نشر موقع «موندوايس» الإخباري المتخصص في تغطية السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط من منظور يهودي تقدمي ‌مُعادٍ للصهيونية مقالًا كتبه درغام أبو سلام، الكاتب الفلسطيني المهتم بتحليل شؤون القضية الفلسطينية، استعرض فيه بعض الحقائق التي تكمن وراء القوة التي يتمتع بها الكيان الصهيوني، مؤكدًا على أن دعم الولايات المتحدة للكيان لا يبدأ وينتهي عند توفير غطاء دبلوماسي وتقديم دعم عسكري تبلغ قيمته 3.8 مليار دولار لإسرائيل سنويًّا، وأن عمليات وقف إطلاق النار لا تُقدم حلولًا جذرية للصراع بين القدس وتل أبيب.

فرصة لالتقاط الأنفاس

يقول الكاتب في بداية مقاله إن أنباء وقف إطلاق النار الذي يقضي بوقف العدوان على قطاع غزة يُمثِّل فرصة لالتقاط الأنفاس في ظل الفظائع التي شَهِدها الفلسطينيون منذ 10 مايو (أيار). ولكن إذا لم تُتَّخَذ إجراءات شجاعة، فسينهار وقف إطلاق النار هذا كما انهارت كل عمليات وقف إطلاق النار التي سبقته.

وفي 2 مايو أصدرت المحكمة المركزية الإسرائيلية في القدس حكمًا لصالح التهجير القسري لـ13 عائلة فلسطينية، تتكون من 58 شخصًا، من بينهم 17 طفلًا، على أيدي مستوطنين يهود في حي الشيخ جرَّاح في القدس. وكانت هذه العائلات تحتج على ما تصفه إحداها بـ«التهجير العِرقي القَسْرِي» منذ عقود.

Embed from Getty Images

وفي الأسبوع الذي أعقب هذا الحكم، استمر المستوطنون الإسرائيليون اليهود، تحت حماية الجنود الإسرائيليين، في مضايقة هذه العائلات ومداهمة منازلها؛ ما أسفر عن إثارة صرخة احتجاج عالمية تطالب بـ«إنقاذ حي الشيخ جرَّاح»، في خِضمِّ استمرار الانتهاكات الإسرائيلية للمسجد الأقصى المجاور للحي، ووصلت هذه الانتهاكات ذروتها يوم 10 مايو.

ويؤكد الكاتب أن حركة حماس في قطاع غزة حذَّرت حينئذ الحكومة الإسرائيلية من خطورة تصرفاتها؛ ما دفع حركة المقاومة، المُدرَجَة على قائمة التنظيمات الإرهابية في الولايات المتحدة، إلى الانتقام في وقتٍ لاحق، إذ طالب سكان القدس الفلسطينيون باتخاذ إجراء من أجل حمايتهم وردع الانتهاكات الإسرائيلية. وفي اليوم ذاته شنَّت إسرائيل «عملية حارس الجدران» على قطاع غزة، وبعد مرور يوم واحد أعلنت حركة حماس شَنِّ «عملية سيف القدس».

أساليب تفريق عنيفة

ويمضي كاتب المقال قائلًا: وفي هذه الأثناء، قابلت الشرطة الإسرائيلية والقوات الخاصة والمستوطنين على حد سواء احتجاجات الفلسطينيين في جميع أنحاء المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط بأساليب تفريق عنيفة. وتضمَّنت هذه الأساليب استخدام رصاص مطَّاطي، وذخيرة حية، ومياه الصرف الصحي المعالَجَة معالجة كيميائية والمعروفة باسم «مياه الظربان» (وهي مياه تتسم برائحتها الكريهة المنبعثة من حيوان الظربان، وتستخدمها تل أبيب في تفريق المحتجين والمتظاهرين) وإلحاق الضرر بممتلكات الفلسطينيين، فضلًا عن عمليات الاعتقال.

ووفقًا للمقال وبحلول يوم 25 مايو استشهد ما لا يقل عن 275 فلسطينيًّا، (248 شهيدًا في قطاع غزة، و26 شهيدًا في الضفة الغربية والقدس، واستشهد فلسطيني واحد داخل إسرائيل)، من بينهم 66 طفلًا في قطاع غزة وحده، كما أُصيب أكثر من 6200 شخص. وأفادت تقارير أن إسرائيل سجَّلت مقتل 13 شخصًا.

Embed from Getty Images

ولم تسْلَم المنازل والأعمال التجارية والمراكز الإعلامية والمرافق الطبية من الهجمات التي شنَّتها تل أبيب. وبصفة عامة نزح الآن أكثر من 91 ألف فلسطيني في قطاع غزة بسبب تدمير نحو 1800 وحدة سكنية، بما في ذلك ستة مبانٍ شاهقة. وكان أحد تلك المباني يضم مكتبي وكالة أنباء أسوشيتيد برس وقناة الجزيرة، فيما ضَمَّ مبنى آخر المركز الوحيد الذي تُجرِى فحوصات فيروس كوفيد-19.

ما يكمن وراء استخدام إسرائيل المُفرِط للقوة

ويرى كاتب المقال أن هذا السرد الموجز في ظاهره يبدو أنه لا علاقة له ببطاقة الهوية التي تُصدِرَها الولايات المتحدة. ومع ذلك حتى يتأكد الفلسطينيون من أن المجزرة الشنيعة التي تعرَّضوا لها لن تتكرر مرةً أخرى يجب ألا يغفلوا ما يكمن وراء استخدام إسرائيل المُفرِط للقوة: أي الدعم الأمريكي. والدعم الأمريكي لا يقف عند حدود توفير غطاء دبلوماسي وتقديم دعم عسكري تبلغ قيمته 3.8 مليار دولار لإسرائيل سنويًّا.

ومنذ عام 2014 قدَّم سياسيون 219 مشروع قانون اتحاديًّا وفي جميع أنحاء الولايات (50 مشروع قانون قيد التنفيذ حاليًا) لحماية إسرائيل من الانتقاد من خلال تضييق الخناق على الحقوق التي يكفلها التعديل الأول للدستور الأمريكي للأمريكيين الذين يدعمون حقوق الفلسطينيين. وفي الوقت نفسه يدعم كثير من الأعمال التجارية الأمريكية عبر مجموعة واسعة من الصناعات، الخاصة منها والعامة، والخيرية منها والربحية، الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي المستمر من خلال تقديم إسهامات نقدية.

فنون

منذ 3 أسابيع
الفن أيضًا يقاوم.. أغاني المقاومة الفلسطينية من أناشيد «حماس» حتى «شب جديد»

ولذلك فمن المؤلم وغير المفاجئ للكاتب، باعتباره شخصًا وُلد في فلسطين عام 1989، أن خانة محل الولادة في وثيقة تصريح ممارسة العمل الخاصة به التي تصدرها الولايات المتحدة مكتوب فيها «فلسطين (وُلد قبل عام 1948)»، كما لو أن فلسطين لم تعد قائمة منذ ذلك التاريخ. ويعرف الكاتب صِيغ محل ميلاد أخرى سافرة للفلسطينيين في الولايات المتحدة، والتي تتضمن «إسرائيل» و«الأردن» و«عديمي الجنسية».

امتداد للسياسات الإسرائيلية

ويلمح كاتب المقال إلى أن بطاقة الهوية هذه، على غرار جميع أشكال الدعم الأمريكي لإسرائيل، تُعد امتدادًا للسياسات الإسرائيلية، بما في ذلك نظام تحديد الهوية الذي يتَّسم بالفصل العنصري للفلسطينيين، وتشير إلى الدور النشِط الذي تؤديه الولايات المتحدة في محو الفلسطينيين، ليس فقط في فلسطين، ولكن أيضًا مَحْوهم هنا في الولايات المتحدة.

والأمر الذي يكتسب القدر ذاته من الأهمية هو أننا يجب أن نتذكر أنه ما أن تستقر الأوضاع بعد الجولة الأخيرة من المواجهات، سيستمر الفلسطينيون في العيش في ظل «سياسة حكومية إسرائيلية شاملة تحافظ على هيمنة اليهود الإسرائيليين»، كما ورد في تقرير صدر عن منظمة «هيومن رايتس ووتش» مؤخرًا. وفي الواقع أصاب الجنود الإسرائيليون في اليوم الأول مما يُسمى بوقف إطلاق النار على قطاع غزة ما لا يقل عن 20 مصليًا فلسطينيًّا في المسجد الأقصى في القدس، وشرعوا بعد يوم واحد في شَنِّ حملة اعتقالات واسعة النطاق استهدفت مُحتجِّين فلسطينيين في مُختلَف مدن فلسطين التاريخية.

ومن المتوقع إجراء مباحثات تطالب بعقد مؤتمر دولي لإعادة بناء غزة وإحياء إجراء المفاوضات مع إسرائيل بالقدر ذاته الذي يُتوقَّع معه فشل هذه المباحثات على الأرجح.

إجراء شجاع

وشدد الكاتب على أن المضي قدمًا في هذا الصدد يتطلب إجراءً شجاعًا نحو واقع أكثر إنصافًا. وهو الإجراء الذي يتجاوز إجراء جولة أخرى من المفاوضات ويهدف إلى التغلُّب على هيمنة اليهود الإسرائيليين والمعاناة الموثقة بدقة التي سببتها هذه الهيمنة على مدى الـ73 عامًا الماضية.

Embed from Getty Images

ويشير الكاتب في نهاية مقاله إلى أن هذا الإجراء يبدأ باعتراف أمريكا بحق الكاتب، وكذا حق كل الفلسطينيين، في الوجود. ويبدأ أيضًا بـ«اعتراف الولايات المتحدة بالدور الذي أدَّته في ظلم الفلسطينيين وانتهاك حقوق الإنسان الخاصة بهم»، على حد قول النائبة الأمريكية ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز. ويبدأ مع إدراك أن عمليات وقف إطلاق النار لا تُقدِّم حلولًا للقضية.

ويبدأ بالاعتراف بأن «الصهيونية هي أحد أشكال العنصرية والتمييز العِرقي»، على النحو الوارد في قرار الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة رقم 3379 الصادر عام 1975، الذي طالبت إسرائيل بإلغائه باعتباره شرطًا مُسبقًا للانضمام إلى عملية السلام التي فشلت الآن في عام 1991. ويبدأ كذلك بفرض عقوبات على الصهيونية ونظام الفصل العنصري الذي أنتجته. ولن يُسهم أي شيء أقل من ذلك سوى في تأخير الأمر الذي لا مفر منه: اندلاع مزيد من الحروب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد