تم اغتيال عباس الأول في 13 يوليو 1854 في قصره ببنها وخلفه محمد سعيد باشا رابع أبناء محمد علي وهو في نفس الوقت يعتبر عم عباس الأول.
تلقى سعيد تعليمه على يد معلمين أوروبيين كان منهم Koenig الذي أصبح سكرتير سعيد الخاص بعد توليه الحكم.

وكان معروفًا عن سعيد إجادته التحدث باللغة الفرنسية والإنجليزية ولكنه لم يكن يستطيع القراءة باللغة التركية رغم أنها لغة والدته.
وقد تدرب في البحرية ووصل فيها لرتبة أميرال الأسطول تحت حكم والده ولكن بعد تولي عباس الحكم، ترك منصبه وتقاعد في الإسكندرية.
وظهر واضحًا أن سعيد كان على نقيض سلفه عباس المُتعَقِل. فسعيد – حسب رؤية معاصرين له – كان عاشقًا لكل ما هو فرنسي، وشخصيته الضعيفة والمغرورة جعلته محاطًا بمغامرين ومستخدمين عديمي القيمة استطاع عباس بحكمته إبعادهم.
فقد كانت كل أمنياته ككثير من الحاكم الشرقيين أن يُخَلِّد التاريخ اسمه كحاكم ليبرالي كريم مما دفعه لاستهلاك دخل البلاد بشكل جعلها في نهاية عهده مديونة.
صحيح أنه قدم إصلاحات كان من المُفترض أن تأتي بالنفع الاقتصادي على الفلاحين إلا أن سياسة التبذير والمسؤوليات التي أخذها على عاتقه أودت بتلك المنافع.

ويلاحظ أن سعيد كان مُهتمًا بالجيش وكانت هوايته المُفضلة هي المناورات المستمرة لقواته لدرجة رآها البعض أنها مثيرة للسخرية.
ولكن يُحسب له أنه قد قام بتغيير نظام التجنيد بحيث يكون مفروضًا على جميع الطبقات، كما سعى كذلك لرفع رُتب الضُباط المصريين بالجيش بحيث لا يحتكر الأتراك والشراكسة تلك الرُتب وحدهم، مما أثار حفيظة الطبقة الاجتماعية التركية التي خرج منها.
ولكن بتولي إسماعيل حكم البلاد من بعده، ألغى تلك الإصلاحات لتعود إلى ما كانت عليه من قبل. وكان ذلك بمثابة السبب الرئيسي الذي دفع لاحقًا لتمرد الجيش بزعامة عرابي.

في عهده، كانت الحكومة المصرية تحاول توفير العمالة اللازمة لحفر قناة السويس فقام سعيد بالاستغناء عن جزء من جيشه لهذا الغرض. وكانت التضحية بالقوى البشرية والموارد المالية للدولة من أجل إتمام مشروع القناة له نتائج كارثية مثلها مثل نتائج حملات محمد علي ونظام الاحتكار الذي طبقه. أشار ديليسبيس في خطابه لسعيد باشا بتاريخ 15 نوفمبر 1854 عن المميزات المالية والتجارية والسياسية التي سيمنحها لمصر إنشاء ذلك الطريق المائي وأنها ستكون بمثابة “استقلالية لمصر” ولكن التاريخ أثبت العكس.

كانت خطة مجموعة السانت سيمونيتس Saint-Simonites والتي حاول محمد علي الاستعانة بهم للإبقاء على بعض الأوروبيين في مصر للاستفادة منهم – والتي لم يجرؤ أحد منهم على الاقتراب في فترة حكم عباس – أخيرًا أصبحت الفخ الذي سقط فيه سعيد والتي مهدت البلاد أخيرًا للإفلاس والاحتلال البريطاني.

وقد اختلف رأي المعاصرين لتلك الفترة بين مُدافع عن سعيد ومُهاجم له فيما يخص انحدار وضع التعليم في عهده.
فقد رأى بعض المدافعين أن المؤسسات التي أنشأها محمد علي تعرضت للإهمال في عهد عباس وبالتالي حينما تَسَلم سعيد حُكم مصر تَسلم تلك المؤسسات في حالة من الانحدار وعدم التنظيم مما جعل من الأفضل تدميرها بدلًا من السعي لإعادة تنظيمها. وهذا ما ذهب إليه الكاتب الفرنسي ميريو عام 1857 في كتابه “مصر المعاصرة” Merruaua: L’Egypte contemporaine، ولكن ميريو نفسه يعترف بأن الإهمال بدأ في آخر عهد محمد علي بعد التوقيع على معاهدة لندن.

فيما يرى آخرون أن سعيد سعى لتدمير كل ما كان في عهد سلفه – ابن أخيه عباس الأول – بدلًا من محاولة استرجاع مجد جده وأن الأموال ضاعت على نزواته أو أحقاده. وهذا ما ذهب إليه الكونت الروسي نيكولا ألديربيرج بعد رحلته للشرق في كتابه En Orient, impressions et reminiscences.

ولو تناولنا وضع المدارس التي كانت في حالة سيئة حين تسلُم سعيد الحكم، فمما لا شك فيه أن أسوأهم على الإطلاق كانت مدرسة الطب. وقد ظهر في أسباب إغلاق سعيد لمدرسة الطب أنها تحولت إلى تجارة من خلال إصدار الأطباء لشهادات مرضية مُزورة لتعفي البعض من الخدمة العسكرية. ولكن هذا لا يضع الاتهام على عباس بقدر ما يضعه على المصريين الذين لجأوا لتلك الحيل، وكذلك على الأطباء المصريين الذي لم يفهموا معنى كرامة مهنة الطبيب التي يعملون فيها.

وقد افتتحت مدرسة الطب من جديد في عام 1856 في احتفالية كبيرة. وكان على كلوت بك العودة لمصر لإدارتها إلا أن حالته الصحية حالت دون ذلك فتولى إدارتها في أغلب الظن حسين أفندي عارف وتم تعيين العديد من المدرسين الأوروبيين بها حتى أصبحت أغلب المناصب العليا في المدرسة لأوروبيين في حين حظي فقط اثنان من المصريين بتلك المناصب العليا داخل المدرسة. ورغم المحاولات التي تمت لرفع مستوى المدرسة إلا أنها وُصفت عند تولي إسماعيل الحكم عام 1863 بأن حالتها كانت “بائسة”.
وقد اتُبع نفس أسلوب التعليم الذي كان مُتبعًا في مدرسة الطب الأولى التي فتحها محمد علي حيث كان على المُدرس كتابة محاضرته للطلبة فإن كانت بلغة أوروبية، وجب ترجمتها إلى العربية وظنوا أن ذلك سيعطي الطالب معرفة أشمل بدلًا من أن يأخذها مرة واحدة مُترجمة.
ولهذا كان على الطالب قبل الشروع في الدراسة قضاء عامين في دراسة اللغة الفرنسية. فإن أكملهما بشكل جيد، يبدأ فورًا في تعلم العلوم الطبية على أن يستمر في دراسة اللغة بجانب دراسته. ثم يقضي الطالب سبع سنوات في المدرسة تتحمل الدولة جميع مصاريفه كما كان مُتبعًا في عهد محمد علي.

وإذا كان مقبولًا سبب إقدام سعيد على إغلاق مدرسة الطب عند توليه حكم مصر للأسباب سالفة الذكر، فإننا لا نستطيع أن نفهم سبب إغلاق سعيد لمدرسة الهندسة بعد شهر واحد من توليه حكم مصر والتي أشرف عليها في عهد عباس علي مبارك والتي حققت نجاحًا واضحًا إلا أن يكون السبب هو أنها حققت نجاحًا في عهد سلفه عباس الأول!
يروي علي مبارك في مذكراته التي كتبها في منفاه في القرم شكواه من الافتراء الذي وقع عليه وعلى المدرسة التي كان فخورًا بما حققه فيها.
كما أنه وبعد خمسة أشهر من توليه الحكم، أغلق “ديوان المدارس” حيث أصبحت إدارة المدراس تتبع إما ديوان الجهادية أو شخصه باعتباره حاكم البلاد.
كذلك تم إغلاق مدرسة “العمليات” في ديسمبر 1854 وإغلاق مدرسة “المفروزة” في عام 1861.

وكانت أول مدرسة فتحها سعيد باشا هي مدرسة الحربية في القلعة عام 1856 حيث كانت بمثابة خليط بين المفروزة والمهندسخانة، تحت إشراف رفاعة الطهطاوي والذي تم استدعاؤه من السودان ليتولى الإشراف كذلك على غرفة الترجمة ومدرسة المحاسبة ومدرسة الهندسة المدنية (العمارة). ولكن كيف كان من الممكن لرفاعة الطهطاوي أن يدير مدرسة الحربية وهو لا يملك أي خبرة في ذلك المجال؟ هل كان يكفيه أنه عمل مُترجمًا في مدرسة المدفعية لبضع سنوات كي يصل لذلك المنصب؟ هل كان الدافع هو النكاية فقط في علي مبارك الذي كان مُفضلًا لدى عباس؟
على أية حال، فقد تم إغلاق تلك المؤسسة بالكامل بعد ثلاثة أعوام من فتحها في عام 1861، ليعاد فتحها من جديد تحت إدارة De Bernhardi الذي قدم لمصر كمُحاضر عسكري.

يعطي لنا ميريو فكرة عن المدرسة بقوله إن الطلبة كانت لهم حرية اختيار القسم الذي يرغبون في الالتحاق فيه وأن الطالب كان يتلقى خلالها مبلغًا شهريًا قدره مائة قرش بجانب جميع الأدوات الدراسية والملابس. أما عن المناهج أو سياسات العقاب فكانت كما كان مُتبعًا في مدارس محمد علي من أسلوب عسكري صارم. وقد ظلت المدرسة مفتوحة حتى وفاته في 1863.

حازت المدرسة البحرية على اهتمام سعيد باشا والتي كانت قد أُغلقت عام 1849 وأعاد سعيد فتحها عام 1860 تحت إدارة الكابتن الإيطالي Federico والذي بقي في منصبه حتى عام 1863.

وفي الحقيقة أنه من الصعب رصد جميع المدارس في عهد سعيد لأنه من المستحيل الحصول على معلومات دقيقة حولها نظرًا لحالة فتح وغلق المدارس المستمر التي تمت في عهده.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد