تغيّر جذري في سياسات مواجهة الإرهاب

على ضوء ما سبق، يرى «تشومسكي» ضرورة تغيير الاستراتيجيات المُحاربة للإرهاب جذريًا. يعتقد «بولك»، مؤلف كتاب «السياسة العنيفة»، أنّ الاستراتيجية الأفضل تتمثل في برنامج عالمي يستهدف تحقيق الرخاء، ويحوّل الاتجاه من العنف إلى التفاوض، وينزع الكثير من الحقد والغلّ تجاه الغرب. يرى «بولك» أن اعتذارًا عن التجاوزات لن يكلّف القوى الغربية كثيرًا ولكنه سيحقق الكثير. فما يجذب الجهاديين ليس تعليم القرآن بقدر ما هو «القضية المثيرة والنفير الذي يعد بالمجد والفخر في عيون الأصدقاء»، على حد قول الباحث «سكوت آتران».

أمر آخر لا يقل في الأهمية، هو تغيير التعامل مع أزمة اللاجئين، باستقبال المزيد منهم في البلاد الأوروبية؛ المتسبب الحقيقي في الأزمة، أوعلى الأقل بزيادة الدعم الإنساني للمخيمات في لبنان، الأردن وتركيا بسخاء، والتي يعيش فيها اللاجئون بالكاد.

شرق آسيا: تحرّكات صينية حذرة لإبعاد الولايات المتّحدة

ينتقل «تشومسكي»، في حديثه عن القوى المهدّدة للتواجد الأمريكي، إلى الصين. يُدرك قادة الصين جيدًا المخاطر المُحيطة بطرق النقل البحري، مثل اليابان من خلال مضيق ملقا، هذه القوى التي يدعمها الجيش الأمريكي. لذا تتوخّى الصين الحذر في تحركاتها تجاه التوسّع غربًا. بعض هذه التحركات – يقول «تشومسكي» – تقع في نطاق منظمة شانغهاي للتعاون، التي تضم دول وسط آسيا، روسيا، وقريبًا ستضم الهند وباكستان، وإيران كمراقب. رفضت منظمة شانغهاي رقابة الولايات المتّحدة، بل وطالبتها بإغلاق كل قواعدها العسكرية في المنطقة.

تطمح الصين إلى إنشاء نسخة حديثة من «طريق الحرير»، لتؤسس نظامًا آسيويًا تجاريًا متكاملًا، لا يربط مناطق نفوذ الصين وفقط، وإنما يمتد إلى مناطق إنتاج النفط في أوروبا والشرق الأوسط. أحد عناصر هذا البرنامج هو طريق سريع يمر ببعض من أعلى جبال العالم ليصل إلى ميناء «جوادار» الذي أنشأته الصين في باكستان، ليحمي بذلك شحنات النفط من أي تدخل أمريكي محتمل، ويحقق التطور الصناعي بباكستان، ويساعدها على التحكم في الإرهاب الداخلي، ستكون «جوادار» جزءًا من «عُقد اللآلئ»: القواعد الصينية التجارية «وربما العسكرية» على المحيط الهندي.

كذلك أنشأت الصين عام 2015 «البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية» AIIB، والذي شاركت 56 دولة في افتتاحه ببكين، منها بعض حلفاء الولايات المتّحدة، في غياب الولايات المتّحدة واليابان. يرى بعض المحللين أن البنك ربما يصبح منافسًا لصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، اللذان تتمتع فيهما الولايات المتّحدة بحق الفيتو.

شرق أوروبا: روسيا تُجابه انتشار الناتو

ننتقل إلى روسيا، حيث الأزمة الراهنة التي تدخّلت فيها روسيا عسكريًا في أوكرانيا. «ريتشارد ساكوا»، الأستاذ بجامعة كنت، في دراسة له حول الأزمة الحالية، يُرجع بدايات الأزمة إلى عام 1991، نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي. وقتها برزت رؤيتان لمستقبل أوروبا، كما يقول «ساكوا». الأولى هي «أوروبا الأوسع» Wider Europe، مركزها الاتحاد الأوروبي، وتشمل كل ما يتعلق بالأمن والمجتمع السياسي الأوروأطلنطي. والثانية هي «أوروبا الأعظم» Greater Europe، القاريّة الممتدّة من لشبونة إلى فلاديفوستوك، لها مراكز متعدّدة في بروكسل، موسكو وأنقرة، تتوحّد جميعها لإنهاء الخلافات التي أفسدت القارة. كان القائد السوفييتي «مايكل جورباتشوف» من أهم الدافعين باتجاه هذه الرؤية.

لكن مع انهيار روسيا في التسعينيات نتيجةً للإصلاحات الاقتصادية، تراجعت تلك الرؤية. استقبل الغرب انهيار روسيا على أنّه «نهاية التاريخ»، و«الانتصار النهائي للرأسمالية»، وبدأ توسع الناتو على الفور ليصل إلى الحدود الروسية، على الرغم من تأكيد القوى الغربية لـ«جورباتشوف» أن هذا لن يحدث في حال موافقته على انضمام ألمانيا إلى حلف الناتو. تغيّرت كذلك مهمة الناتو رسميًا لتصبح تأمين البنية التحتية لنظام الطاقة العالمي، والخطوط البحرية والأنابيب، لتشمل مهمتها العالم بأسره، ويُسمح لها بالتدخّل العسكري بناءً على أوامر الولايات المتّحدة بعد مراجعات غربية لعقيدة «مسؤولية الحماية»، التي تُلزم أعضاء الأمم المُتحّدة بالتدّخل لمنع جرائم الإبادة، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية.

لم يسلط الضوء على «أوروبا الأعظم» مرة أخرى إلا بعد تعافي روسيا تحت قيادة «فلاديمير بوتين»، وزميله «ديميتري ميدفيديف». لكن الدعوات التي أطلقتها روسيا من أجل «الشراكة الاستراتيجية» قُوبلت بالتشكك، فقد اعتُبرت، كما يقول «ساكوا»، مجرد غطاء لإنشاء «روسيا الأعظم»، وإفساد العلاقات بين أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. ثمّ جاء الوعد الذي تلقته كل من جورجيا وأوكرانيا بالانضمام للناتو، في القمة المنعقدة بمدينة بوخارست، عام 2008، لتسوء العلاقات أكثر بين جورجيا وروسيا ويندلع النزاع المسلّح بينهما في ذات العام، ثم تأتي الأزمة الأوكرانية عام 2014.

المخاوف الروسية مشروعة ومفهومة، كما كتب الأكاديمي بجريدة «فورين أفيرز»، «جون ميرشايمر»، إذ يرى أنّ السبب وراء أزمة أوكرانيا الحالية هو عدم فهم الولايات المتّحدة لموقف موسكو من توسع الناتو، الذي يهدد مصالحها بشدة، والإصرار الأمريكي على اجتذاب أوكرانيا ووضعها في كفة الغرب بدلًا من الشرق. في الواقع، لا تتحمّل الولايات المتّحدة أي عصيانٍ ناجح لهيمنتها المنشودة على العالم.

يعود «تشومسكي»، في النهاية، إلى سؤاله الأول: من يحكم العالم الآن؟ ويطرح سؤالًا آخر: ما هي القيم والمبادئ التي تحكمه؟ هذا السؤال يجب أن يجيب عليه من يحتكرون صناعة القرار الآن، هؤلاء الذين يتمتعون بالحرية، والامتيازات، والفرص، بفضل الصراعات التي خاضها سابقوهم، وعلى أساسه، ستتحدد الخطوات القادمة استجابةً للتحديات العالمية.

1 2

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد