الولاية الثانية لترامب ستترك النظام السياسي والثقافة السياسية في أمريكا أشبه بالأوضاع في المجر تحت حكم فيكتور أوربان، صاحب ثاني أطول فترة حكم في تاريخ المجر.

نشرت مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية مقالًا لـ«بن رودس»، نائب مستشار الأمن القومي السابق للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، تحدث فيه عن توقعاته لما ستسفر عنه الولاية الثانية للرئيس ترامب، إن فاز بها في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التاسعة والخمسين المقرر عقدها يوم الثلاثاء 3 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 2020.

في بداية مقاله، قال الكاتب: إنه خلال العقد الماضي، حوَّل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان وحزبه فيدس (الحزب المدني المجري) الديمقراطية إلى شيء يشبه الاستبداد. فبعد وقت قصير من إعادة انتخابه لأول مرة في عام 2014، ألقى أوربان خطابًا حدد فيه ملامح مشروعه السياسي. 

في ذلك الخطاب استشهد أوربان بالإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية للعولمة، ودافع عن المسار الذي حدده عن طريق الإشارة إلى أن تلك الدول التي استعدت للمستقبل على نحو أفضل «ليست ليبرالية، ولا ديمقراطية ليبرالية، وربما ليست ديمقراطية». 

اعتمادًا على تلك الرسالة، حدد شكلًا من أشكال تغيير النظام. وقال: إن «المجريين ليسوا مجرد مجموعة من الأفراد، ولكنهم مجتمع في حاجة إلى تنظيم وتعزيز وتطوير، وبهذا المعنى فإن الدولة الجديدة التي نبنيها هي دولة غير ليبرالية، إنها دولة ليست ليبرالية».

الاستبداد على الطريقة المجرية

وذكر الكاتب أن أوربان اعتقد أن المجر يجب أن تلوذ بالقومية، وأن القومية تتطلب يدًا استبدادية، وأن هذه اليد تخصه وحده وتخص حزبه فيدس. على هذا النحو، أصبحت هوية الأمة المجرية وسياسات فيكتور أوربان تخرجان من مشكاةٍ واحدة. وأمضى أوربان سنوات في تهيئة بني وطنه لهذا التحوُّل. وفي ولايته الأولى، سعى على نحو منهجي لإعادة تشكيل المؤسسات الديمقراطية في المجر. وأعيد رسم الدوائر البرلمانية لصالح حزب فيدس. وأُعطيَ حق التصويت لذوي العرق المجري الذين يعيشون خارج البلاد. 

Embed from Getty Images

فيكتور أوربان 

واكتظت منصات المحاكم على نحو منهجي بقضاةٍ يمينيين. وأُثرِيَ المقربون من حزب فيدس، ولذلك موَّل أعضاء النخبة التجارية سياسات أوربان. وبنت الحكومة آلة دعاية ضخمة، إذ أُرهِبت وسائل الإعلام المستقلة وبِيعَت وسائل الإعلام اليمينية وتحولت إلى وسائل إعلام شبه حكومية. وبينما  تبنى حزب فيدس ذات مرة سياسة خارجية مناهضة للهيمنة الروسية، فتح أوربان ذراعيه لفلاديمير بوتين، واستدعى الاستثمار الروسي والفساد الذي رافقه إلى المجر.

هذا ما زرعه الحزب الجمهوري في أمريكا خلال العقد الماضي

ينتقل الكاتب إلى الولايات المتحدة، فيقول: حرث الحزب الجمهوري أرضًا مماثلة لعقد من الزمان. ونُظِّمت شكاوى الأزمة المالية لعام 2008 في حزب الشاي، وهي حركة شعبية يمينية عرضت شكلًا تقليديًّا من الانتماء خاصة للناخبين البيض والمسيحيين. وسلَّح الموظفون الحكوميون من الجمهوريين أنفسهم من خلال إعادة تقسيم الدوائر لحماية أنفسهم. ووضع نصف الولايات الأمريكية قوانين تصويت تقييدية خلال العقد الماضي. 

وأثْرَت السياسات الجمهورية فئة النخبة من المانحين الذين أنفقوا المليارات على السياسة اليمينية. وتعمل شبكة «فوكس نيوز» باعتبارها محورًا لآلة دعاية يمينية مترامية الأطراف، تغطي التلفزيون والإذاعة والمواقع الإلكترونية ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي. 

وركَّز الحزب الجمهوري تركيزًا منهجيًا على المحاكم؛ بدءًا من عرقلة تعيين أوباما إلى تسريع التحول في النظام القضائي أثناء عهد ترامب. وعلى غرار حزب فيدس، تحوَّل الحزب الجمهوري من سياسة خارجية متأصلة في معارضة روسيا إلى مزيج ساخر من التودد والإنكار فيما يتعلق بالتدخل الروسي في ديمقراطيتنا.

المجر.. بين إخفاقات الديمقراطية الليبرالية وجاذبية القصة الوطنية القديمة

يعود الكاتب إلى المجر، حيث نشر أوربان بمهارة وبلا هوادة – من أجل تبرير جهوده – شعبوية يمينية تركِّز على إخفاقات الديمقراطية الليبرالية، وتروج لجاذبية قصة وطنية قديمة: الهوية المسيحية، والسيادة الوطنية، وعدم الثقة في المؤسسات الدولية، ومعارضة الهجرة، وازدراء النخب الليبرالية الصائبة سياسيَّا. وعلى هذا النحو سَحَق الوضع الراهن، وجعل الجماهير تشعر بالقوة من خلال الاستجابة لمظالمهم. 

Embed from Getty Images

ترامب يستقبل فيكتور أوربان. واشنطن – مايو (أيار) 2019

لخَّص الناشط المجري المناهض للفساد، ساندور ليدرير، الذي يدير منظمة غير حكومية تسمى «كيه – مونيتور»، المفهوم البسيط «نحن ضدهم»، قائلًا: «كان علينا حماية المجريين من هذه النقطة أو تلك، ويمكنك ملء هذه النقاط بموضوعات جديدة»: الشركات العالمية متعددة الجنسيات، أو المسلمين، أو المهاجرين، أو بيروقراطيي الاتحاد الأوروبي، أو وسائل الإعلام الليبرالية، أو حتى رجل الأعمال جورج سوروس (المعروف بدعمه للسياسات الليبرالية).

«تفكيك الدولة».. هذا ما تخفيه معارك ترامب الهزلية

وبالمثل في الولايات المتحدة، استخدم دونالد ترامب السلاح الوطني غير الليبرالي الذي وحَّد جهود حزبه، وعزز الاتجاه الاستبدادي، على حد وصف الكاتب. ومثل أوربان، خَلَط ترامب بين المظالم ومجموعة متناوبة من الأشرار في شكل سياسة قومية عرقية داخل إطار «نحن ضدهم». 

لكن الطبيعة الهزلية أحيانًا لهذه المعارك ينبغي ألا تحجب ما يحدث خلف تغريداته التقريعية على «تويتر». فتماشيًّا مع التزام ستيف بانون (مساعد سابق لترامب، شغل منصب كبير مستشاري الرئيس للشؤون الإستراتيجية) بعد تولي ترامب منصبه، واصلت هذه الإدارة «تفكيك الدولة الإدارية» إلى جانب تجاهل المعايير الديمقراطية، إذ يُروَّج للموالين، ويُعفى عن حلفاء ترامب، ويُعاد توجيه الإنفاق المحلي بالرغم من اعتراض الكونجرس، ويُمارس ضغط على الحكومات الأجنبية للتحقيق مع معارضي ترامب السياسيين، ويُتخلَّص من المفتشين العموميين، ويُستهان بقواعد الأخلاق، ويُقاوَم أي شكل من أشكال الرقابة في الكونجرس تقريبًا.

وزارة العدل في خدمة المصالح السياسية للرئيس

بطريقة خادعة، وتحت قيادة النائب العام بيل بار، تحوَّلت وزارة العدل إلى امتداد للمصالح السياسية لترامب. وأدَّى ذلك إلى مشهد حاولت فيه وزارة العدل إسقاط التهم الموجهة إلى مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين، على الرغم من اعترافه بالذنب في جريمة الكذب على الحكومة، والجهود التي بذلتها الوزارة لفترات استثنائية للتحقيق في سلوكها المبرر بوضوح في تحقيقات روسيا. 

وحين وقف بار لالتقاط الصور في ساحة لافاييت، حيث فرقت قوات الأمن المتظاهرين السلميين، كان ذلك الإرهاص الأكثر تشاؤمًا لما يمكن أن تؤول إليه الأمور – حسب تحذير الكاتب – ذلك أنه أعطى بذلك قوات الأمن تصريحًا من وزارة العدل بانتهاك أبسط مبادئ الحرية المنصوص عليها في وثيقة حقوق الولايات المتحدة (التعديلات العشرة الأولى لدستور الولايات المتحدة).

ماذا فعل أوربان بعد إعادة انتخابة في المجر؟

أوضح الكاتب أنه بعد إعادة انتخابه لأول مرة، ازداد تركيز أوربان على اضطهاد أعدائه. وتعلم الخصوم السياسيون والمجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة التعايش مع ألوان مختلفة من المضايقات، بما في ذلك التضليل المستمر والتهديدات القانونية. واستكملت المجر بناء سياج لإغلاق الأبواب في وجوه المهاجرين. وتطورت نظريات المؤامرة حول سوروس حتى وصلت إلى حملة تُستخدَم لتبرير كل شيء، بما في ذلك القيود المرهقة على المجتمع المدني والتحقيقات المزيفة.

Embed from Getty Images 

وانتشر الفساد، وأصبح وجهًا آخر للإنفاق الحكومي المجري. وجرت محاولات لتبييض خطايا المجر التاريخية – بما في ذلك التواطؤ في الهولوكوست – مع الاستعانة بالنُصُب البارزة والمناهج المنقحة التي رسَّخت مستقبل المجر في الجوانب اليمينية من ماضيها.

ماضي المجر مع أوربان.. هل يصبح مستقبل أمريكا مع ترامب؟

أدَّت التغييرات الهيكلية للديمقراطية في المجر إلى: انتخاب أوربان لولاية ثالثة في عام 2018. وعلى الرغم من حصوله على أقل من نصف الأصوات الشعبية، ظل يمسك بجميع مقاليد السلطة في المجر وكأنه عملاق خارق. 

يحذر الكاتب: إذا أُعيد انتخاب ترامب، فمن شبه المؤكد أنه سيحصل على أقل من نصف الأصوات الشعبية. ولكن مع استبعاد ترامب للمعايير الديمقراطية وقيادته للحملات على نظريات المؤامرة، فمن الواضح أن ولاية ترامب الثانية ستترك النظام السياسي والثقافة السياسية في أمريكا أشبه ما يكونان بالأوضاع في المجر.

حين سافر بن رودس إلى بودابست في فبراير (شبّاط)، لفت انتباهه أحد في العاصمة المجرية أنها تبدو من نواحٍ كثيرة وكأنها مركز لأي ديمقراطية غربية أخرى. يظل هذا هو الانطباع حتى تدرك إلى أي مدى يُشكِّل مزيج من الامتياز الهيكلي لحزب فيدس وشعبوية أوربان الحياة العامة. 

ولا تزال هناك صحافة مستقلة، ولكنها مقتصرة على مواقع الإنترنت التي تخاطب نخبة عالمية. وفي هذا الصدد، يقول الصحافي الاستقصائي، سابويتش بانيي، قوله: يمكن لـ«أوربان» الاعتماد على آلته الدعائية للوصول إلى معظم المجريين، مع التحقير المستمر من شأن الصحافيين المستقلين. 

ويضيف، واصفًا الإجراءات التقليدية (كما يقول الكتاب) لنزع الشرعية عن الواقع الموضوعي: «كما تعرف، لا توجد حقائق، إنه مجرد رأي، وكل شيء حزبي». ويرى أن الهدف من «عمليات الحرب النفسية» هو محاولة تحويل تركيزنا مما نفعله، إلى ما يقولونه عنا».

خدعة المستبد: السياسة قذرة وخطيرة.. اتركها لنا!

والمجتمع المدني محاصر بالمثل. يستشهد المقال بوصف مارتا باردافي، الرئيسة المشاركة للجنة هلسنكي المجرية، للوابل المستمر من القوانين الحكومية التي اعترضت عليها في المحكمة، والهجمات الإعلامية الموالية لحزب فيدس.

سياسة

منذ أسبوعين
مترجم: هل يحظى ترامب بتأييد شعبي كافٍ إذا تحايل على الانتخابات للبقاء في السلطة؟

وتروي مارتا كيف تجمَّع الصحافيون اليمينيون خارج مكتب اللجنة وظلوا يقللون من عملها على نحو روتيني. وهي جهود تهدف إلى إحباط الناس وثنيهم عن الانخراط في الحياة العامة. وترى الرئيسة المشاركة للمنظمة الحقوقية أن الرسالة التي يريد أوربان إيصالها تفيد بأن «السياسة محفوفة بالمخاطر، وأنها قذرة وفاسدة، ولذا لا ينبغي أن تربط نفسك بها». وتهدف هذه اللامبالاة إلى شل تحركات المعارضة. 

العامل المشترك بين أوربان وترامب

ويرى ليدرير – مدير منظمة غير حكومية – أن هناك عاملًا مشتركًا بين أوربان وترامب، فيقول: «أنت ببساطة تخلق فضيحة أكبر، أو تروِّج لقصة أكبر؛ كي تشغل الناس عن مناقشة القضايا الحقيقية في البلاد. وعلى هذا النحو، يوجد نقاش زائف غير ذي صلة بالموضوع تمامًا، حول أشياء ذات أهمية رمزية، ولكن ليس عن كيفية إدارة الدولة، أو كيف تعمل بلادك حاليًا».  

وهذا – كما تقول مارتا باردا في متحسرة – هو الفراغ الذي يميز سياسة أوربان؛ لأنه سعى إلى الإمساك بجميع مقاليد السلطة. وبدلًا عن تقديم حلول للمشكلات، «يبدأ في التسلُّح بالكراهية». وكل هذه الكراهية لا تخدم أي غرض حقيقي. 

وأضافت: «أعتقد أن الجزء الأكثر إثارة للأسى والإزعاج في كل هذا هو أن هذا النظام السياسي بُنيَ حتى يبقى أوربان في السلطة، ويحصل حزب فيدس على تمويل جيد». وعلى الرغم من كل الحديث عن القومية، فإن هدف أوربان الحقيقي هو السعي وراء السلطة.

الخلط بين مهام الحكومة ومصالح الرئيس

ولفت بن رودس إلى أن سياسات الكراهية والسعي وراء السلطة يمكن أن تتجذر بسهولة في ولاية ترامب الثانية. فكما هو الحال مع أوربان، يمكننا أن نتوقع نظريات مؤامرة شاملة، مثل «Obamagate (نظرية المؤامرة التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب في 2018 متهمًا إدارة أوباما بزرع جاسوس في حملته الرئاسية لعام 2016 لأغراض سياسية)» غامضة الملامح، لتوفير ذرائع لملاحقة المعارضين السياسيين لترامب. 

ويضيف الكاتب: كما تقدم وزارة العدل – المذعنة للرئيس – حصانة افتراضية لبعض المنتسبين إلى ترامب كي يمارسوا الفساد دون خوف من العقاب. ومع تجاهل الرقابة التشريعية وإسكات الرقابة الذاتية للسلطة التنفيذية، سيتعذر التمييز بين الوظائف الأساسية للحكومة والمصالح السياسية قصيرة المدى لترامب.

استمرار تمزُّق النسيج الوطني الأمريكي

وبافتراض أن ترامب لا يزال يحظى بولاء الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، فإن المحاكم ستتحول على نحو أكبر إلى الصورة التي يريدها ترامب، وستتخلص من أي تحقيق ذي مغزى بشأن أفعاله. 

Embed from Getty Images

ولأن ترامب لن يكون مهتمًا خلال فترة ولايته الثانية بمسألة إعادة انتخابه، فإنه لن يكون مقيدًا بضوابط المساءلة، وستكون أقوى مؤسسة في تاريخ العالم – حكومة الولايات المتحدة – كالخاتم في أصبعه يحركها كيف يشاء، كما يقول بن رودس.

في غضون ذلك سيستمر الاستقطاب المختلق في السماح له بالحفاظ على دعم أتباعه أثناء محاولته تقويض خصومه. وفي بلد يتصارع بالفعل مع جراح عنصرية، عميقة ولم تلتئم بعد، يحذر الكاتب من استمرار تمزق النسيج الوطني الأمريكي. 

ويشدد بن رودس على أن المخاوف بشأن الديمقراطية نفسها لا تحرِّك الناخبين في كثير من الأحيان. بل غالبًا ما تكون القضايا التي تخص المسكن أو حالة الاقتصاد أو الحصول على الرعاية الصحية أو القضايا المتعلقة بالهوية الاجتماعية هي محور اهتمام الحملات السياسية. 

هناك بالطبع أدلة متزايدة على أن عداء ترامب للأداء الكفء للحكومة، وانشغاله بتعزيز حظوظه السياسية؛ قد فاقم من أزمات تهدد صحة كل أمريكي وأمنه الاقتصادي. ولكن يجب على الأمريكيين بالأساس أن يأخذوا بعين الاعتبار الأمور التي سيصدِّقون عليها، واضعين نصب أعينهم الأدلة التي تكشَّفت خلال أربع سنوات، إذا اختاروا الاستمرار في مسار معادٍ للمعايير الديمقراطية والضوابط والتوازنات الدستورية التي كانت دينًا علمانيًّا في أمريكا منذ ما يقرب من 250 عامًا؛ ذلك المسار الذي يرحب بالتسلح المستمر بالكراهية، انطلاقًا من المكتب البيضاوي، بطرق تهدد التماسك الاجتماعي الذي تعتمد عليه أي ديمقراطية تعددية.

تذكير بالدرس المستفاد من أهوال الحرب العالمية الثانية

ويعد صعود أوربان وترامب جزءًا من صعود القوميين الاستبداديين في جميع أنحاء العالم؛ من البرازيل إلى روسيا إلى تركيا إلى الهند إلى الصين إلى الفلبين. ويعتمد نجاحهم على الحجة التي قالها أوربان بصوت عالٍ بعد إعادة انتخابه: أن العولمة فشلت، وكذلك الديمقراطية الليبرالية، وأن الشكل الأكثر تقليدية للقومية ضروري لاستعادة مجد بلادهم مرةً أخرى.

وبالنظر إلى أحداث التاريخ، ليس من الصعب القول بأن القومية الاستبدادية – بدلًا من الديمقراطية الليبرالية – هي في الواقع القاعدة المتَّبعة، في حين تبرز الديمقراطية الليبرالية أكثر كاستثناء في زمن ما بعد الحرب. ولقد أيقظت أهوال الحرب العالمية الثانية الجماهير على مخاطر القومية الاستبدادية، والضرر الذي يمكن أن تلحقه بالدول منفردةً وبالعلاقات فيما بينها. ولكن الآن ونحن على أعتاب انتخابات محددة في الداخل وتصاعد صراع القوى العظمى في الخارج، يبدو أن هذا الدرس قد نُسيَ.

سلطات شبه ديكتاتورية

وألمح الكاتب إلى أن بانون أطلق ذات مرة على أوربان وصف «ترامب الأصلي الذي جاء قبل ترامب». وبعد أسابيع قليلة من تفشي الجائحة، منح أوربان نفسه سلطات شبه ديكتاتورية، ومنذ ذلك الحين احتجز مواطنين بسبب جرائم تافهة كانتقاد الحكومة على «فيسبوك». 

يقول بن رودس: الولايات المتحدة لا تداني هذا المستوى من الاستبداد حتى الآن. لكن من المفترض أن تكون بوليصة تأمين ديمقراطيتنا هي مرونة مؤسساتنا الديمقراطية، وهناك أدلة يومية وافرة على أنها تتشكل الآن أمام أعيننا وفي طريقها إلى أن تصبح شيئًا مختلفًا؛ إذ تحولت من عقبات يمكن أن تقف أمام دوافع ترامب وتحتويها، إلى وسائل لمعاقبة خصومه.

Embed from Getty Images

ستيف بانون 

في الوقت نفسه، أصبحت الأمور التي لم يكن من الممكن تصور حدوثها أبدًا في السياسة الأمريكية – على سبيل المثال أن يطالب رئيس الولايات المتحدة بانتظام بسجن خصومه – ليست مستغربة. 

ولم يخجل ترامب نفسه من التعبير عن احترامه للمستبدين، بما في ذلك أوربان، الذي رحَّب به في المكتب البيضاوي العام الماضي، وأثنى عليه لقيامه «بعمل هائل بطرق عديدة ومختلفة»، قائلًا عنه: إنه «يشبهني؛ مثير للجدل بعض الشيء، لكن لا بأس بذلك».

ماذا يخبئ المستقبل لأمريكا والمجر؟

الأمريكيون ليسوا معتادين على التفكير في أن نظامهم السياسي قد يتغير، وعدم كفاءة ترامب نفسه تقدم تطمينات زائفة بأن هناك حدودًا لما يمكنه القيام به. يستدرك المقال: لكن الدوافع الاستبدادية لدى ترامب تتناسب مع ميول الحزب الجمهوري غير الليبرالية كتناسب القابس مع المقبس؛ مما يقوِّي الحركة الاستبدادية.

ويضيف بن رودس: قبل بضعة أسابيع، أرسلت بريدًا إلكترونيًا إلى ليدريرر لأرى كيف كان يتصرف بعد استيلاء أوربان على السلطة. فتعامل مع الأمور ببساطة وهدوء. وكتب: «لأكون صريحًا، أشعر بقلق بالغ على الولايات المتحدة أكثر من المجر في الوقت الحالي؛ الأخبار المرعبة تستمر في الظهور كل يوم. ويرجى مشاركة أي سيناريو متفائل بخصوص أمريكا إذا كان لديك أي سيناريو».

واختتم الكاتب مقاله مؤكدًا أن أوربان أثبت أنه بعد الفوز بالانتخابات، يمكن للزعيم وحزبه تفكيك الديمقراطية بينما يقدمون للجمهور مزيجًا ثابتًا من القومية والكراهية. وأخشى أن هذا هو ما ستسفر عنه ولاية ترامب الثانية، ما لم يرفضه الناخبون في نوفمبر. والسيناريو المتفائل – بالنسبة لأمريكا، وكذلك المجر – هو أن ذلك يبشر برد فعل عنيف أوسع نطاقًا ضد نوع خطير من السياسة التي فشلت في حل الأزمة الحالية، ولم تقدم سوى مستقبل أكثر قتامة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد