رغم القوانين الصارمة المفروضة على حمل الأسلحة في بريطانيا، فإن المسدسات تهرب إليها بهدوء، وتخشى الشرطة البريطانية أن تساهم الأسلحة غير المشروعة في زيادة جرائم العصابات. 

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا لمراسلتها الاستقصائية في بريطانيا، جين برادلي، تزيل فيه اللثام عن دور الأسلحة الأمريكية المهربة إلى المملكة المتحدة في تأجيج الجريمة ورفع معدلاتها، مشيرة إلى تزايد هذه الأسلحة الأمريكية في الشوارع البريطانية على نطاق واسع، وأن موقف البلاد سيكون عصيبًا إذا ما استبدل المسدس بالسكين.

تستهل الكاتبة تحقيقها الاستقصائي بالقول: «كان جوش باينز يبلغ من العمر 28 عامًا عندما فاضت روحه، بعد شجار لأنه لم يدفع 50 دولارًا كانت دينًا عليه مقابل جرعة مخدرات، بطلقة من مسدس قطع آلاف الأميال من أمريكا».

الأسلحة الأمريكية في شوارع بريطانيا

لم يكن باينز سوى أحد ضحايا الأسلحة النارية، الذين تزايدت أعدادهم في السنوات الأخيرة، ما أثار قلق السلطات البريطانية حيال توسع تجارة تهريب الأسلحة النارية من الولايات المتحدة.

تقول كلير باينز، زوجة والد باينز: أعتقد أن الأمريكيين لن يصدقوا أن شيئًا ما ينتجونه من الممكن أن يؤثر في حياة أشخاص مثلنا. وإذا لم تكن كل هذه الأسلحة موجودة (في الولايات المتحدة)، لما هُربت إلى كل أنحاء العالم.

وتوضح الكاتبة أن أعداد الوفيات بالأسلحة النارية ما زالت قليلة جدًّا في بريطانيا، ولا يحمل الأسلحة النارية سوى عدد قليل جدًّا من الناس، حتى ضباط الشرطة، لكن وجود الأسلحة الأمريكية المتزايد في الشوارع البريطانية، والذي لم يبلغ عنه من قبل على نطاق واسع، يتزامن مع الارتفاع الشديد في معدلات جرائم العنف الخطيرة، مثل جرائم القتل والطعن.

صحيحٌ أن أغلب الأسلحة النارية غير المشروعة في بريطانيا ما زالت تأتي من أوروبا، إلا أن المحققين صادروا، في العام الماضي، مئات الأسلحة الأمريكية المهربة، وهو رقم ضئيل وفق المعايير الدولية، على الرغم من أن الخبراء يقولون إن الرقم الذي لم تكتشفه الشرطة، على الأرجح، أعلى من ذلك بكثير.

دعم ترامب الواسع لصناعة الأسلحة

وتخشى السلطات البريطانية الآن أنه بعد بريكست (انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، وفرض قيود أكثر صرامة على الحدود مع الاتحاد الأوروبي، يُمكن أن تستفحل التجارة غير المشروعة بالأسلحة النارية من أمريكا، لا سيما في ظل الدعم الواسع من إدارة ترامب لصناعة الأسلحة.

Embed from Getty Images

في هذا الصدد، قال آرون كارب، أحد المستشارين البارزين في مشروع مسح الأسلحة الصغيرة (مشروع بحثي مستقل مقره جنيف) والمحاضر في جامعة أولد دومينيون في فرجينيا: «تتمثل أحد الأهداف الرئيسة لإدارة ترامب في عولمة تجارة الأسلحة النارية وتسهيل صادراتها، وإذا كنت تُسهل تصدير الأسلحة قانونيًّا، فهذا يعني حتميًّا أن هناك لعبًا غير قانوني لتحويل الأسلحة إلى أسواق الجريمة في الدول الأخرى».

وتذكر المراسلة أن الولايات المتحدة أحد أكبر المصدرين القانونيين للأسلحة النارية في العالم، لكن مئات الآلاف من الأسلحة النارية تُهرب منها بطرق غير قانونية وتُغذي جرائم القتل، خاصة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

كما أبرز التقرير أن الجماعات الإجرامية في بريطانيا تستخدم أساسًا السكاكين في أعمال العنف، حتى وصلت جرائم السكاكين إلى مستوى قياسي العام الماضي. لكن أعداد الأسلحة النارية غير المشروعة في بريطانيا آخذ في الازدياد.

عصابات «خطوط المقاطعات»

في العام الماضي، زادت عمليات الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة لمصادرة الأسلحة النارية بأكثر من الضعف، كما ارتفعت جرائم الأسلحة النارية بنسبة 38% منذ عام 2015. وتخشى السلطات البريطانية أن يتصاعد العنف إذا ما استبدلت المجموعات الإجرامية البنادق بالسكاكين.

وفي السياق ذاته، يقول روبرت ماكلين، الباحث في الجريمة المنظمة في بريطانيا: «أصبح معدل جرائم القتل معضلة فعليًّا، دون الوصول السهل إلى الأسلحة النارية، وبمجرد أن يصبح تداولها سهلًا، يمكن لسلاح ناري واحد أن ينتشر داخل الشبكات الإجرامية ويستخدم في عدد من عمليات إطلاق النار وجرائم القتل».

في كثير من الحالات، تدير تجارة الأسلحة المهربة العصابات التي تتاجر بالمخدرات من المدن إلى القرى الصغيرة والمناطق الريفية – والمعروفة باسم عصابات «خطوط المقاطعات» – وينتمي إليهم قتلة باينز.

ونوَّهت الكاتبة إلى أنه خلال السنوات القليلة الماضية، وجدت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة أن العصابات تفضل الأسلحة العتيقة أو المعطلة (أي سلاح حربي عُطِّل استخدامه الأصلي مع حصوله على ترخيص مسبق من وزارة الدفاع الوطني) التي يصعب تعقبها، والتي تباع بطريقة قانونية في معارض الأسلحة.

بريطانيا المنقسمة سياسيًّا تتوحد ضد انتشار الأسلحة

وذكر أحد زعماء عصابات لندن، وهو تاجر أسلحة سابق، أنه تاجر في أكثر من 50 قطعة سلاح ناري، وباع الكثير منها للعصابات في بريطانيا، مشيرًا إلى أن الأسلحة المهربة كانت تصل أحيانًا إلى بريطانيا داخل صناديق تحتوي على مقاعد مرتفعة للأطفال الرضع.

Embed from Getty Images

وتحدث زعيم العصابة السابق (23 عامًا الآن)، شريطة عدم الكشف عن هويته لتجنب الاعتقال أو انتقام زملائه القدامى، قائلًا: «حصلت على مسدسي الأول من أحد زعمائي عندما كان عمري 13 أو 14 عامًا». وأضاف: هربت العصابة عشرات الأسلحة الجديدة والمستعملة، ومنها مسدسات جلوك الأمريكية، والتي تراوحت أسعارها ما بين 15 – 20 ألف جنيه إسترليني.

في الوقت الراهن، يقول المحققون إن خط تهريب الأسلحة بات راسخًا؛ إذ اكتشفت الشرطة ما لا يقل عن 782 بندقية أمريكية منذ عام 2017م، وتشمل البنادق التي وصلت إلى بريطانيا من الولايات المتحدة سواء كان ذلك بطريقة مباشرة أم غير مباشرة.

وأردفت الكاتبة قائلة: إن السيطرة على السلاح هي إحدى القضايا القليلة التي توحِّد بريطانيا المنقسمة سياسيًّا. وفي الوقت الذي تعرضت فيه الولايات المتحدة لحوادث إطلاق نار جماعية مروعة في المدارس على مدى عقود، لم يلزم بريطانيا سوى وقوع هجوم واحد مماثل لكي تشرع في حظر الملكية الخاصة للمسدسات.

هجوم دانبلين

هذا الهجوم، الذي ما يزال أعنف إطلاق نار جماعي في تاريخ بريطانيا، هو مذبحة مدرسة دانبلين الابتدائية عام 1996م في أسكتلندا، التي قتل فيها 16 تلميذًا ومعلمتهم على أيدي مسلح انتحر بعدها. لكن حتى مع تشريع قوانين أكثر صرامة، ما زالت المسدسات تجد طريقها إلى أكثر المناطق هدوءًا في بريطانيا، مثل مسقط رأس باينز.

في ليلة اغتياله في مدينة نورثامبتون، قاتل باينز من أجل الدفاع عن حياته، وفق ما أظهرته كاميرا الأمن؛ إذ كان يحاول نزع سلاح مهاجمه الذي صوب عليه مسدس جلوك، وعندما سقط باينز على الرصيف، سحب مهاجم آخر مسدسه وأطلق النار على رئته.

ويكمل التقرير: إن قاتلي باينز، جيروم سميكلي وكايونغو شوليكو، عضوان في عصابة تهريب المخدرات حُكم عليهما بالسجن مدى الحياة في الصيف الماضي. وعلقت لين نوت، والدة باينز، قائلة: «أعتقد أنه من العدالة أن يقبعا في السجن، لكن ما كان ينبغي أن يُقتل ولدي جوش بالأساس، إذا لم يكن لديهما سلاح بالطبع لكان ولدي على قيد الحياة الآن».

Embed from Getty Images

ويشير التقرير إلى أن السلاح المستخدم في قتل باينز اكتُشف بعد ثلاثة أشهر، عندما عثر عليه كلب في حقل قريب، ولم يكن القاتلان قد أزالا الأرقام التسلسلية من على السلاح، وعندما تتبعته الشرطة قادها إلى ولاية فلوريدا الأمريكية.

بعد عدة شهور، أصبح وجود الأسلحة الأمريكية واضحًا أكثر فأكثر، عندما داهم ضباط من الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة في يوليو  (تموز) 2019م شحنة حاويات صدئة لدى وصولها إلى ميناء أمبارلي في شمال تركيا بعد أن قطعت قرابة 6 آلاف ميل قادمة من فلوريدا.

القلق من القادم

وعثرت الوكالة بداخل بعض هذه الحاويات على سيارات أمريكية قديمة مخبأ فيها 57 قطعة سلاح ناري و1230 رصاصة، يقول المحققون إنها كانت مخصصة لعصابات في بريطانيا وبلغاريا.

كما ذكر المحققون أن هذه الأسلحة اشتُريت بطريقة قانونية من معارض الأسلحة العتيقة في فلوريدا، ثم هُربت إلى تركيا لإعادة تنشيطها بطريقة غير قانونية قبل بيعها.

وينقل التقرير ما قاله ماثيو بيرفكت، قائد وحدة الأسلحة النارية في الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة: «إن المسؤولين استبد بهم القلق حيال الأسلحة المهربة لدرجة أن وحدته ضاعفت عدد موظفيها خلال العامين الماضيين؛ إذ تسعى الوكالة لكبح جماح سوق الأسلحة النارية كي لا تصبح المسدسات شائعة كالسكاكين». وتابع بيرفكت قائلًا: إذا أصبحت البنادق فجأة السلاح المفضل بدلًا من السكين، فسنكون في موقف عصيب حقًّا.

وتختم المراسلة تقريرها المنشور في «نيويورك تايمز» بالقول: «حوَّل والد باينز وزوجة أبيه منزلهما الآن لتكريم ابنهما المفقود وعمره لا يزيد على 28 عامًا، حيث وُضعت صور باينز داخل إطار في جميع أنحاء المنزل، بينما زوجة أبيه ما زالت غير قادرة على نسيان ذكراه وهو مستلقٍ كما لو أن الموت لم يزره في التابوت».

سياسة

منذ سنتين
«واشنطن بوست»: أمريكا تحارب أمريكا.. هكذا ساعدت الأسلحة الأمريكية «داعش»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد