سلَّط الكاتب بول راتنر الضوء على خُلاصة دراسة جديدة أظهرت أن الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة بلغ مستويات مقلقة. يقول الكاتب في التقرير الذي نشره موقع «بيج ثينك»: إن الدراسة المثيرة للقلق حددت ثلاثة مكونات أساسية وهي

  • الاستقطاب السياسي الأمريكي بلغ مستويات مقلقة للغاية.
  • الديمقراطيون والجمهوريون يكرهون الآخر أكثر من حبهم لحزبهم.
  • تفاقم الاستقطاب على الرغم من حقيقة أن الاختلافات بين الجانبين ليست مثيرة إلى هذا الحد.

وأوضح الكاتب أن القول إن الانتخابات الحالية عصيبة ومثيرة للانقسام تبسيط مُخِل، فقد بلغ التوتر في الولايات المتحدة مبلغه، وباتت مستعدة للانفجار بصرف النظر عمن سيفوز بالرئاسة. وتُظهر دراسة جديدة مدى السوء الذي وصلت إليه الأوضاع، إذ يبلغ الحَنَق على الحزب المعارض الآن درجة تفوق الحب الذي قد يكنِّه مؤيد لحزبه الذي ينتمي إليه. أو بعبارة أخرى: أصبح الناس يكرهون الأشخاص على الجانب المعاكس من الطيف السياسي أكثر من اكتراثهم لحزبهم.

دولي

منذ 10 شهور
«واشنطن بوست»: هل تشتعل حرب أهلية جديدة في أمريكا؟

ويتساءل الكاتب: هل هذه وصفة لكارثة؟ تصف الدراسة المواقف السياسية الحالية في البلاد بأنها «طائفية سياسية»، وتربطها بالحماسة الدينية. وتُظهِر الدراسة أيضًا أن الهوية السياسية بالنسبة لكثيرين أصبحت هويتهم الأساسية.

مخاطر الوضع الراهن

وأشار الكاتب إلى أن المؤلف الرئيس للدراسة إيلي فينكل، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة نورث وسترن، وصف مخاطر الموقف قائلًا: «إن الوضع الحالي للطائفية السياسية ينتج عنه تحيز وتمييز وتشويه معرفي؛ مما يقوِّض قدرة الحكومة على أداء وظائفها الأساسية المتمثلة في تمثيل الشعب وحل مشاكل الأمة»، مضيفًا أن هذا الوضع «يجعل الناس أكثر استعدادًا لدعم المرشحين الذين يقوِّضون الديمقراطية وتفضيل العنف لدعم أهدافهم السياسية».

وتستند استنتاجات فينكل إلى النظر والبحث في عشرات الدراسات البحثية المنشورة، والتي ترجع إلى سبعينات القرن الماضي. واعتمدت الدراسة على خبرة مؤلفين مشاركين من ستة تخصصات هي: العلوم السياسية، وعلم النفس، والاقتصاد، وعلم الاجتماع، والإدارة، فضلًا عن علم الاجتماع الحاسوبي.

وحدد المؤلفون ثلاثة أسباب سلوكية محددة أدَّت إلى الطائفية السياسية:

  1. «الآخرية/ الغيرية» – رؤية الجانب الآخر على أنه مختلف.
  2. «الكراهية» – النظر إلى الجانب الآخر على أنه غير محبوب.
  3. «التفسير الأخلاقي» – اعتبار الطرف الآخر عديم الأخلاق.

يهود أمريكا -

وقد وجد العلماء أنه في حين احتفظ الناس بمشاعرهم الإيجابية والدافئة تجاه أنصارهم الحزبيين، تحوَّلت المشاعر السائدة تجاه الحزب الآخر إلى كراهية صريحة. ويعتقد المؤلف المشارك للدراسة جيمس دروكمان، أستاذ العلوم السياسية في نورث ويسترن، أن الأمور أصبحت أسوأ كثيرًا في العقد الماضي، إلا أنه «لا توجد إشارة على أننا وصلنا إلى الحضيض».

وأوضح دروكمان أنه «بقدر اختلاف الأحزاب بعضها عن بعض، فإن أنصار الأحزاب يتصورون وجود اختلافات أكبر، معتقدين على سبيل المثال أن الحزب الآخر عدائي ومتطرف أيديولوجيًّا»، مضيفًا أن «تصحيح هذه الأنماط من المفاهيم الخاطئة قد يُبطِل الطائفية جزئيًّا».

ويلفت الكاتب إلى أن هذا الاستنتاج ليس مفاجئًا لمن يتابعون حالة الانتخابات في الولايات المتحدة، فقد أصبح من الشائع أن يسارع أنصار الأحزاب إلى توجيه الانتقادات اللاذعة إلى الذين يختلفون معهم، ويطلقون الاتهامات التي لا أساس لها والإساءات الشخصية، ويلغون صداقتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، ويَنهرُونهم في الشوارع. ويتساءل الكاتب: «ألم نتخطى حقبة العنف واسع الانتشار منذ زمن بعيد؟».

أسباب تنامي الطائفية السياسية

ونوّه الكاتب إلى أن مؤلفي الدراسة حدَّدوا أسبابًا لتنامي الطائفية السياسية:

  • «اصطفاف الهوية» الذي فَصَل الانتماء السياسي على أساس «هوية ضخمة» تنبع من الاختلافات العرقية والدينية والتعليمية والجغرافية.
  • صعود وسائل الإعلام الحزبية، مع انقسام المشاهدين سياسيًّا بناءً على ما إذا كانوا يتابعون المنافذ المُحافِظة مثل شبكة «فوكس نيوز» أو «بريت بارت» أو شبكة «وان أمريكا نيوز» مقابل شبكة «سي إن إن» أو «إم إس إن بي سي» ذات الميول الليبرالية.
  • «الاستقطاب الأيديولوجي النُخبَوِي» حيث يسعى الحزبان لإرضاء الغُلاة الذين يُعدُّون أكثر تطرفًا أيديولوجيًّا من الوسطيين، ويتحرك السياسيون من كلا الجانبين إلى أقصى اليمين أو أقصى اليسار.

يتساءل الكاتب: كيف نوقف انتشار المرار الذي في الحُلوق والغضب المتَّقد بين الضلوع، اللذين يعرِّضان ديمقراطيتنا وبقاء الولايات المتحدة للخطر؟ ولعل من غير المستغرب أن يشجِّع الباحثون الحوار مع الجانب الآخر، إلى جانب العمل على تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى الناس عن أولئك الموجودين على الجانب الآخر من الطيف السياسي.

يقول فينكل: «إذا كانت الخلافات بين الديمقراطيين والجمهوريين بالقدر نفسه من التطرف كما يعتقد الأمريكيون، فإن ذلك يمكن أن يساعد في تفسير الازدراء الحاصل بينهما، ولكن هذه الاختلافات موجودة في أذهان الناس أكثر مما هي عليه في الواقع. وهناك كثير من الأرضية المشتركة بينهما، لكن الأمريكيين يرونها بصعوبة».

ويقترح الباحثون أيضًا تدابير أخرى، مثل تعديل خوارزميات وسائل الإعلام الاجتماعية لمنع انتشار المعلومات الزائفة أو المفرطة في الحزبية، وتحفيز الساسة على التواصل مع مجموعة أوسع من الأمريكيين، وتأسيس إصلاحات مالية للحملات الانتخابية، ومنع تقسيم المناطق الانتخابية لمصالح حزبية.

ويختتم الكاتب مقاله: «إذا كنت تتساءل عن أوجه الشبه بين الولايات المتحدة وبلدان أخرى، فقد وجد بحث من جامعة براون صدر في يناير (كانون الثاني) 2020 أن الاستقطاب في الولايات المتحدة قد ازداد كثيرًا منذ أواخر سبعينات القرن العشرين مقارنةً بالبلدان الثمانية الأخرى التي درسها العلماء، وهي المملكة المتحدة، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، وألمانيا، وسويسرا، والنرويج، والسويد».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد