بعد فشل محاولة الانقلاب الأخيرة في تركيا حتى مع الثمن الباهظ من الدماء ومستقبل الحريات الذي لا يبدو مشرقًا في تركيا، تساءل البعض عن إمكانية حدوث هذا في أمريكا. في الواقع تمنى وتوقع نشطاء أن يقوم الجيش بإطاحة دونالد ترامب إذا فاز بالانتخابات. في هذا المقال يحاول «جلين رينولدز» تقديم قراءة في إمكانيات حدوث ذلك.

طبقًا لـكتاب «إدوارد لوتوك» عن الانقلابات، فالانقلاب هو تمرد كتلة صغيرة ولكن حرجة من أجهزة الدولة، يستخدم لإطاحة سيطرة الدولة على باقي الأجهزة. وهو أمر مختلف جدًّا عما يحدث في الثورات أو الحروب الأهلية، الطرق الرئيسية لتغيير السلطة في المجتمعات. في الحروب الأهلية تقف مجموعة من الشعب ضد مجموعة أخرى. في الانقلابات تستيقظ الأمة ذات صباح لتجد أن القيادة السياسية تم اعتقالها أو ضمها إلى أخرى، بينما تكون محطات التلفزة والراديو تحت سيطرة النظام الجديد. المدنيون يذهبون إلى وظائفهم بشكل اعتيادي، فقط يعلمون أنهم يتلقون الأوامر من قيادة جديدة. حين تصبح الانقلابات أمرًا واقعًا، القليلون فقط يشعرون بميل للمقاومة، لا سيما إذا -كما هو الحال عادة- كان النظام القديم لا يحظى بشعبية كبيرة على أي حال.

تبدو الانقلابات مغرية لأنها لا يدفع فيها ثمن بشري باهظ مقارنة بالحروب الأهلية أو الثورات، تحصل الدولة على قيادة جديدة بأقل الخسائر. الانقلابات العسكرية شائعة جدًّا حول العالم، لكن أمريكا لم تشهد واحدًا أبدًا. طبقًا للكاتب ينظر الأمريكيون للانقلابات على أنها أشياء تحدث في الدول الأخرى الأقل منهم، أشياء تحدث في جمهوريات الموز. لكن الأمر ليس مجرد وجهة نظر، فالانقلابات العسكرية صعبة الحدوث جدًّا في أمريكا بالفعل.

إذا حدث انقلاب عسكري في أمريكا فإن عليه أن يتجاوز العديد من التحصينات السياسية والدستورية التي أعدت خصيصًا لمواجهة الانقلابات العسكرية. لقد فشل الانقلاب ضد أردوغان في تركيا لأنه استعد لذلك منذ أصبح زمام الأمور بيده، لكن الانقلاب العسكري في أمريكا مرفوض منذ بنى المزارعون تلك البلاد، ما جعلهم يفعلون كل ما يستطيعون لتحصينها ضده.

لماذا لن يكون الأمر سهلًا أبدًا؟

في الانقلابات، تسيطر مجموعة صغيرة نسبيًّا من المتآمرين على المؤسسات الرئيسية -القصر الرئاسي، محطات الإذاعة، وزارة الدفاع وما إلى ذلك-. تكون الخطة -أو الأمل- أن ينضم لهم آخرون مع وعود بالسلطة أو الثروة. في الولايات المتحدة، هذه المؤسسات الرئيسية منتشرة على نطاق واسع. الحكومة الاتحادية مقسمة إلى ثلاثة فروع: التنفيذية والتشريعية والقضائية، لكن هذا ليس العائق الأكبر، فالدولة نفسها بشكل عام مقسمة بين الحكومة الاتحادية والولايات. لدى كل ولاية من الولايات الخمسين محافظًا وعاصمة وقوات عسكرية كبيرة خاصة بها، وهي تهديد واضح جدًّا لأي محاولة انقلاب. الكثيرون سيقاومون، في الواقع سيتحول الأمر إلى ثورة شاملة.

بالإضافة إلى ذلك، تمتلك الولايات المتحدة قنوات إعلامية واسعة ومتنوعة جدًّا، ليس هناك شركة بث إذاعية رسمية للاستيلاء عليها، كذلك هناك شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت. حتى في تركيا استطاع أردوغان مواجهة الانقلابيين باستخدام «فيس تايم». كلما زاد عدد وسائل التواصل وأساليبها، أصبح الأمر أكثر صعوبة على منفذي الانقلاب أن يبسطوا سيطرتهم على النظام القديم.

هناك فرق آخر بين ما يمكن أن يحدث في أمريكا ومعظم الدول، في الواقع الحكومة الأمريكية لا تحتكر حمل السلاح كما هو الحال في غالبية بلاد العالم؛ المواطنون الأمريكيون مسلحون، سيكون من الصعب السيطرة على الأعداد التي ستخرج لتقاوم الانقلابيين بالسلاح. يعتقد الكاتب أن نظرة على ما حدث في تركيا من خروج سريع لمؤيدي أردوغان ضد الانقلابيين تظهر ما يمكن أن يحدث في أمريكا.

«تراكم جميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في نفس الأيدي، سواء كانت لشخص واحد أو مجموعة صغيرة أو كبيرة، سواء كان الأمر بالوراثة أو التعيين أو الانتخاب، فهذا هو بوضوح التعريف الدقيق للاستبداد». –الدستور الفيدرالي، باب فصل السلطات

بناة أمريكا جعلوا تراكم السلطات هذا صعب الحدوث جدًّا، ما يجعل تنفيذ انقلاب عسكري مخاطرة بالغة في أمريكا.

جلين رينولدز أستاذ قانون في جامعة «تينيسي»، ومؤلف كتاب بعنوان «كيف سينقذ عصر المعلومات التعليم الأمريكي من نفسه؟».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد