في سياق تسليط الأضواء على مشكلات الشرطة الأمريكية ومحاولات إصلاحها في الآونة الأخيرة، تنصح الكاتبة إليزابيث براو، مديرة مشروع الردع الحديث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، بالاقتداء بالشرطة الإيطالية في مقالٍ نشرته مجلة «فورين بوليسي».

تستهل الكاتبة مقالها قائلة: على عكس العديد من إدارات الشرطة الأمريكية، فإن قوة النخبة الإيطالية المسلحة فعَّالة للغاية، وتحظى بالاحترام على نطاق واسع. وتعد قوات الدرك الوطني الإيطالية المعروفة بالإيطالية بـ«كارابنييري» قوة شرطة يحكمها نظام قانوني عسكري؛ إذ تعمل تحت لواء وزارة الدفاع الإيطالية ووزارة الداخلية معًا. وتحمل قوات الكارابنييري السلاح، ويجرون أخطر التحقيقات في البلاد، مثل اعتقال زعماء المافيا، والتحقيق مع الإرهابيين، لكنهم أيضًا يوصلون الطعام والأشياء الضرورية لكبار السن.

إن الكارابنييري ضباط مدربون تدريبًا عاليًا، وهم سادة في التهدئة وتخفيف التصعيد. وفي الوقت الذي يستجيب ضباط تنفيذ القانون بمزيد من العنف على الاحتجاجات التي اندلعت ضد وحشية الشرطة في جميع أنحاء الولايات المتحدة، يمكن لقوات الشرطة الأمريكية أن تتعلم من هذه القوة الإيطالية الماهرة.

وعن هذه القوة، ينقل المقال ما كتبه الملك فيكتور عمانويل الأول من سردينيا في المرسوم الملكي، الذي أسس بموجبه الكارابنييري قبل 206 سنوات مضت: «هي فيلق عسكري معروف بسلوكه الحسن وحكمته، ويُدعى فيلق الكارابنييري الملكي. أنشئ بغرض المساهمة في الرخاء العام للدولة، وهو أمر لا يمكن فصله عن حماية رعايانا الطيبين والمخلصين والدفاع عنهم، ولا عن معاقبة المذنبين منهم». وما يزال الكارابنييري، يرتدون في المناسبات الاحتفالية زيهم الرسمي ذا الطلعة الملكية المميزة؛ وهي الهيئة التي تحتفظ بها مخيلة معظم الأجانب عن هذه القوة.

حقوق إنسان

منذ 3 أسابيع
مترجم: العنصرية ضد السود ليست في أمريكا فقط.. هذا ما يحدث لهم في البرازيل

مهام متعددة لخدمة المجتمع

تضيف الكاتبة: لكن الكارابنييري، في معظم الأيام، مجافون تمامًا للظهور والاستعراض. فهم يحققون في نشاط جماعات المافيا والجرائم المنظمة الأخرى، ويلقون القبض على عتاة المجرمين، ويضبطون المخدرات غير المشروعة، ويتولون عمليات حفظ السلام في بيئات معقدة «مثل كوسوفو»، ويدربون قوات الشرطة في بلدان أخرى على كيفية استخدام الأسلحة النارية. بعبارة أخرى، هؤلاء هم الرجال حقًّا، جديرون بالثناء الذي يُقال عنهم: ضباط ذوو مهارات عالية يتولون أصعب المهام.

Embed from Getty Images

وتدلل الكاتبة على هذا الأمر قائلة: قبل ثلاث سنوات، ألقت قوات الكارابنييري القبض على زعيم المافيا الأسطوري جوسيب جورجي، المعروف أيضًا باسم «The Goat»، وهو لقب أطلقه عليه قائد شرطة محلي.

وأوائل هذا العام، ألقى المئات من عناصر الكارابنييري، الذين يعملون مع الشرطة المالية الإيطالية، القبض على ما يقرب من 100 شخص في صقلية، ممن نهبوا – تحت قيادة عشيرتين من المافيا- أموال الاتحاد الأوروبي على نحو منتظم.

وفي شهر ديسمبر «كانون الأول» الماضي، اعتقلوا أكثر من 300 عضو من عصابة ندرانجيتا المتوحشة. وفي الشهر الماضي، صادر فريق من الكارابنييري مبلغ 6 ملايين يورو في مداهمة لتنظيم لتهريب المخدرات، بينما اكتشف فريق آخر مخبأ كبيرًا للأسلحة، بما في ذلك قنبلة مُجهزة بفتيل الانفجار.

نخبة الشرطة الإيطالية..من هم الكارابنييري؟

تصفهم الكاتبة قائلة: بقدر ما هم مدربون تدريبًا عاليًا، من النادر رؤية ضابط من الكارابنييري  يلوح ببندقيته على سبيل التهديد. وتستشهد على ذلك بقول العميد ماسيمو مينيتي، رئيس العلاقات الخارجية في قوات الكارابنييري: «حتى أثناء اعتقال قادة المافيا، نادرًا ما يستخدم الضباط أسلحتهم».

وتابع «نحن ببساطة نوضح لهم أنه ليس لديهم خيار سوى الاستسلام». ولكن كيف يمكن إيصال ذلك إلى عضو مافيا شديد الخطورة بدون توجيه سلاح إليه؟ يجيب منيتي باقتباس ما يقولونه في صقلية: «إذا تصرفت باحترام، ستلقى احترامًا متبادلًا».

وأضاف: «من السهل قول ذلك بمنتهى الوضوح. لكن الأمر سيكون أصعب عندما تلقي القبض على شخص في شارع مظلم. لكن تصرفك الغريزي الأولىَّ يتمثل في ضرورة التحلي بالهدوء». لكن هذه النصيحة لا تفلح دائمًا.

في أحد الحوادث التي وقعت في عام 1992، لقي ثلاثة من عناصر الكارابنييري مصرعهم في الهجوم التفجيري الذي تعرض له المدعي العام، جيوفاني فالكوني، عندما فُجرت قنبلة أثناء سفرهم على إحدى طرق صقلية السريعة.

وفي العام الماضي، قُتل ثلاثة ضباط من الكارابنييري أثناء تأدية مهامهم، من بينهم ماريو سيرسيليلو ريجا، وهو ضابط غير مسلح طعنه مراهق أمريكي حتى الموت عندما اعترض سبيل المواطن الأمريكي، الذي سرق حقيبة ظهر خلال صفقة مخدرات فاشلة.

وأصيب 2033 ضابطًا آخرون العام الماضي، وفقًا للأرقام التي كشف جهاز الكارابنييري عنها. ومع ذلك، وبالنظر إلى الطبيعة شديدة الخطورة غالبًا التي تتسم بها مهام القوة البالغ قوامها 110 آلاف جندي، يعد هذا رقمًا صغيرًا نسبيًّا. والواقع، أنه فيما ازداد عدد الضباط المصابين في السنوات الأخيرة، انخفض عدد الوفيات.

وتلخص الكاتبة نهج الكارابنييري بأنها: واجبات عسكرية، وتحلٍّ بمهارات استخدام الأسلحة المتقدمة، ولكنها نادرًا ما تستخدم السلاح. وهي عوالم بعيدة عن عالم الشرطة الأمريكية.

Embed from Getty Images

الشرطة الأمريكية.. إفراط في شراء الأسلحة وتفريط في حياة المدنيين

تشير الكاتبة إلى نقطة مهمة قائلة: على الرغم من أن ضباط الشرطة الأمريكية ليسوا قوة عسكرية ذات تدريب متماثل، فإنهم اشتروا منذ عام 1997 بما قيمته 7.2 مليار دولار من المعدات العسكرية الزائدة التي تحظى بخصومات كبيرة للغاية.

وبين عامي 2006 و2014، تضمنت هذه المشتريات 79288 بندقية هجومية، و205 قاذفات قنابل يدوية، و11959 نصل «سونكي» من وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون». وكان لتدفق هذه المعدات عواقب؛ إذ وجدت دراسة أكاديمية أُجريت عام 2017 أن استخدام معدات البرنامج «يؤدى إلى زيادة وفيات المدنيين بنسبة 129% تقريبًا».

قوات الكارابنييري ليسوا دائمًا ملائكة

تضيف الكاتبة: في الوقت نفسه، نجد أن قوات الكارابنييري المُكلفة بكل من الدفاع عن البلاد والتحقيق في الجرائم الخطيرة، تتخصص أيضًا في عمل الشرطة المجتمعية. فخلال أزمة فيروس كورونا المُستجد، كانت عناصر الكارابنييري تجلب الطعام لكبار السن، والمشردين، وغيرهم ممن يعانون. بل في بعض المدن، تعاونوا مع الكهنة المحليين لشراء الطعام للعائلات المحتاجة.

ولأن الإيطاليين المسنين لم يتمكنوا أثناء فترة الأغلاق من تحصيل معاشاتهم التقاعدية من مكاتب البريد – كما هو معتاد – تولت عناصر الكارابنييري المحلية مهمة توصيل الأموال إليهم. لكن كل هذا لا يعني عدم وجود عناصر فاسدة في تلك القوات: ففي العام الماضي أدين اثنان من الكارابنييري بتهمة القتل الخطأ في قضية ستيفانو كوشي، الذي توفي في عام 2009 بعد تعرضه للضرب أثناء احتجاز الشرطة له.

وبوجه عام، تتمتع قوات الكارابنييري باحترام هائل في المجتمع الإيطالي. وعلى الرغم من أن هذا قد يبدو طبيعيًّا اليوم، فإنه كان من الممكن أن تسير الأمور على نحو مختلف تمامًا. يتذكر السفير الإيطالي السابق لدى حلف الناتو، ومستشار الرئيس السابق جورجيو نابوليتانو، ستيفانو ستيفانيني، أنه «في سبعينيات القرن العشرين، كان لدينا مزيج من الإرهاب المحلي واحتجاجات الطلاب واسعة النطاق». وتابع «هناك تعلم الكارابنييري مهاراتهم في السيطرة على الحشود. وكان الوضع غالبًا عنيفًا، لكن الكارابنييري ردَّ بحذر شديد».

كانت حصيلة تلك الفترة، التي يشار إليها غالبًا باسم سنوات الرصاص، عددًا مذهلًا من الضحايا، إذ قتل أكثر من 400 شخص، وفقًا لمعظم التقديرات. وكان معظم القتلى من المدنيين، لكن موظفي الخدمة المدنية قتلوا أيضًا، وكذلك ضباط الجيش، وأكثر من 12 عنصرًا من الكارابنييري. ولو كانوا استخدموا تكتيكات شرطية على غرار المواجهات التي تجري في الولايات المتحدة في ذلك الوقت، لكان من المحتمل أن تخسر البلاد المزيد من الأرواح.

سلوك الكارابنييري نموذج يحتذى به

تذكر الكاتبة أن قوات الكارابنييري قادرة على استخدام القوة، لكنها نادرًا ما تستخدمها، وهذا يمكن أن يشكل نموذجًا واعدًا لقوات الشرطة في كل مكان؛ وهو نموذج يجب على قوات الشرطة الأمريكية دراسته.

في الواقع، تُدرِّس قوات الكارابنييري نموذجها في مركز شرطة الاستقرار التابع للناتو في مدينة فيتشنزا الإيطالية. وهناك اختلافات واضحة بين الأنظمة القانونية في الولايات المتحدة وإيطاليا؛ فالنظام الأمريكي هو نظام اتحادي فيدرالي لديه قوات شرطة محلية، في حين أن الحكومة الإيطالية أكثر مركزية. إن الكارابنييري قوة وطنية، يغير فيها الضباط المهام كل بضع سنوات، على غرار ما يحدث في القوات المسلحة في كل مكان.

على سبيل المثال، انتقل رئيس العلاقات الخارجية في جهاز  الكارابنييري، منيتي، إلى المقر بعد أن تولى قيادة القوة في منطقة ترينتينو. تقول الكاتبة: وأبلغني بأن النقل المنتظم في المهام غرس بين الضباط ثقافة التعلم المستمر. ويتضمن هذا التعلم عمليات نشر قوات أجنبية؛ إذ تحظى الكارابنييري بطلب زائد كمدربين لقوات الشرطة في العراق، وأفغانستان، وبلدان أخرى. وتقدم تدريبًا منتظمًا في الأكاديميات التابعة للكارابنييري.

Embed from Getty Images

العسكرة والاستخدام المفرط للقوة سمتا عمل الشرطة الأمريكية

تشير الكاتبة إلى أن وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، في الولايات المتحدة، يعدان، بطبيعة الحال، من القوات الوطنية، ولكن كليهما مكلف بمهام الاستخبارات والتحقيقات، وليس الدوريات والشرطة المجتمعية.

وحتى لو كان من الممكن ترتيب ذلك الأمر من الناحية الدستورية، فإن من يرغب في تحويل مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى قوة شرطة فيدرالية هم قلة فقط من الأمريكيين. وبدلًا من ذلك، فإن ما يحتاج إلى الإصلاح هو تدهور الثقة بين قوات الشرطة وشرائح من المجتمع.

فليس كل ضباط الشرطة الأمريكيين ميالين للمواجهة والعنف. إذ يُجري الكثيرون تحريات هائلة مبنية على أساس البحث والتنقيب والحدس، من دون استخدام الأسلحة، ويتفوق آخرون في العلاقات المجتمعية.

ويتعين على جميع الضباط الأمريكيين أن يتعاملوا مع مستوى من الاستخدام المدني للأسلحة يتجاوز بكثير المستويات الأوروبية. ولكن كما أوضحت أحداث الأسابيع الأخيرة، فإن العسكرة والاستخدام المفرط للقوة سمما الشرطة الأمريكية.

ويخلص المقال إلى أنه إذا تمكن جهاز الكارابنييري من القبض على قادة المافيا دون استخدام مدفعية ثقيلة، فيجب أن يكون من الممكن لضباط الشرطة الأمريكية القبض على مجموعات متنوعة من المجرمين دون قتلهم، ودون استخدام الرصاص، والمروحيات، والعربات المدرعة. وعلى الرغم من الاختلال الوظيفي في كثير من الأحيان، فإن هناك بعض الأشياء التي يمكن لإيطاليا أن تعلمها للولايات المتحدة، ومن بين هذه الأشياء بالتأكيد أن الشرطة يمكن أن تكون قوية دون استخدام القوة.

دولي

منذ أسبوعين
نصائح لأمريكا والعالم.. رئيس جورجيا السابق يروي قصة إصلاح الشرطة في بلاده

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد