بدأ الصحافي سيمون تيسدال تقريره المنشور في صحيفة «الجارديان» البريطانية، بأنه وفقًا لمسؤولي الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة وجماعات المناصرة التي تخشى وقوع كارثة إنسانية تلوح في الأفق، تتفاقم محنة ما يقرب من 3 ملايين مدني محاصرين من القوات المعادية في محافظة إدلب شمال شرق سوريا، يومًا بعد يوم.

بالنسبة للعديد من العائلات السورية تعد إدلب الملاذ الأخير لهم، بعد نزوحهم القسري من منازلهم في أجزاء أخرى من البلاد، ولكنها أيضًا تخاطر بأن تصبح ملاذًا بلا مخرج، فقد أطلق عليه الناشطون «صندوق القتل» الذي لا مفر منه، إذ إن الجيش السوري راسخ إلى الجنوب والشرق بدعم من القوات الروسية والإيرانية.

يذكر الكاتب في تقريره أن الطريق الشمالي يتم حظره من قبل القوات التركية التي تحتل منطقة عفرين في سوريا، وإلى جانب متمردي الجيش السوري الحر، استولوا على منطقة على شكل هلال حول إدلب، أقام الأتراك في الأسبوع الماضي «مراكز مراقبة» في المنطقة، ولهذا السبب فر العديد من اللاجئين من منطقة دمشق إلى الجنوب إلى منطقة المتمردين في درعا، لكن هناك أيضًا مخاوف من هجوم حكومي جديد هناك.

إدلب هي نقطة التجمع لكل من معارضي نظام الرئيس السوري، والذين لا يملكون مكانًا آخر يذهبون إليه، باعتبارها آخر مقاطعة متبقية لا تخضع لسيطرة قوات بشار الأسد، لكن وضعهم مريع؛ إذ يحتاج حوالي 1.7 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية.

بعد أن سقطت الغوطة الشرقية أمام قوات النظام في وقت سابق من هذا العام تم نقل قاطنيها إلى إدلب، وجرت عملية مشابهة في الأسبوع الماضي شارك فيها أشخاص من مخيم اليرموك للاجئين والحجر الأسود بالقرب من العاصمة.

أصبحت إدلب نقطة محورية لجماعات المعارضة المسلحة، بما في ذلك ما يقدر بنحو 10 آلاف من الجهاديين، والكثير منهم لهم صلات بتنظيم القاعدة، والذين يسيطرون على جزء كبير من المحافظة، يتزايد القلق من أنه إذا أطلق الأسد هجومًا نهائيًّا قد يحاولون الوقوف ضده، وهذا يزيد من الخطر على المدنيين.

الضغط على الأسد قادم من إيران، إذ تعتبر إدلب بالنسبة للأخيرة عائقًا أمام خطتها لممر بري إلى البحر الأبيض المتوسط عبر العراق وسوريا، بعد سقوط الغوطة، قال المستشار الأقدم للزعيم الأعلى في إيران علي أكبر ولايتي: إن إدلب كانت التالية «للتحرير».

روسيا تحث على وضع حد للصراع المستمر منذ سبع سنوات، سلم الرئيس فلاديمير بوتين هذه الرسالة شخصيًّا إلى الأسد هذا الشهر، في هذه الأثناء قد يفسر الأسد خطط دونالد ترامب لسحب القوات الأمريكية من سوريا، بالإضافة إلى إنهاء كل المساعدات الأمريكية المقدمة إلى إدلب، على أنها ضوء أخضر.

محاطة من جميع الجهات

لقد تعزز موقف الأسد في الأسبوع الماضي عندما تمكن في النهاية من السيطرة على جميع المناطق المحيطة بدمشق، ومن المتوقع أن تُصعّد القوات السورية والروسية القصف الجوي اليومي على إدلب.

استخدم النظام مرارًا الأسلحة الكيماوية في إدلب، على الرغم من هذا الاستنزاف يقدم موقع إدلب لايف صورة غير عادية لأبطال لم تُر مثل قصصهم من قبل وقدرتهم على الإبداع والابتكار في هذه المحنة المروعة، في الوقت الذي تقول فيه الأمم المتحدة إن المساعدات الدولية قد انخفضت إلى مستويات متدنية للغاية.

تقود النساء العديد من هذه المبادرات المدنية غير الرسمية، واللواتي تعرضن بشكل غير متوقع لأدوار قيادية بسبب الحرب. ويرجع ذلك جزئيًّا إلى غياب الآباء والأزواج والأبناء الذين يقاتلون أو يفقدون أو يموتون، وإلى انهيار الاتفاقيات والمحافل الاجتماعية التقليدية التي تحكم ما قد تفعله المرأة أو لا تفعله.

يذكر سيمون تيسدال أن النزاع السوري أثر بشكل غير متناسب في النساء والفتيات، وعلى وجه الخصوص أدت السيطرة الممتدة من قبل الجماعات المتطرفة المحافظة إلى تفاقم استبعاد المرأة من الأدوار القيادية، لكن النساء في إدلب يردن على هذا، يذكر في التقرير المنشور في موقع إدلب لايف: «يواصل المجتمع المدني في إدلب العمل بفعالية وتصميم ممتازين، هناك قصص لا توصف عن مئات المجموعات في المناطق المشهورة دوليًّا بالمجازر التي توفر الخدمات التي يحتاجها المدنيون للبقاء على قيد الحياة».

يقول التقرير إن مبادرات المساعدة الذاتية هذه، مثلها مثل أي تسوية سلمية مستقبلية مفروضة من الخارج، تشير إلى الطريق ما بعد الحرب في سوريا. «يمثل المجتمع المدني لإدلب أفضل فرصة للمؤسسات الحرة والديمقراطية، تقف إدلب عند نقطة حرجة، ولكن إذا استثمر السياسيون الدوليون والمانحون والمنظمات غير الحكومية الدولية وصانعو القرار في المجتمع المدني، فسوف نرى أفكارًا وحلولًا تزدهر».

كل ما مررنا به جعلنا أقوى

مريم شيروت هي مديرة ومعلمة في معهد دعم ما بعد المدرسة للأطفال، ومؤسِّسة مشاركة للمنظمة السورية لشؤون المرأة، ومديرة مكتب المرأة في مجموعة النشاط المدني زووم إن، تقوم مريم بعمل الكثير من الأنشطة مع الطلاب، ولا تفكر أبدًا بإيقافها بمجرد أن ترى الأطفال يأتون إلى المركز لقضاء الوقت معها ومع أصدقائها، وطهي الطعام معهم، وتوزيعه على الأسر ذوات الدخل المنخفض.

كما تجد مريم الوقت لمساعدة النساء في العثور على عمل، وبدء أعمالهن الخاصة، العديد من النساء لديهن مهارات الخياطة، ولتمكين النساء من مشاركة الأفكار الإبداعية تحاول مريم إطلاق ورشة خياطة، في البداية وجد المجتمع أنه من غير الطبيعي أن ترى امرأة تقوم بأعمال متعددة، وتذهب إلى أي مكان تريده.

أما الآن فإنهم ينظرون إلى مريم بوصفها نموذجًا يحتذى به للفتيات الأخريات إذ تقول: «ما مررنا به جعلنا أقوى. إذا بقي الناس في المنزل ليحزنوا، لكانت الحياة قد توقفت منذ وقت طويل. لن تتوقف الحياة: نحتاج إلى الاستمرار والعمل. أنا أؤمن بالعمل حتى آخر لحظة ممكنة».

السلامة هي التحدي الرئيسي

تذكر نورة حلبي (اسم مستعار)، وهي منسقة مشاريع مراكز نساء الخوذات البيضاء (المعروفة أيضًا باسم الدفاع المدني السوري) أن: «المراكز تقدم الإسعافات الأولية والقبالة وتتخصص في إصابات النساء، ويقوم متطوعوهم بحملات توعية لإعداد الأشخاص للهجمات الجوية والهجمات الكيميائية وتقديم التدريب الأساسي على الإسعافات الأولية والتمريض». وتضيف: «بعض المراكز موجودة في الكهوف، وبعضها محصن، نحن نقدم المتابعة مع الأشخاص المصابين في الغارات الجوية والنساء اللواتي يحتجن إلى عملية قيصرية في منازلهن».

لم يكن المجتمع يقبل الفكرة عندما بدأت متطوعات في الانضمام إلى الخوذات البيضاء، لكن الناس بدأوا يدركون الأثر الإيجابي لعمل المراكز النسائية، لأنها قادرة على تقديم خدمات لا يستطيع المتطوعون من الذكور في المجتمع المحافظ تنفيذها، مثل رعاية النساء الجرحى، والذهاب إلى المنازل والمدارس، والناس الآن يريدون حتى من بناتهم الانضمام، تقول نورة: «السلامة هي التحدي الرئيسي الذي نواجهه، ليست كل المراكز محصنة، وبعضها ليس لديها أقبية، لذا فهي معرضة جدًّا للهجمات الجوية. مراكزنا مستهدفة».

ظروف لا يمكن إلا للفاقد عقله العمل تحتها

يقول رائد فارس، وهو مؤسس ورئيس مجموعة الحملات الإعلامية لاتحاد المكاتب الثورية: «لقد دربت 28 امرأةً في الإذاعة، بما في ذلك المحررون والمذيعون مدة عامين، في العام الماضي حظر فصيل التحرير السلفي لحركة التحرير الموسيقى وصوت المرأة، توصلنا إلى فكرة لتغيير أصواتهم رقميًّا لجعلها تبدو وكأنها أصوات من الذكور».

ما يجعل رائد يشعر بفخر كبير هو عمل الفتيات المراهقات في المركز، إذ حصل على الفكرة عندما رأى أن العديد من الطلاب خارج سوريا لديهم وظائف بدوام جزئي توفر لهم بعض الاستقلال، لم يقبل المجتمع عندما فُتح أول مركز نسائي.

ويتابع رائد حديثه: «الآن هناك العشرات من المراكز، وأصبح من الطبيعي أن تعمل النساء، يريد الناس أن تعمل بناتهم في مراكزنا، نحن نواجه أكثر من 100 مشكلة كل يوم، نحن نعمل في ظل ظروف لا يمكن إلا لفاقد عقله العمل تحتها، لكن أنا سعيد بهذه الطريقة، كلما زادت التحديات التي أتت في طريقي أصبحت أكثر تصميمًا».

الحصول على ما هو غير متاح عبر الإنترنت

تدير عنون مدرسة ابتدائية للفتيات وللأطفال المشردين، بعد إجبارها على الخروج من داريا إحدى ضواحي دمشق ومدرستها هناك، افتتحت مدرسة جديدة في أطمة على الحدود التركية، تقول عنون: «لم يكن لدينا خيارات أخرى للأطفال الذين شردوا من داريا معنا، لم تقبلهم أي من المدارس هنا، ووعِدنا بفتح مدرسة في المخيم، لكن ذلك لم يحدث».

تقدم عنون الكتب والدفاتر، ويحب طلابها الرسم وتعد مشاريع الفنون والحرف لهم حول الموضوعات التي تغطيها في الفصول الأخرى، وعندما علموا عن هرم الطعام في العلوم، رسموه في فصل الفن، والجدير بالذكر أنه لا توجد مكتبات لبيع الكتب لديهم، لذلك يحصلون على ما هو غير متاح عبر الإنترنت. تروي عنون: «من الصعب العثور على معلمين ماهرين، لذلك كنا ندير ورشًا تعليمية للمعلمين من خلال المدربين الجديرين بالثقة، ونسمع تعليقات من الآباء بأن أطفالهم يحبون المدرسة ولا يريدون أن يفوتوا يومًا واحدًا، حتى عندما يكونون مرضى. بعض الأطفال ينادونني والمعلمين الآخرين ماما أو خالتي».

ما تزال هناك فرصة للحياة

مزنة هي المدير الإداري لمركز نساء الآن في معرة النعمان، درست الهندسة الطبية الحيوية في جامعة حلب قبل البدء في إنشاء مركز تعليم مجاني للنساء في عام 2014 وتبدأ حديثها: «لدينا مركزان في إدلب، مركز تمكين، ومقهى إنترنت للنساء، ولدينا غرفة للرعاية النهارية وجليسات أطفال مدربات».

بدأت مزنة مع برنامج القيادة، والذي يتضمن مجموعة من المهارات التي تعد النساء لمناصب صنع القرار، وقد ساعدت هذه المهارات العديد من النساء على العمل مع المجالس المحلية والمنظمات المدنية، وبمجرد أن تحضر المرأة دورات مثل هذه، فإنها تكتسب المعرفة والأصدقاء، والمرأة التي فقدت زوجها يجب أن تكون المعيل لأطفالها، بالنسبة لهم ما تزال هناك فرصة للحياة، لدى مزنة والآخرين الرغبة في تحقيق الإنجازات والاستقلال، وعندما يشعر المجتمع بالأثر الإيجابي للنساء العاملات لن يكون أحد ضدهن.

وتختتم مزنة: «أنا أعرف العديد من النساء من برنامج القيادة اللاتي يعملن الآن، ويقيم أزواجهن في المنزل مع
الأطفال، سواء كان هناك قصف أم لا ستستمر الحياة، لدينا الرغبة في العيش والإنجاز وتحقيق الاستقلال».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد