نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا أعده كل من نعوم لوبو، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية والمدير المساعد لمختبر لابوب في جامعة فاندربيلت، ولوك بلوتوفسكي، كبير الإحصائيين في المختبر، وإليزابيث زيشميستر، مديرة مختبر لابوب، تحدثوا فيه عن نتائج الاستطلاع المفاجئة التي توصلت إلى أن 40% من الأمريكيين اليوم يظنون أنهم سوف يؤيدون انقلابًا عسكريًّا إن وقع ضمن ظروف معينة.

يقول الكتَّاب في مستهل تقريرهم: مؤخرًا وللمرة الأولى، أُدرج اسم الولايات المتحدة ضمن قائمة «الديمقراطيات المتراجعة» التي يُعدها «المعهد الدولي للديمقراطية ومساعدات الانتخابات» ومقره العاصمة السويدية استوكهولم، وذكرت منظمات أخرى مشابهة أن مؤسسات الولايات المتحدة الديمقراطية قد تآكلت.

وما يظهر جليًّا في هذه التقييمات هي جهود الرئيس السابق دونالد ترامب في تقويض شرعية الانتخابات الرئاسية عام 2020، والتي بلغت ذروتها في تمرد السادس من يناير (كانون الثاني) الذي اقتحم فيه مناصرو ترامب مبنى الكابيتول الأمريكي قبل عام من الآن، وخشي كثيرون حينها، من بينهم كبار الضباط العسكريين، من حدوث انقلاب على الأراضي الأمريكية، فيما عدَّ بعض الخبراء الهجوم نفسه على أنه محاولة انقلاب.

ومنذ ذلك الحين، تبنى بعض حلفاء ترامب علانيةً، بمن فيهم مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين، فكرة انقلاب عسكري. ويجادل المراقبون السياسيون البارزون الآن بأن الديمقراطية الأمريكية غارقة في أزمة دستورية وأن «الانقلاب القادم قد بدأ بالفعل»، فهل يقبل الأمريكيون الاستيلاء على الحكم في الدولة بالقوة؟ يقدم بحثنا بعض الإجابات المقلقة في هذا الشأن.

الانتقال السلمي للسلطة والثقة في الانتخابات

يلفت التقرير إلى أنه من المبادئ الأساسية للديمقراطية الفعَّالة أن يقبل أولئك الذين يخسرون في الانتخابات الهزيمة، ويمكن لهم أن يعودوا لترشيح أنفسهم مرةً أخرى وفقًا لقواعد اللعبة؛ إذا ظنوا أنهم قادرون على الفوز في المرة المقبلة، وكتب عالم السياسة آدم برزوركسي أن أساس الديمقراطية القوية هو شكل من أشكال «عدم اليقين المؤسسي»، فطالما أننا لا نعرف مَنْ سيفوز في الانتخابات المقبلة، إذن لدى كلا الجانبين أسباب وجيهة للحفاظ على النظام الذي يسمح لهما بالمنافسة.

Embed from Getty Images

وكل هذا بالطبع يستند إلى مسلَّمة أن الانتخابات نزيهة وكلا الجانبين يراها شرعية، ووجدت بيبا نوريس، عالمة السياسة، أنه عندما يفقد الجمهور ثقته في الانتخابات، فإنه يتوقف عن التصويت، ويلجأ للاحتجاجات وأشكال التعبير الأخرى، ويتبنى أكثر فأكثر طرقًا أخرى لتغيير النظام السياسي، وهذا ما يبدو أنه يحدث الآن في الولايات المتحدة بحسب وصف التقرير.

ازدياد دعم الانقلاب بشكل حاد

يشير معدُّو التقرير إلى أنه على مدار أكثر من عقدين من الزمان، كان فريق البحث الخاص بهم في مختبر لابوب في جامعة فاندربيلت يدرس المواقف والقيم الديمقراطية في أنحاء الأمريكتين، مستخدمًا استبيانات ممثلة على المستوى الوطني يجريها كل عامين. ويستخدم هذا الاستطلاع الأمريكي مقابلات عبر الإنترنت مع عينات من المواطنين مكونة من 1500 مشارك.

ومنذ عام 2010 والاستطلاع يطرح سؤالًا نصه: «يرى بعض الناس أنه تحت ظروف معينة يكون من المبرَّر لجيش هذا البلد أن يستولي على السلطة عن طريق انقلاب عسكري، برأيك هل يمكن تبرير الانقلاب العسكري عندما يكون هناك فساد كبير»؟ ويمكن للمشاركين الإجابة بنعم، سيكون ذلك مبرَّرًا أو لا، لا لن يكون مبرَّرًا.

وطوال سنوات عديدة، قالت أقلية صغيرة من الأمريكيين، تزيد قليلًا عن واحد لكل أربعة، نعم، الانقلاب العسكري سيكون مبرَّرًا، وهذا العدد يتقاطع في الجماعات الحزبية؛ إذ عبَّر كل من الديمقراطيين والجمهوريين عن دعم أعلى قليلًا من المستقلين، لكن هذا الرقم يبدو مرتفعًا في دولة ذات تقاليد راسخة في الحكم المدني، بيد أن مزيدًا من الاختبارات كشفت أن المشاركين في الاستطلاع قد فهموا تمامًا ما قد يعنيه الانقلاب العسكري في الدولة.

ومع ذلك، هناك بعض الحقائق المطمئنة؛ إذ كان المعدل في الولايات المتحدة عام 2017 (آخر عام طُرح فيه السؤال قبل 2021) من أدنى المعدلات في جميع بلدان الأمريكتين الستة بما فيها كندا حيث قال اثنان من كل خمسة إن الانقلاب العسكري قد يكون مبرَّرًا، كما أن عدد الأمريكيين الذين قالوا إن بإمكانهم تقبُّل الانقلاب قد تراجع.

(رسم بياني يوضح عدد الأمريكيين الذين برروا الانقلاب العسكري في حال وجود الفساد على مدار العقد الماضي)

إلا أن استطلاع عام 2021 الذي نُشر حديثًا وجد شيئًا مختلفًا، ففي هذا الاستطلاع، زادت نسبة الأمريكيين المستعدين لتقبُّل الانقلاب العسكري من 28% عام 2017 إلى 40%، وهي أعلى نسبة زيادة رأيناها في الولايات المتحدة منذ بدأنا طرح السؤال قبل عقد من الزمان، وهي أيضًا إحدى أكبر الزيادات التي شهدناها في هذا المقياس عبر الأمريكتين، ومقارنةً بالدول الأخرى التي نجري الدراسات عليها، تحتل الولايات المتحدة مرتبة قريبة من الوسط في هذا المقياس، أعلى بقليل من البرازيل والمكسيك، وهي الدول التي لديها تاريخ حديث نسبيًّا مع الحكم الاستبدادي.

المواقف المعادية للديمقراطية

يلمح التقرير إلى أن هناك نتيجة مفاجئة أخرى كشفتها دراسة عام 2021 وهي أن تقبُّل الانقلابات أصبح مختلفًا تمامًا تبعًا للحزب الذي ينتمي إليه الشخص، ففي جولات الاستطلاع الأربع السابقة، اختلفت النسبة بين الديمقراطيين والجمهوريين الذين يعتقدون أن الانقلاب العسكري يمكن تبريره بأقل من 10 نقاط مئوية. وفي عام 2017، كان الفرق نقطتين مئويتين فقط مع 31% موافقة من الجمهوريين و29% من الديمقراطيين. إلا أن الفجوة اتسعت كثيرًا عام 2021؛ إذ عبَّر 54% من الجمهوريين عن تقبُّلهم للانقلاب العسكري مقارنة بـ31% فقط من الديمقراطيين.

(رسم بياني يوضح نسبة الأمريكيين الذين قالوا إنهم يثقون في الانتخابات في الأعوام بين 2014- 2021)

وأظهر سؤال آخر نطرحه في هذا الاستطلاع، والسؤال يتعلق بمدى ثقة المشاركين في الانتخابات في هذا البلد، ووجدنا فجوة متزايدة أيضًا بين الحزبين، وعادةً ما يثق المنتمون إلى الحزب الذي منه الرئيس الحالي في الانتخابات أكثر قليلًا، لكن في هذه الجولة اتسع الفارق على نحو ملحوظ، ففي عام 2021، أفاد 79% من الديمقراطيين بأنهم يثقون في الانتخابات بينما وافقهم 27% فقط من الجمهوريين الرأي، وهذه فجوة تبلغ 52 نقطة مئوية، وهو فارق كبير جدًّا عن الـ14 نقطة مئوية التي كانت قبل عامين فقط؛ إذ قال 40% من الديمقراطيين و54% من الجمهوريين إنهم يثقون في الانتخابات عام 2019.

ما الذي يجعل انقلابًا عسكريًّا أمرًا محتملًا؟

تصدرت الانقلابات التي حدثت مؤخرًا في السودان ومالي وميانمار عناوين الصحف، وامتلأت نشرات الأخبار بالتقارير حول تراجع الديمقراطية في دول مثل البرازيل والهند ونيكاراغوا وغيرها. وتتراجع الديمقراطيات عندما يتدهور حال المؤسسات والمعايير الديمقراطية، وعندما يدمر هؤلاء الذين يتوقعون أن يكونوا في الجانب الخاسر من الانتخابات العمليات الانتخابية والديمقراطية نفسها.

ويختم التقرير بالقول: تكشف البيانات التي حصلنا عليها عن أن الأمريكيين يتقبَّلون أكثر فأكثر مثل هذه التحركات المعادية للديمقراطية، ويتركز هذا التسامح أكثر في صفوف الخاسرين حديثًا في الانتخابات، أي الجمهوريين، ومع أن المؤسسات الديمقراطية كانت قادرة على ضمان انتقال سلمي للسلطة عام 2021، إلا أن النتائج التي توصلنا إليها تشير إلى أن الديمقراطية الأمريكية، بين عامة الناس، ربما لا تكون قوية وقادرة على التجدد بالقدر الذي كان يظنه كثيرون في السابق.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد