نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية مقالًا كتبه كل من فريدريك ستار – رئيس معهد آسيا الوسطى والقوقاز بجامعة جونز هوبكنز – وبريندا شافر – أستاذة في العلوم السياسية في جامعة حيفا – وسفانتي كورنيل – الباحث المتخصص في السياسة والأمن في منطقة آسيا الوسطى وتركيا والقوقاز – تحدثّوا فيه عن اللجنة الأمريكية لحرية الأديان الدولية ودورها في مراقبة الحريات الدينية حول العالم. وأوضح المقال كيفية تشجيع هذه اللجنة على التطرف من خلال سياساتها، والتي تتناقض مع سياسة الحكومة الأمريكية.

اقرأ أيضًا: 5 أشياء مثيرة يؤمن بها ترامب عن المسلمين

ما هي اللجنة الأمريكية لحرية الأديان الدولية؟

في 26 يوليو (تموز) الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ترشيحه لحاكم ولاية كانساس سام براونباك سفيرًا للحريات الدينية الدولية. وقد نشأ هذا المنصب بموجب قانون الحرية الدينية الدولية لعام 1998، والذي أنشأ لجنة لحرية الأديان الدولية «USCIRF» والتي تتعاون مع مكتب السفير بشكل وثيق. وسوف يقوم ترامب وأعضاء الكونجرس بتعيين مفوضين جدد للجنة «USCIRF» في العام المقبل، وهي اللجنة التي من مهامها الإبلاغ عن انتهاكات الحريات الدينية دوليًا، وتقدم توصيات للرئيس الأمريكي ووزارة الخارجية مما يؤثر في قراراتهم، بما في ذلك العقوبات.

في تقريرها لعام 2017، أيّدت اللجنة بشكل فعّال حق «المتطرفين الإسلاميين» في العمل ضمن جماعاتهم في العديد من البلدان ذات الأغلبية المسلمة، كما أيدّت حق الملالي الإيرانيين في نشر فكرهم «المتطرف» في الخارج، ووافقت على حصول الجماعات الإسلامية المتشددة على تمويل أجنبي. بالإضافة إلى ذلك، انتقدت اللجنة – بصورة لاذعة – السياسات العلمانية مثل حظر ارتداء الفتيات للحجاب في المدارس الحكومية. وفي سعيها لضمان حرية الأديان، دافعت اللجنة عن حقوق بعض الجماعات التي تطمح لفرض الإكراه الديني على الآخرين.

الفصل بين المؤسسة الدينية والدولة

خلال السنوات الماضية، كانت اللجنة قاسية تجاه دول القوقاز ووسط آسيا ذات الأغلبية المسلمة، وهي أذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، فقد انتقدتها اللجنة بسبب القيود المفرطة على الحريات الدينية وقمع الجماعات الدينية غير التقليدية. تراعي جميع هذه الدول الفصل الصارم بين المؤسسة الدينية والدولة، كما رفضت إعلان الإسلام دينًا رسميًا للدولة، كما تُبقي على القوانين والمحاكم العلمانية. ويمكن لغير المسلمين أن يعيشوا في مساواة في هذه البلدان، على النقيض تمامًا من المعاملة التي يجدونها في دول الشرق الأوسط.

وأشار المقال إلى أن هذه الدول – ذات التراث السوفيتي – كانت شديدة الحزم في التعامل مع قضاياها الدينية. على سبيل المثال، قامت سلطات الطاجيك بإجبار الرجال على حلق لحاهم، وإصدار أوامر تمنع النساء من ارتداء غطاء للرأس باستثناء الزي الطاجيكي التقليدي. إضافة إلى ذلك، تفتقد هذه البلدان السلاسة في تطبيق الديمقراطية. على الرغم من ذلك، فإن قوانين هذه الدول تساعد على حماية المسلمين العلمانيين والنساء والأقليات من الإكراه الديني. وبالتالي فإن هذه الدول لا تسمح للإسلاميين الذين يرغبون في قلب هذا النظام العلماني وإنشاء دولة دينية بالقيام بذلك. لكن اللجنة الأمريكية لحرية الأديان الدولية لا تولي ذلك اهتمامًا، وترى أن هذه الدول تنتهك الحرية الدينية لمواطنيها.

على سبيل المثال، لتفسير تصنيفها طاجيكستان إحدى أكثر الدول انتهاكًا للحرية الدينية، ذكرت اللجنة في تقريرها لعام 2017 أن القانون الطاجيكي يُلزِم المؤسسات الدينية وبرامج الدراسات الدينية بالتسجيل لدى الحكومة. لكن طاجيكستان تشترك مع أفغانستان فى حدود طويلة، لذلك يقول المسئولون الطاجيكيون إن الغرض من القانون هو منع الإرهابيين القادمين من أفغانستان من النشاط في البلاد تحت مسمّى نشاط ديني قانوني.

ينتقد تقرير اللجنة طاجيكستان أيضًا بسبب قانون لديها يتطلب موافقة الوالدين حتى يتمكن القاصرون من تلقّي التعليم الديني. لكن هذا القانون قد وُضِع من أجل حماية الشباب والأطفال من الانضمام للجماعات المتطرفة التي تحاول ضم هؤلاء الشباب إليها في الأماكن العامة مثل ملاعب كرة القدم والأسواق.

اعترض تقرير اللجنة كذلك على حظر طاجيكستان «حزب التحرير» وهو تيار إسلاميّ دوليّ، إلا أن الحزب يؤيد استخدام العنف من أجل إقامة الخلافة الإسلامية، كما أنه مُعادٍ لليهود، وهو محظور في ألمانيا وفي معظم البلاد العربية كذلك.

إن دول وسط آسيا ذات الأغلبية المسلمة لا تسمح للإسلاميين الذين يرغبون في قلب نظامها العلماني وإنشاء دولة دينية بالقيام بذلك. لكن اللجنة الأمريكية لحرية الأديان الدولية لا تولي ذلك اهتمامًا، وترى أن هذه الدول تنتهك الحرية الدينية لمواطنيها.

انتقدت اللجنة في تقاريرها الأخيرة منع الفتيات في أذربيجان وطاجيكستان من ارتداء الحجاب في المدارس العامة، ووصفت تعليمات وزير التعليم الأذربيجاني بمنع الحجاب بأنها قمع للمسلمين المستقلين. ومع ذلك، فإن هذا القانون يُطبّق في فرنسا، وكان موجودًا في تركيا حتى عام 2014، ويحظى بتأييد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي ترى أن هذه القيود التي تؤكد على علمانية الدولة تعتبر ضرورية لحماية النظام الديمقراطي، و«حماية الدولة من الحركات التي تسعى إلى فرض منهجها الديني على المجتمع».

ومع ذلك، ترفض لجنة حرية الأديان الدولية منطق المحكمة، وتستمر في إدانة القوانين التي تمنع الحجاب. وعلى الرغم من اعتراض بعض الآباء، فإن البلدان التي تطبق هذه القوانين تبرر سياستها بأنها جزء من التزام الدولة بتعليم قائم على المساواة، لذلك يرى كاتبو المقال أنه من الأفضل أن تدع اللجنة البلدان لتقر القوانين التي تناسبها.

رأى كاتبو المقال أن دفاع اللجنة عن حرية إيران في نشر أيديولوجيتها المتطرفة في الدول المجاورة لها يُعد أكثر إثارة للقلق من انتقاد اللجنة للعلمانية. كان من بين انتهاكات أذربيجان – من وجهة نظر اللجنة – إصدارها قانونًا في 2015 غرضه الوحيد هو منع رجال الدين المتطرفين الأجانب من نشر التطرف على أرضها، الأمر الذي يثير التساؤل حول سبب رفض اللجنة لمثل هذا القانون.

تنتقد اللجنة العديد من البلدان التي تمنع التمويل الأجنبي من الوصول إلى التنظيمات الإسلامية المحلية. على سبيل المثال، استنكر تقرير اللجنة لعام 2017 قيام كازاخستان بحجب الحسابات المصرفية لأشخاص أدرجتهم وزارة ماليتها في قائمة المتورطين في تمويل الإرهاب أو التطرف. ولا يقتصر الهدف من هذه القوانين على منع انتشار التطرف من دول الخليج أو إيران، بل إنه متسق أيضًا مع السياسة الأمريكية لمكافحة تمويل الإرهاب، وبالتالي فإن اللجنة تعارض إحدى السياسات الأساسية للولايات المتحدة.

اقرأ أيضًا: التاريخ المنسي.. ماذا نعرف عن المسلمين في منطقة البلقان؟

أدلة غير دقيقة

وأشار المقال إلى وجود مشكلة أساسية تتعلق بدقة الأدلة التي تستند إليها اللجنة لبناء استنتاجاتها، فاللجنة التي تغطي جميع بلدان العالم نادرًا ما تجري أبحاثًا أوّلية، وتعتمد على تقارير من منظمات غير حكومية سواء كانت محلية ودولية. بعد ذلك، تقوم اللجنة بمعالجة البيانات الواردة إلى هذه التقارير دون التحقق من دقتها بشكل مستقل، ثم تضع ختم الحكومة الأمريكية عليها. والأسوأ من ذلك أن اللجنة لا تنشر معلومات دقيقة عن مصادر البيانات التي تعتمد عليها، وتكتفي بذكر «المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام المعارضة»، لذلك لا يستطيع القارئ التحقق من تلك البيانات.

إحدى المشكلات الرئيسة في الاعتماد على الطريقة تكمن في تحيّز العديد من المنظمات غير الحكومية سواء كانت مؤيدة للحكومة أو معارضة لها. وقد استمدت اللجنة غالبية التقارير المتعلقة بمنطقة آسيا الوسطى والقوقاز من موقع إلكتروني لمنظمة نرويجية تُسمّى «Forum 18»، والتي تعرّف نفسها بأنها «مبادرة مسيحية»، والتي لا تضم قسمًا للبحوث.

إضافة إلى ذلك، لا يمتلك طاقم اللجنة المهارات اللغوية ولا الخبرة الإقليمية المطلوبة لفهم العلاقة المعقدة بين المؤسسة الدينية والدولة في مختلف دول العالم. وقد ذكر جيمس زغبي – الذي عمل نائبًا لرئيس اللجنة حتى مايو (أيار) الماضي – رأيه المُعارِض في تقرير 2017 قائلًا إن موظفي اللجنة البالغ عددهم 15 موظفًا فقط يضطرون إلى الاستناد بشكل كبير في المسوّدات التي يكتبونها على مصادر ثانوية، أو على نتائج الرحلات السنوية للمفوضين إلى بعض البلدان والتي تستغرق ثلاثة أو أربعة أيام فقط. وذكر زُغبي أنه بعد استلام المُسوّدة، يطلب من المفوضين مراجعة الفصول التي تتناول الدول والتعليق عليها، والتي تضم العديد من الدول التي لا يعلمون عنها سوى القليل.

الجزرة لا العصا

ذكر الكُتّاب أن دول منطقة آسيا الوسطى والقوقاز التي انتقدها التقرير بشدّة تحافظ على علاقات إيجابية وبنّاءة مع الولايات المتحدة. ونتيجة لهذه العلاقات الودّية، فإن هذه الدول يمكنها مواجهة مخاوف الولايات المتحدة وتقديم المشورة بشأن قضايا الحرية الدينية، بشرط توجيه مسئولي الولايات المتحدة الانتقادات في ضوء الشراكة بينهما، وإعدادهم تقارير دقيقة. لكن بدلًا من تقدير التحدّي الذي تواجهه هذه البلدان والتعاون مع حكوماتها من أجل التغلب على التحديات، يبدو أن اللجنة مهتمة فقط بالتشهير بهذه البلدان، بحسب ما جاء في المقال. ومع اتباع هذا الأسلوب لما يقرب من عقدين دون نجاح، فقد حان الوقت لأن يعترف كل من اللجنة والكونجرس بذلك.

تعتمد الديمقراطية الليبرالية في مختلف الدول على نماذج مختلفة لفصل الدين عن الدولة، والتي يتناقض بعضها بشكل مطلق مثل النموذجين الأمريكي والفرنسي. تبنّت كل من أذربيجان والدول ذات الأغلبية المسلمة في آسيا الوسطى نموذجًا قريبًا من النموذج الفرنسي الذي يدعم العلمانية، ويركز على إبقاء الدولة والمجتمع بعيدًا عن الإكراه الديني. لذلك، تقيّد فرنسا وهذه الدول حدود التعبير عن الدين في المجال العام.

يبدو هذا النموذج قاسيًا بالنسبة للأمريكيين الذين لم يشهدوا هيمنة سلطة دينية من قبل، والذين كانوا أكثر اهتمامًا بضمان حرية كنائسهم أكثر من اهتمامهم بحماية مواطنيهم من الإكراه الديني. ومع ذلك، فإن اللجنة الأمريكية لحرية الأديان الدولية وغيرها من المؤسسات المعنية بالحرية الدينية عالميًا ينبغي عليهم أن يكونوا أكثر تسامحًا مع النماذج الأخرى لإدارة العلاقة بين المؤسسة الدينية والدولة، وأن تتفهم أن التحديات التاريخية المختلفة تفرض نماذج مختلفة، وفقًا لما أوردته «فورين أفيرز».

بدلًا من انتقاد الشركاء الأمريكيين أو المطالبة بفرض عقوبات عليهم، يجب على اللجنة التركيز على الخطوات البناءة التي يمكن أن تتابعها الوكالات التابعة للحكومة الأمريكية بالتعاون مع حكومات هذه الدول من أجل حل المشكلات المتعلقة بالحرية الدينية.

وأشار المقال إلى أن الأسلوب الذي تتبعه الولايات المتحدة فيما يتعلق بحرية الأديان في البلدان الأخرى لا يؤدي إلى تغيير إيجابي، وإنما يثير الحيرة والغضب. ففي الوقت الذي تقصف فيه القوات الأمريكية قواعد الجماعات الإسلامية المتمردة في العراق وسوريا، تهاجم لجنة الحرية الدينية الدولية حلفاء الولايات المتحدة من ذوي الأغلبية المسلمة الذين يمتلكون حكومات وقوانين ومحاكم وأنظمة تعليم علمانية، في محاولة منهم لحماية بلدانهم من التطرف، وفقًا لما ذكره المقال.

مع استعداد الإدارة الأمريكية لتعيين مفوضين جدد للجْنة الحرية الدينية الدولية، عليهم التفكير بشكل دقيق في الهدف من وراء اللجنة والنهج الذي تتبعه. ومن أجل إحداث تغيير، يجب على اللجنة إدراك أن النموذج الأمريكي لتحديد العلاقة بين المؤسسة الدينية والدولة ليس هو النموذج الوحيد الصحيح. إضافة إلى ذلك، يجب على اللجنة استخدام المعلومات التي تستطيع التحقق منها بشكل مستقل فقط. إذا ما قامت اللجنة بذلك، ستكون الحكومات الأجنبية أكثر استعدادًا للاستجابة للتوصيات الأمريكية.

أي أنه يجب على اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية استخدام الجزرة (الترغيب) بدلًا من العصا (الترهيب). بدلًا من انتقاد الشركاء الأمريكيين أو المطالبة بفرض عقوبات عليهم، يجب على اللجنة التركيز على الخطوات البناءة التي يمكن أن تتابعها الوكالات التابعة للحكومة الأمريكية بالتعاون مع حكومات هذه الدول من أجل حل المشكلات المتعلقة بالحرية الدينية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد