«معركة واشنطن ضد الاستبداد محكوم عليها بالفشل، طالما لم تشمل الدول الفقيرة»؛ هذا ما خلُصَ إليه مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز»،  بقلم الباحث في مركز السياسة العالمية في جامعة بوسطن، جيك ويرنر.

يقول الباحث في مستهل مقاله: رسم الرئيس الأمريكي جو بايدن، في فبراير (شباط) الماضي، صورة لعالمٍ منقسمٍ بعمق بين معسكرين رئيسيين: الديمقراطية والاستبداد. وقال في خطابٍ ألقاه بُعَيْد تنصيبه: «نحن أمام لحظةٍ فارقة، بين مَن يجادلون بأن الاستبداد هو أفضل طريقة للإبحار في خضم التحديات الجمَّة التي نواجهها، وآخرين يدركون أن الديمقراطية ضرورية لمواجهة تلك التحديات». وأصرَّ بايدن على أن أجندته الداخلية والخارجية تؤهل الولايات المتحدة أفضل تأهيل للفوز في هذا الصراع التاريخي.

لكن هذا التركيز على الصدام بين الاستبداد والديمقراطية – في رأي الباحث – يخفي انقسامًا أعمق على مستوى الجغرافيا السياسية، يتمثل في: الصراع بين الأغنياء والفقراء. فبينما تؤكد الولايات المتحدة أنها رائدة الدول الديمقراطية في العالم، فإنها في الواقع تقف في مواجهة معظم الديمقراطيات في كثير من القضايا العالمية الأكثر أهمية. بدءًا من جائحة كوفيد-19 وليس انتهاء بقواعد التجارة العالمية، مرورًا بقضايا المناخ والتنمية الاقتصادية؛ تستفرغ الولايات المتحدة جهدها لإحباط أولويات معظم الديمقراطيات في العالم.

دولي

منذ 4 شهور
مترجم: كيف يصب الخلاف السعودي الإماراتي في مصلحة أمريكا؟

وفي هذا السياق، تسهم السياسة الخارجية الأمريكية – باسم الديمقراطية – في تفاقم الأزمة العالمية للديمقراطية، ونزع الشرعية عن سلطة الولايات المتحدة.

تواجه الديمقراطيات الغنية والفقيرة كثيرًا من المشكلات المشابهة. 40 عامًا من تزايد تركيز الثروة في أيدي القلة، وتدهور مستوى السلع والخدمات العامة، وتآكل استقرار العمال، وتفكك الشعور بالانتماء الجماعي، تضافرت جميعها لتشكيل النواة الصلبة للقومية والعنصرية والاستبداد في الدول الديمقراطية، على اختلاف مستوياتها الاقتصادية. وإدارة بايدن تدرك ذلك. ولقد أوضح بايدن، مرارًا وتكرارًا، في خطاباته مسألة أساسية هي: أن الناس يفقدون الثقة في الديمقراطية؛ لأن الديمقراطية لا تلبي احتياجاتهم.

وعلى صعيد أجندته المحلية، يدرك بايدن أن الاستثمار في ما يخدم الصالح العام، وتوفير قدر أكبر من التمكين والأمن للعمالة، وحشد الناس لمواجهة أزمة المناخ، كلها عوامل حاسمة في المشروع الرامي لكبح جماح السياسات غير الليبرالية وإحياء الديمقراطية في الولايات المتحدة.

غير أن سياسة بايدن الخارجية تعاني من خللٍ غريب. فبدلًا من اتباع إستراتيجية عالمية لإحياء القناعة بالصالح العام، يركز بايدن على منافسة الصين، كما لو أن الناس خارج الولايات المتحدة يُقَدِّرون الديمقراطية ليس لأنها تُمَكِّنهم، ولكن لأنها مرادفة لقوة الولايات المتحدة. ويجادل بايدن بأن من مصلحة الديمقراطية أن يطور الأمريكيون «منتجات وتقنيات المستقبل» ويسيطرون عليها. صحيح أن المستثمرين الأمريكيين قد يستفيدون من هذا النهج، لكنه لا يمثل رؤية لاقتصاد عالمي يتيح لجميع الديمقراطيات في العالم أن تنضوي تحت مظلته لتلبية احتياجات شعوبها.

Embed from Getty Images

يطرح المقال مقاربة مختلفة يرى أنها قادرة على عكس مسار المد العالمي المناهض للديمقراطية، من خلال فتح فرص جديدة أمام الناس في جميع أنحاء العالم. وسوف تتطلب هذه المقاربة إطارًا أفضل لفهم صراعات اليوم؛ أي إطار أكثر رحابة من النظرة الثنائية قصيرة النظر التي تحصر المواجهة بين الديمقراطية الليبرالية والآخر الاستبدادي.

الديمقراطية الخفية

قد يبدو الادعاء بأن الولايات المتحدة على خلاف مع معظم الديمقراطيات متناقضًا، ولكن هذا الشعور بالتناقض إنما ينبع من الخلط الذي غالبًا ما يقع فيه القادة ووسائل الإعلام الأمريكية بين «ديمقراطيات العالم» والعدد القليل من الدول الغنية، بما في ذلك القوى الاستعمارية السابقة في أوروبا (واليابان) والدول التي بدأت بصفتها مستعمرات استيطانية، مثل أستراليا وكندا.

يستشهد الكاتب بمقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» في عام 2020، واستعرض نتائج استطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث، خلُصَ إلى أن «انعدام الثقة في الصين قفز إلى مستويات مرتفعة جديدة في أوساط شعوب الدول الديمقراطية».

بيد أن الاستطلاع لم يكن يشمل «الدول الديمقراطية»، وإنما استبعد معظم الديمقراطيات الكبرى في العالم، مثل: البرازيل والهند وإندونيسيا والمكسيك وجنوب أفريقيا، ولم يشمل كثيرًا من الديمقراطيات الأصغر، مثل: بوتسوانا وبابوا غينيا الجديدة وسريلانكا. لم يشمل الاستطلاع الدول الديمقراطية، وإنما أشخاص (كما وصفهم مركز بيو نفسه) من «الاقتصادات المتقدمة».

وفقًا لمؤشر الديمقراطية الصادر عن وحدة الاستخبارات التابعة لمجموعة الإيكونوميست، تضم البلدان الديمقراطية النامية ضعف عدد السكان في الديمقراطيات الغنية، وثلاثة أضعاف هذا العدد إذا أخذنا في الاعتبار «الأنظمة الهجينة» شبه الديمقراطية، مثل تلك الموجودة في بنجلاديش ونيجيريا وتركيا.

ومع ذلك، لا يزال كثير من الديمقراطيات الفقيرة في العالم إلى حد كبير على هامش الاهتمام العالمي لصناع السياسة في الولايات المتحدة. وهذه الديمقراطيات الفقيرة لا يُفسَح لها مكان على طاولة نقاشات مسؤولي الحكومة الفيدرالية الأمريكية، أو تدخل ضمن دائرة اهتمام وسائل الإعلام الرئيسية، إلا عندما تهدد الاستقرار الإقليمي أو تصبح غير مفيدة في الصراعات الجيوسياسية الأوسع.

يضيف الكاتب: هذا الاختفاء مفهوم. لأن الديمقراطيات في الجنوب العالمي فقيرة، فإنها تمارس تأثيرًا أقل بكثير من الديمقراطيات الثرية في السياسة العالمية والاقتصاد العالمي. وبينما تمثل الديمقراطيات الغنية حوالي 15% من سكان العالم، فإنها تستحوذ على 43% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بحساب القوة الشرائية، وتبلغ ميزانياتها العسكرية ما يقرب من ثلثي الإنفاق الحربي في العالم. ويشعر كثير من الأمريكيين أيضًا بالتقارب الثقافي أو العرقي مع الديمقراطيات الغنية، وهو شعورٌ لا يمتد إلى الديمقراطيات الفقيرة.

Embed from Getty Images

يؤدي الخلط بين الديمقراطية والثروة إلى تشويه جذري للتفكير الإستراتيجي بشأن ما يعده قادة الولايات المتحدة في كثير من الأحيان أولوية قصوى: ضمان ازدهار الديمقراطية في ربوع العالم. ولقد كانت الديمقراطيات الفقيرة والغنية على حد سواء تتحرك في اتجاه غير ليبرالي خلال السنوات الأخيرة.

لكن السياسة الخارجية الهادفة إلى إحياء الديمقراطية ودعمها مكتوب عليها الفشل إذا كانت قائمة فقط على تفضيلات الدول الغنية. يرجع ذلك إلى أن الديمقراطيات في جنوب الكرة الأرضية، في أغلب الأحيان، لها مصالح مختلفة تمامًا عن مصالح الديمقراطيات الغنية، وهي مصالح تتماشى في كثير من الأحيان مع البلدان النامية الأكثر استبدادًا. بعبارة أخرى؛ إن أحد تأثيرات تأطير الصراع الرئيسي في العالم اليوم على أنه صراع بين الديمقراطيين والسلطويين هو: إخفاء انعدام المساواة الذي يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي.

خطوط الصدع الحقيقية

ربما تكون القضية الأكثر إلحاحًا على صعيد انحراف سياسة الولايات المتحدة عن رغبات معظم الديمقراطيات هي: القضاء على جائحة كوفيد-19. كان يفترض بالنظام الدولي، لو كان يستجيب لاحتياجات الجنوب العالمي، أن يبدأ في وضع منظومة عالمية لإنتاج اللقاح وتوزيعه منذ مايو (أيار) 2020، عندما ظهر أول لقاح واعد. بدلًا من ذلك، على الرغم من أن مليارات الدولارات من الأموال العامة ساعدت على تطوير اللقاحات، فإن إنتاج اللقاحات (وأرباحها الهائلة) تُرك بالكامل لشركات الأدوية الخاصة؛ مما أدى إلى حدوث نقص ساحق.

أما فيما يتعلق بالتوزيع، فعلى الرغم من أن مبادرة «كوفاكس» تعهدت بحد أدنى من المساواة في توزيع اللقاحات على مستوى العالم، فإنها تعثرت عندما اشترت الديمقراطيات الغنية معظم إمدادات اللقاح.

ولم تتحرك إدارة بايدن أخيرًا إلا تحت ضغط كبير من التحالف العابر للحدود الوطنية، المكون من مجموعات الصحة العامة والتجارة العادلة والعدالة العالمية. ففي مايو، وافق بايدن على دعم تنازل منظمة التجارة العالمية عن قيود الملكية الفكرية على لقاحات كوفيد-19. وأعلنت الديمقراطيات الغنية من مجموعة الدول السبع مؤخرًا أنها تنوي التبرع بـ870 مليون جرعة لقاح خلال العام المقبل.

وعلى الرغم من الترحيب بهذه الجهود، فإنها لا تزال بعيدة كل البعد عن الثمانية مليارات جرعة اللازمة للقضاء على الجائحة – في البلدان النامية. وحتى مع تطبيق الإجراءات الجديدة، يتوقع بايدن أن تستمر الجائحة في جنوب العالم حتى عام 2023.

Embed from Getty Images

يتابع الكاتب: التركيز على التبرعات ليس الطريقة الأسرع ولا الأفضل للسيطرة على الجائحة. والأكثر فعالية بكثير هو: زيادة الإنتاج في الجنوب العالمي نفسه، والمساعدة في تدشين بنية تحتية دائمة للصحة العامة لمنع الكوارث في المستقبل. ولقد أصدرت مجموعة السبعة وعدًا غامضًا بدعم مثل هذا البرنامج، ولكن حتى إذا طُبِّقَ التنازل عن الملكية الفكرية في النهاية (على الرغم من حالة الطوارئ، فمن المتوقع أن تستغرق المناقشات عدة أشهر، وتواصل ألمانيا عرقلة القرار)، فإن رفض الديمقراطيات الغنية مشاركة التكنولوجيا والمعرفة مع بقية العالم يلقي بظلال من الشك على نواياهم.

يردف الكاتب قائلًا: إن التأخير الكارثي في ​​صياغة إستراتيجية عالمية لمواجهة الجائحة، والعيوب العميقة فيما يتكشَّف الآن، ينذر بمستقبل قاتم مع تفاقم أزمة المناخ. وفي هذا السياق أيضًا، تقف الولايات المتحدة على خلاف مع معظم الديمقراطيات. لقد أنتج الجزء الصغير من سكان العالم الذين يعيشون في الديمقراطيات الغنية اليوم، أو في الدول التي سبقتهم، حوالي نصف إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري منذ 1751.

اعترافًا بهذه المسؤولية التاريخية، وعدم التكافؤ في توزيع الثروات التي اكتسبتها البلدان الغنية من استخدام تلك الموارد؛ طالبت الدول النامية الدول الغنية بتحمل الجزء الأكبر من عبء حل أزمة المناخ. تقول الدول الغنية إنها ستدعم البلدان الفقيرة في انتقالها إلى الطاقة المستدامة، لكن لم يخرج إلا القليل من الاستثمارات الكبيرة إلى النور.

سرقة الملكية الفكرية

ترتبط النزاعات حول الجائحة وتغير المناخ بمجموعة ثالثة من القضايا التي تفصل بين البلدان الغنية والبلدان النامية، هي: السياسة الصناعية والملكية الفكرية. ولأن الدولة الفقيرة الوحيدة التي نجحت في تحدي الديمقراطيات الغنية على صعيد هذه القضايا هي: الصين المستبدة؛ يستغل المحللون في واشنطن بانتظام إطار «الديمقراطية ضد الاستبداد» لإضفاء الشرعية على مظالمهم.

على سبيل المثال، يؤكد تقرير للمجلس الأطلسي بعنوان «مواجهة تحدي الصين للعالم الحر» أن: «الصين تمارس أنشطة اقتصادية غير عادلة تنتهك المعايير الدولية، بما في ذلك: سرقة الملكية الفكرية، ودعم الشركات المملوكة للدولة لتحقيق أهداف جيوسياسية، وتقييد وصول الشركات الأجنبية إلى الأسواق».

من المؤكد أن مثل هذه الممارسات تمثل تحديًا لقوة الدول الغنية، لكن الجزء الأكبر من «العالم الحر» يود بشدة لو استطاع محاكاتها. يوضح الكاتب أن القواعد محل النزاع وضعت خلال المفاوضات التي أسست منظمة التجارة العالمية في عام 1995، عندما منعت الدول الغنية، بناء على طلب بعض أقوى الشركات في العالم، الدول الفقيرة المدججة بالسلاح من ممارسة الأنشطة التنموية التي كانت مقبولة على نطاق واسع قبل ذلك.

Embed from Getty Images

وكان رفض الديمقراطيات، مثل البرازيل والهند، تقديم المزيد من التنازلات، سببًا رئيسيًّا لانهيار جولة المفاوضات اللاحقة التي استضافتها الدوحة في عام 2008، لكن الدول الغنية رسخت هذه المبادئ أكثر من خلال الاتفاقيات الثنائية على صعيد التجارة والاستثمار.

حظرت القواعد الجديدة الممارسات التي كانت كافة الديمقراطيات الغنية تستخدمها في الماضي. راكمت البلدان الغنية الكثير من ثرواتها نتيجة سرقة الملكية الفكرية – كانت القدرة التصنيعية الأمريكية، على سبيل المثال، مستحيلة إذا لم يسرق الأمريكيون تقنيات الإنتاج البريطانية المتقدمة – ناهيك عن أشكال السرقة الأكثر عنفًا، مثل: استعباد المستعمرات أو نهبها. أما بالنسبة للسياسة الصناعية، فكل الديمقراطيات الغنية توظف أساليبها.

ولقد وضعت بكين خطة «صنع في الصين 2025» على غرار إستراتيجية ألمانيا المسماة «صناعة 4.0» والشبكة الوطنية الأمريكية للابتكار في مجال التصنيع (المعروفة أيضًا باسم «التصنيع في الولايات المتحدة»).

تهدف أجندة بايدن الاقتصادية إلى توظيف قوة الدولة في تأمين سيطرة الولايات المتحدة على القطاعات عالية القيمة. ونجاح الصين في تطعيم شعبها، والتصدي للتحول المناخي، لا ينبع من عداء بكين للديمقراطية، ولكن من قدرتها على محاكاة الدول الغنية من خلال كسر القواعد عندما يكون ذلك مناسبًا.

ولقد كافحت الديمقراطيات في الجنوب العالمي من أجل ترقية اقتصاداتها، وهي لا تزال عالقة بين: قيود إجماع واشنطن على أساليب التنمية الفعالة، وبرنامج الصين الذي أحرز نجاحًا كبيرًا في التهرب من مثل هذه القيود. في هذا السياق، تبدو دعوة واشنطن للتضامن الأيديولوجي بين الديمقراطيات في العالم جوفاء إلى حد ما.

سياسة خارجية تفيد الجميع

تقف عدة حواجز بين صانعي السياسة الأمريكيين وتبني أجندة أفضل مؤيدة للديمقراطية. أولًا، أصبح النمو الاقتصادي الأمريكي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الأرباح المركزة للشركات في قطاعات التكنولوجيا والأدوية والترفيه والعلامة التجارية الاستهلاكية والقطاعات المالية، وهي الشركات نفسها التي تمثل أكبر العقبات أمام تحسين معايير العمل العالمية وتحرير قواعد الملكية الفكرية. كما يتدفق الاستثمار في الولايات المتحدة وحول العالم نحو فرص الريع الاقتصادي بدلًا من خلق فرص العمل، وتدشين البنية التحتية، وزيادة الإنتاجية.

يوضح الكاتب أن للمشكلة جانبًا فلسفيًّا أيضًا. فهل دور الديمقراطية يقتصر على مجرد توفير إطار محايد يمكن للأفراد من خلاله تبادل السلع والأفكار بحُرية عن طريق الحد من التهديدات للحرية والممتلكات، أي من خلال توفير المنافع العامة «السلبية»؟ أم يجب أن تضمن الديمقراطية أيضًا التوفير الموضوعي للمنافع العامة «الإيجابية»، مثل: الرعاية الصحية والتعليم والوظائف عالية الجودة والاستثمار الرأسمالي؟

Embed from Getty Images

تحركت السياسة الخارجية للولايات المتحدة بنشاط لصالح المنافع العامة السلبية، وتنكرت للمنافع الإيجابية، في ظل تحذير المسؤولين والخبراء الأمريكيين من كلا الحزبين مرارًا من المخاطر التي يشكلها تدخل الدولة في الاقتصاد.

وفي هذا السياق، ركزت واشنطن على تحرير السوق، والحقوق الفردية، وسيادة القانون، والدفاع عن أمن الممتلكات، وحرية الملاحة ضد زحف الأشرار: المجرمين العابرين للحدود، و«الدول المارقة»، والإرهابيين، والآن الصين.

ومع ذلك، تفتقر المنافع العامة السلبية إلى الفعالية وتتجرد من الشرعية عندما تنفصل عن المنافع العامة الإيجابية. وغالبًا ما تفشل جهود المساعدة الأمريكية لهذا السبب. يضرب الكاتب على ذلك مثلًا: برنامجًا تكلفته 31 مليون دولار في جواتيمالا، مولته الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في السنوات الأخيرة لإنشاء تطبيق للهواتف الذكية يسمح للسكان بتتبع إنفاق الحكومة المحلية. لولا أن السكان الفقراء، الذين يهتمون بالوظائف أكثر من اهتمامهم بالحوكمة الرشيدة، لم يتمكنوا أصلًا من شراء الهواتف الذكية.

على صعيد السياسة الداخلية، تدرك إدارة بايدن ضرورة تطليق عقيدة السوق الحرة. لكن كيف ستبدو السياسة الخارجية التي تتبنى تلك الرؤية؟ يجيب المقال: من ناحية، ستركز على توفير المنافع العامة الإيجابية على المستوى العالمي. سيحتاج كل بلد إلى تنشيط الاستثمار العام بطريقته الخاصة، ولكن يجب أن تدعم هذه العملية برامج عابرة للحدود لتأمين الصحة العامة، وسد الفجوة الضخمة بين البلدان الغنية والفقيرة في البنية التحتية، وتحقيق تحوُّل عادل بعيدًا عن مصادر الطاقة كثيفة الكربون. وبدلًا من العمل الخيري أحادي الاتجاه، يشدد الكاتب على ضرورة أن تحصل هذه المبادرات العالمية، الهادفة إلى حل المشكلات التي تهدد الجميع، على مساهمات من جميع البلدان بما يتناسب مع قدرات كل دولة.

يرى الكاتب أن الولايات المتحدة لا تزال في وضع أفضل لقيادة هذه الجهود، وهناك بعض المؤشرات على أن إدارة بايدن قد تكون منفتحة على الاضطلاع بمثل هذا الدور. ويستشهد المقال بمبادرة «إعادة بناء عالم أفضل»، التي وإن لم تتضح ملامحها بجلاء، فإنها تتبنى هدف تطوير البنية التحتية العالمية. ومع ذلك، فإن انشغال واشنطن بالمنافسة في ساحة القوى العظمى يهدد باستبعاد المساهمات الضرورية للصين من المشروع، واستغلاله من الصقور لتوجيه المواهب والموارد الأمريكية الهائلة نحو العسكرة بدلًا من معالجة التهديدات الحقيقية التي تواجه البشرية. ومن المفارقات أن تبرير بكين للاستبداد – تزايد انعدام الأمن والمعاناة الناجمة عن الأمراض الوبائية والدمار المناخي وعدم المساواة المزعزعة للاستقرار – سوف يصبح أكثر إقناعًا؛ إذا حال العداء المناهض للصين في واشنطن دون اتخاذ تدابير فعالة ضد هذه المخاطر الوجودية.

Embed from Getty Images

هناك نفع آخر لا يقل أهمية هو: إيجاد نظام قابل للتطبيق يضمن حقوق العمال على مستوى العالم، من شأنه أن يساعد في الحد من المنافسة المستميتة بين العمال، التي تقود جزءًا كبيرًا من العنصرية والقومية، وتعزيز طلب المستهلكين وحشد الدعم الشعبي. لقد التزمت كل دولة تقريبًا، باستثناء الولايات المتحدة، بحماية حقوق العمل الأساسية بموجب الاتفاقيات الأساسية لمنظمة العمل الدولية. ويبقى بناء البنية المؤسسية نفسها لحماية حقوق العمال، على غرار البنية التي أمضت الولايات المتحدة السنوات الأربعين الماضية في تدشينها لحماية حقوق أصحاب الأصول.

توليد الثروة

أخيرًا، يتعين على واشنطن أن تتبنى مبدأ التنمية حقًّا من حقوق الإنسان، وهي فكرة نالت دعمًا قويًّا في الأمم المتحدة منذ عام 1986، على الرغم من معارضة الولايات المتحدة والديمقراطيات الغنية الأخرى. بالإضافة إلى تحرير القيود المفروضة على الملكية الفكرية والسياسة الصناعية، فإن هذا المبدأ سيتطلب زيادة كبيرة في أموال التنمية الأمريكية الموجهة للمناطق التي ظلت تعاني من نقص رأس المال لفترة طويلة. وتُظهر الاتفاقية المبرمة مؤخرًا بشأن الحد الأدنى العالمي لضريبة الدخل على الشركات، والتي توافقت عليها الديمقراطيات الغنية إلى حد كبير، أنه من الممكن للتنسيق متعدد الأطراف أن يمهد الطريق لبناء اقتصاد عالمي أكثر إنصافًا.

ويمكن أن تكون الخطوة التالية للإصلاح: زيادة المعدل العالمي للضريبة على الشركات لإيجاد مصدر ثابت للتمويل من أجل التنمية في الجنوب العالمي. ولأن الاستثمار الأجنبي الخاص في البلدان النامية كان يتسم بالتجزئة والتقلب، فإن ما تحتاجه هذه المناطق ليس عائدات سريعة، بل استثمارًا تحويليًّا طويل الأجل لزيادة قدرتها على توليد الثروة على الدوام، وهو الإنجاز الذي لن يضع فقط حدًّا للفقر المدقع الذي يعاني منه مليارات الناس، بل سيخلق أيضًا فرصًا جديدة هائلة للشركات والعاملين في الولايات المتحدة.

دولي

منذ 4 شهور
مترجم: أول زعيم عربي يزور بايدن.. كيف يخطط ملك الأردن للاستفادة من هذه الزيارة؟

يختم الكاتب مقاله بالقول: كل إجراء من هذه الإجراءات من شأنه أن يعزز الإجراءات الأخرى، ويشكل هيكلًا جديدًا للنمو العالمي، مشابهًا في نواحٍ كثيرة لاقتصاد «الصفقة الجديدة» (مجموعة البرامج الاقتصادية التي تبنتها الولايات المتحدة بين عامي 1933 و1936 استجابة للكساد الكبير وتركزت على الإغاثة والإنعاش والإصلاح) الذي أوجد الطبقة الوسطى الأمريكية، ولكن بدون أهوال «جيم كرو» (تقنين الفصل الاجتماعي على أسس عرقية) والحرب الباردة.

ومن خلال الإسهام في إنعاش النمو العالمي، وتوزيع فوائده على نطاق أوسع، ستعزز هذه التدابير ازدهار الدول الغنية والفقيرة على حد سواء، وستؤدي إلى استعادة شرعية العولمة والقيادة الأمريكية من خلال تأسيسها على ركائز أكثر شمولًا لمختلف الأطراف. من شأن ذلك أن يقلل التوترات شديدة الخطورة بين الولايات المتحدة والصين، التي لن يخرج منها أي طرف رابحًا، لأن تحقيق نمو أقوى في الاقتصاد العالمي من شأنه أن يفسح المجال أمام نجاح كلا البلدين في الوقت نفسه.

وربما يؤدي نمو الاقتصاد العالمي على نطاق يشمل جميع الأطراف لتهيئة الظروف لموجة جديدة من التحول الديمقراطي. فلن تسود الديمقراطية بتعميق الصراعات التي تؤدي إلى نتائج عكسية في الدول الاستبدادية، ولكن من خلال معالجة انعدام المساواة واستبعاد الآخر ومشاعر الاستياء، وكلها عوامل تقوي قبضة الاستبداد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد