجتمع المدني المدفوعة الأجر

واستطرد الكاتب قائلًا: وبعدما شكَّلت الولايات المتحدة حكومة منبثقة عن تلك المؤسسات وصاغت دستورًا في العاصمة كابول، جاءت بعد ذلك عملية هندسة المجتمع المدني من الصفر. وبينما يُنظر إلى المجتمع المدني المزدهر، في أغلب الدول الديمقراطية، على أنه نشاط اجتماعي وسياسي غير مدفوع الأجر، ويُثنى عليه بوصفه ركيزة للديمقراطية، دفعت الحكومة الأمريكية للأفغان أموالًا لإنشاء منظمات غير حكومية، والتي عقدت ورش عمل ونظمت ندوات لتعليم الأفغان بعض القيم الليبرالية.

Embed from Getty Images

وبدلًا من استغلال الموارد المحلية والاستفادة من المجتمع المدني، ظل المجتمع المدني الصوري، الذي شكَّله التمويل الأمريكي، مزدهرًا ما دامت النقود تتدفق على البلاد. يقول عمر الصدر، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية بأفغانستان، إن «دور المجالس المحلية هُمِّش تمامًا. ولم يكن المجتمع المدني الحديث حيويًّا أو فعَّالًا، وكان مسؤولًا أمام المُموِّلين (أمريكا)، وليس أمام الشعب الأفغاني (بمعنى أنه يدين بالولاء لمن يمولونه)».

التكسُّب من القيم والمبادئ الليبرالية

وأوضح الكاتب أن المجموعة الأولى من المنظمات غير الحكومية انتقلت من مدينة بيشاور في باكستان إلى العاصمة كابول في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وفي السابق، كانت المنظمات تعمل لصالح اللاجئين الأفغان في بيشاور وتمكنت من تأمين الأموال لتنفيذ مشاريع تهدف إلى تعزيز بعض القيم مثل حقوق المرأة وحقوق الإنسان. ووفقًا لإحدى الهيئات الرقابية في الكونجرس الأمريكي، أنفقت الحكومة الأمريكية 787 مليون دولار لدعم حقوق المرأة دون نتيجة تستحق الذكر. إذ كشفت هذه الهيئة الرقابية عن ارتفاع معدلات وفيات الأمهات وانتشار العنف القائم على نوع الجنس ومحدودية وصول الرعاية الصحية والتعليم إلى النساء.

Embed from Getty Images

وأوضح الكاتب أن العمل من أجل إرساء القيم الليبرالية تحوَّل إلى مجرد عمل تجاري، إذ أصبح بمقدور أي مجموعة من المثقفين إنشاء منظمة غير حكومية وصياغة المقترحات اللازمة للحصول على التمويل الأمريكي وغيرها من التمويلات الأجنبية، بالإضافة إلى تنفيذ مشروع مدته ستة أشهر. كما ازدهرت الشركات العقارية وانتعشت ثروات أصحاب العقارات بفضل الإيجارات التي دفعتها المنظمات غير الحكومية في كابول. إلى جانب ذلك، تدفع المنظمات غير الحكومية أجورًا للأعضاء المشاركين فيها، وليس العكس. وأصبح حضور ورش العمل التي تنظَّم عن حقوق الإنسان، في جوهره، وكأنه صنعة أو وظيفة.

وفي هذا الصدد، أكدَّ مير حمزة مرشد، أحد المشاركين في عديد من ورش العمل التي تنظمها المنظمات غير الحكومية، قائلًا: «لم تصل القيم إلى الطبقات الدنيا من المجتمع. ولن أسامح أبدًا هؤلاء الذين أساءوا استخدام الموارد». كما ألحقت الأعمال التجارية أضرارًا بالغةً بالمجتمع الأفغاني. وذهب عديدٌ من المنظمات غير الحكومية إلى القرى وأفسدوا العادات والتقاليد، التي تعود إلى قرن من الزمان، في خدمة المجتمع. وتُعرف إحدى الممارسات باسم «التجمع»: يتجمع فيه الناس ويعملون على حل أي مشكلة تواجه مجتمعهم. ودفعت المنظمات غير الحكومية أجورًا للناس نظير الاحتشاد والتجمع في أحد المشروعات التي حصلوا على تمويل من أجله تنفيذه. وبعد ذلك، بدأ الناس يتكاسلون عن القيام بخدمة المجتمع، متسائلين: لماذا ينبغي علينا أن نفعل ذلك من دون مقابل، بينما يمكننا الحصول على الأموال للقيام بهذه الخدمات المجتمعية؟

وخلَّف هذا الأمر تأثيرًا على نشاط الطلاب أيضًا – بحسب ما أكده الكاتب- موضحًا أنه مع ازدهار عمل المنظمات غير الحكومية الصورية على مدار العقدين الماضيين، بلغ الشباب الأفغاني سن الرشد وقد تعلموا أن النشاط يمكن أن يكون مربحًا طالما أنك تبتعد عن القضايا المثيرة للجدل. وفي عام 2013، تخرج 300 ألف أفغاني من المدارس الثانوية، وفي عام 2017، تخرج 50 ألف أفغاني من الجامعات. وكانت الأعداد تتزايد سنويًّا. وفي غياب التمويل للمنظمات المناهضة للحرب، لم ينظم الطلاب احتجاجًا واحد ضد الحرب على مستوى البلاد، على الرغم من أن أفغانستان ترزح تحت عبء الحرب منذ 40 عامًا وتفقد يوميًّا أرواح قرابة 20 شابًا في المعارك منذ عام 2001.

تعديلات على القوانين لسحق المجتمع المدني

ونوَّه الكاتب إلى أنه خلال المدة بين عامي 2001 و2014، وقَّعت حكومة الرئيس الأفغاني حامد كرزاي التي تموِّلها الولايات المتحدة، على عديد من القوانين الدولية الليبرالية وغيرها من القوانين الليبرالية المنسوخة من الدول الغربية، من دون إضفاء الطابع المؤسسي على القيم والعمليات الديمقراطية التي ستؤدي إلى دعم المجتمع المدني الحيوي وتعزيز الديمقراطية في البلاد. وفي عام 2019، أدلى 1.8 مليون شخص من بين حوالي 9 ملايين ناخب مسجل بصوته في الانتخابات الرئاسية؛ وأُلغي 300 ألف صوت، وأعلن كلٌ من الرئيس الأفغاني الحالي، أشرف غني ومنافسه عبد الله عبد الله فوزهما وأقام كلاهما مراسم أداء اليمين الدستورية في مارس (آذار) 2020.

Embed from Getty Images

وفي السنوات الأخيرة، وافقت الحكومة الأفغانية على إجراء تعديلات تهدف إلى لَيِّ عُنق الأسس القانونية المستوردة حرفيًّا من بيئات اجتماعية وسياسية حرة ومنفتحة من أجل تطبيقها في بلاد الأفغان. ومن خلال ذلك، تهدف الجهود التي تبذلها الحكومة، المُموَّلة أمريكيًّا، إلى توسيع نطاق سيطرتها والحد من تأثير المنظمات غير الحكومية، وسحق المجتمع المدني وإلحاق الأضرار بصوت الناخب المدني الأفغاني. وفي عام 2021، صنَّفت وحدة الاستخبارات التابعة لمجلة الإيكونومست أفغانستان على أنها نظام استبدادي.

وفي السياق ذاته، أوضح عمر الصدر، أستاذ العلوم السياسية، قائلًا: «من جهة، كانت الحكومة تواجه صراعًا عسكريًّا. ومن جهة أخرى، وبدلًا من النظر إلى المجتمع المدني بوصفه شريكًا لها، نظرت الحكومة إلى المجتمع المدني على أنه عدو لها». وفي عام 2017، وافق الرئيس الأفغاني أشرف غني على إجراء بعض التعديلات على قانون الاحتجاجات والإضرابات. ووضع هذا القانون شروطًا تجعل من المستحيل على الناس تنظيم أي احتجاجات من الأساس، كما يحظر القانون تنظيم الاحتجاجات، التي تخلق اختناقات مرورية، ويسمح للحكومة باعتقال المتظاهرين بتهمة الإضرار بمصالح الوطن والعمل لصالح أعدائه، بالإضافة إلى ذلك يسمح القانون للشرطة، في خطوة غير معتادة، برفض إصدار تصريح للمتظاهرين بتنظيم الاحتجاجات تحت ذريعة الإضرار بالأمن.

الحكومة الأفغانية تعشق فرض السيطرة

وأضاف الكاتب أن الحكومة الأفغانية أدخلت في عام 2020 تعديلات على قانون المنظمات غير الحكومية. وقد أسقطت المسودة الأولى للقانون، التي اطلعت عليها مجلة فورين بوليسي، مصطلح «الاستقلال» من تعريف المنظمات غير الحكومية واقترحت المسودة شروطًا صعَّبت عملية تأمين التمويل اللازم للمنظمات غير الحكومية. وقوبلت هذه المسودة بالرفض من جانب المنظمات غير الحكومية وسفارات الدول الغربية في كابول. ولا تزال المسودة الثانية للقانون قيد المراجعة.

منطقة الشرق

منذ شهرين
مترجم: «القنابل اللاصقة».. أحدث سلاح يؤجج الاضطرابات في أفغانستان

وصرَّح جواد زاولستاني، المدير العام لمنظمة حقوق الإنسان والديمقراطية الأفغانية، قائلًا إن «الحكومة الحالية مغرمة بفرض السيطرة والاستحواذ على السلطة، وتتباهى بالسيطرة الكاملة على كل شيء في العاصمة كابول ولا يوجد أحد في البلاد يمكنه أن يتحدَّاها». ومع تقدم محادثات السلام، صوَّرت الحكومة الأفغانية نفسها على أنها حامل لواء الدفاع عن المبادئ والقيم الليبرالية ضد حركة طالبان المتطرفة، التي تسعى إلى إنشاء إمارة إسلامية في البلاد. ويخشى عديدٌ من الأفغانيين أن تستخدم الحكومة القيم الليبرالية بوصفها غطاءً لمحاولتها الإمساك بزمام الأمور في عملية تقاسم السلطة مع حركة طالبان. ويرى زاولستاني أنه: «ما دامت المبادئ والقيم تخدم مصالحهم (الحكومة وحركة طالبان)، فهم يُدافعون عنها. ونحن نتعامل مع مجموعتين مجردتين من المبادئ تسعيان إلى احتكار السلطة».

معضلة الانسحاب من أفغانستان

وتطرَّق الكاتب إلى المجموعة الأخرى قائلًا: أظهرت حركة طالبان قدرًا ضئيلًا من الاستعداد للتنازل عن منظورها المتشدد للأسلمة. وعلى مدار عامين من الجهود المبذولة لاكتساب الشرعية الدولية، صرح المتحدثون باسم طالبان أنهم ملتزمون باحترام حقوق المرأة وحقوق الإنسان وحرية التعبير «في ضوء ما ينص عليه الإسلام». ومع ذلك، فإن ما ينص عليه الإسلام يُقصد به تفسير طالبان للإسلام وليس القيم الليبرالية.

Embed from Getty Images

وفي الوقت الراهن، تواجه الولايات المتحدة معضلة الانسحاب من أفغانستان وإنهاء الصراع دون التخلي عن القيم الليبرالية، لا سيما الديمقراطية. وفي الوقت الذي تصوِّر فيه الولايات المتحدة نفسها على أنها تدافع عن الديمقراطية في عالم تتراجع فيه الديمقراطية، تتمتع إدارة بايدن بميزة الضغط من أجل ترسيخ الديمقراطية في التسوية السياسية بين الحكومة الأفغانية وطالبان.

وفي ختام مقاله، يُبرز الكاتب ما خلص إليه الخبراء أنه لا يمكن للحكومة الأفغانية أو حركة طالبان أن يحكموا أفغانستان دون تمويل أمريكي. ويرى الليبراليون الأفغان أن التمويل لابد أن يكون مشروطًا بالتزام سماسرة السلطة باحترام المناخ الديمقراطي، وهو الأمر الذي سيسمح للشباب الأفغاني بتشكيل جماعات المجتمع المدني ذات القاعدة الشعبية والتي ستنجح على المدى البعيد. 

أما البديل فهو قاتم: إذ إنه دون دعم أمريكي حقيقي للقيم الليبرالية، فإن أفغانستان مستعدة للعودة إلى عهد طالبان، لكنها هذه المرة ستكون مع الحكومة الأفغانية الحالية بوصفها جزءًا من نظام طالبان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد