حلفاء أمريكا.. دعم سخيّ ومقابل ضئيل

على اختلاف حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط، من السعودية إلى إسرائيل إلى تركيا إلى قطر إلى مصر، فإن كلّها ترغب في المعدّات العسكرية، التي ترسلها الولايات المتّحدة بسخاء، وهو ما يقلّص من أهمية التواجد العسكري الأمريكي الفعلي في الشرق الأوسط. إن الخطر الذي تمثّله إيران لا يقتصر على الهجمات العسكرية التقليدية، بل يتعداها إلى الهجمات الإلكترونية، والدعم الخارجي لحزبِ الله، والحوثيين. مُجابهة تلك المخاطر ربّما تتطلب دعمًا أمريكيًا عسكريًا، وليس تواجدًا فعليًا مكثّفًا.

أمّا أشكال الدعم الأخرى، كما يؤكد «سيروير»، فهي أقل أهمّية، وغير مرحّب بها. لا تحتاج دول الخليج بالتأكيد إلى الدعم الاقتصادي على الرغم من انخفاض أسعار النفط، ومصر تلقّت عشرات المليارات من الدولارات من السعودية والإمارات. أما عن الدعم الدبلوماسي فلم يُثنِ حكومة إسرائيل عن سعيها لتوسيع المستوطنات وتأجيل الاتفاق النهائي، بينما ينقسم الفلسطينيون بين غزة التي تحكمها أوتوقراطية حماس، والضفة الغربية التي تحكمها السلطة الفلسطينية الفاقدة للشرعية. كذلك أدار الرئيس «رجب طيب أردوغان» ظهره لمفاوضات السلام مع الأكراد، وما زال يستخدم اللاجئين باعتبارهم ورقة ضغط على الأوروبيين، على الرغم من الدعم الأمريكي لطموحات تركيا الأوروبية.

 

في ضوء ما سبق، نجد أن العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها غير متوازنة، حيثُ لا تتلقى الولايات المتّحدة إلا مقابلًا عسكريًا ضئيلًا، يتمثل في العبور السريع من قناة السويس، أو في حقوق التحليق العسكري فوق البلاد. لكن السياسيين لا يتنازلون عن طريقة إدارتهم للتمرّدات الداخلية، ولا يتوقّفون عن الانتهاكات المستمرّة لحقوق الإنسان، وهو ما يشجع الولايات المتّحدة على إعادة النظر في المساعدات العسكرية الموجّهة إليهم، وفق ما يدعو إليه الكاتب.

 

ترسيخ المباديء الديمقراطية

تشير الورقة أنه من بين كل الدول التي تدعم الولايات المتحدة فيها إنشاء مجتمعٍ أكثر انفتاحًا، وإرساء دولة القانون التي تضمّ كل أطياف المجتمع، لا يلقى ذلك الدعم ترحيبًا إلا في تونس، والكويت، وربّما أفغانستان والعراق. أما اليمن وليبيا وسوريا فتنغمس في الحروب الأهلية. ومصر تُفضّل قمع المعارضة الإسلامية والعلمانية على حد سواء. لم تذهب السعودية أبعد من السماح للنساء بالمشاركة في الانتخابات. والملك «عبد الله» الأردني صار شعبه ينأى عن المطالبة بالإصلاح، بعدما شاهد الاضطرابات المحيطة. حتى الحركة الإصلاحية في العراق تُعرقلها الميليشيات الشيعية. وإسرائيل تستمر في قمع التظاهرات الفلسطينية، مع سماحها لمستوطنات الضفة الغربية بالتوسّع.

 

يشير الكاتب أن الظروف الحالية قد لا تخدم إرساء الديمقراطية، خاصّة والشعوب تسعى للسلام والرخاء والاستقرار أكثر من الإصلاح والتغيير. ويبدو أن واشنطن تذهب في اتجاه دعم التعليم والتكنولوجيا وريادة الأعمال أكثر من الإصلاح الديمقراطي. في سوريا، ربّما تلجأ إلى قبول استمرار الرئيس الأسد، ولو مؤقتًا، في سدّة الحكم، خوفًا من البديل الأكثر وحشية: الدولة الإسلاميّة.

ويؤكد أيضا أن الثورات العربية على مدار الخمسة أعوام الفائتة، قد فشلت  في خلق مجتمعات أكثر انفتاحًا، والاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانسان في عهد الرئيس «بوش» ورث انطباعًا سلبيًا عن دعم الديمقراطية عند العرب. ما تحتاج الولايات المتّحدة لفعلِه الآن هو دعم الإعلام المستقل، ومحامِيي حقوق الإنسان، والنُشطاء والدُعاة إلى التسامح والتعايش السلمي. ربّما تضع تلك الجهود بذرة جيل من الديمقراطيين المستعدين لتحريك العوام ودفع الحكومات الأوتوقراطية وغير الليبرالية في اتجاه أكثر انفتاحًا.

 

التراجع الأمريكي من المنطقة

ينتهي «سيروير» إلى أن المصالح الأميركية تتراجع في المنطقة، ولم تعد الولايات المتّحدة منغمسة في الشرق الأوسط إلا بفضل إستراتيجيات محاربة الإرهاب، على الرغم من أنّ هذه الإستراتيجيات هي غالبًا جزء من المشكلة ذاتها. إن اهتمامات الولايات المتّحدة تتغيّر، لتقلّ أهمية الوسائل العسكرية وتزداد أهمية الدبلوماسية وبناء الدول.

لا تغفل شعوب الشرق الأوسط انسجاب الولايات المتّحدة من المنطقة، وابتعادها عن التدّخلات عالية التكلفة في العراق وأفغانستان، وأن الولايات المتحدة لم تعُد تعتمد على مصادر الطاقة القادِمة من الشرق الأوسط. وهُم مصيبون في ذلك، فالإدارة القادمة عليها أن تتوقف عن دعم حلفائها الإقليميين بلا مقابل. إن أراد الشرق الأوسط أن يستمرّ الدعم الأميركي، فيجب أن يبدأ في التصرّف بطريقة مختلفة.

تجدُر الإشارة إلى أن الانسحاب الأميركي يخلق خطر الفراغ الذي سيحاول أعداء أمريكا ملأه. فقد استغلّت إيران عدم سعي أمريكا للتدخّل العسكري في العراق، واستغلّت روسيا اللامبالاة الأمريكية تجاه استبدال الأسد. سيتوجّب على الولايات المتّحدة أن «تستغلّ قدراتها المدنية، من الدبلوماسية والدعم والتعاون الدولي، في ملء الفجوة. فعسكريّة أقلّ، ينبغي أن تعني مدنيّة أكثر».

1 2

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد