رغم أن سياسة سعيد التعليمية تعرضت لنقد الكثيرين إلا أنه لا يمكن القول بأنه أهمل نظام البعثات التعليمية للخارج. فبالإضافة للطلبة الذين أرسلهم للخارج فقد حافظ كذلك على القلة المُتبقية من الذين كانوا قد أُرسلوا في عهد محمد علي وكذلك على المجموعة الكبيرة التي أُرسلت في عهد عباس والتي حول كثير من طلابها من دراسة الطب إلى دراسة العلوم العسكرية.

وعلى خلاف عباس، أعاد سعيد التوجه إلى إرسال البعثات إلى فرنسا من جديد كأسلافه، محمد علي باشا وإبراهيم باشا، بل وأنشأ “مجلس تعليم”Education Council  في باريس من أجل متابعة الطلبة هناك حيث عَيَنَ مسيو جومار مديرًا له.
وقد أرسل سعيد أول بعثاته إلى فرنسا في عام 1855، وتلتها بعثات أخرى في السنوات التالية إلى ألمانيا وفرنسا حيث بلغ إجمالي عدد الطلبة المبعوثين للخارج 48 طالبًا.

ومن قراءتنا لبيانات الطلبة المبعوثين يتضح لنا أن 30 من أصل 48 طالبًا قد أرسل لدراسة الطب وبإضافة هذا الرقم مع عدد الدارسين للطب في مدرسة الطب، يتضح أنها كانت نسبة عالية وهي تشير إلى الرغبة في مزيد من الأطباء للخدمة في الخدمات العامة.
ويتضح كذلك من بيانات الطلبة أن تسعة منهم قد مكثوا للدراسة في الخارج مدة سنة واحدة فقط. كما يتضح أن ثمانية منهم قد تلقى دراسته في العلوم العسكرية وثمانية في مواد تقنية وستة في دراسة القانون والإدارة المدنية. أما دراسة الثلاثة الباقين، فهي غير معلومة.

كذلك يتضح أن كثيرًا من الطلبة المبعوثين كانوا من المصريين على الرغم من وجود بعض الشراكسة والأتراك والأرمن ولكن عشرة أسماء من بين قائمة أسماء الطلبة تعتبر مثيرة للانتباه، فهي تبدو لطلبة من الأوروبيين الذين أرسلهم سعيد باشا على نفقة الدولة المصرية!

ويتضح كذلك من بيانات الطلبة أن واحدًا منهم كان قبطيًّا، وهو واصف أفندي عزمي. وربما تلك هي أول مرة نصادف مبعوثًا قبطيًّا للبعثات التعليمية بخلاف مثلًا المبعوثين من الأرمن الذين يدينون كذلك بالمسيحية، وتم إرسال العديد منهم للدارسة بالخارج منذ عهد محمد علي باشا. وقد أُرسل عزمي إلى فرنسا في عام 1855  وعاد في عام1860 ، وقد درس القانون والإدارة المدنية وشغل مناصب عدة بعد عودته لمصر ومن ضمنها الرئاسة الشرفية للمحاكم المختلطة في عام1883  وقد توفي في عام 1898.

كذلك تبدو هناك نقطة مهمة وجب الإشارة إليها وهي أن تسعة من بين هؤلاء الطلبة المبعوثين هم أقارب لطلبة تم إرسالهم في بعثات سابقة. فمن عائلة البقلي على سبيل المثال وهم في الأصل من فقراء الفلاحين هناك خمسة تم إرسالهم في بعثات لأوروبا وقد ترقوا بعد عودتهم في مناصب إدارية عُليا بفضل نبوغهم. وهكذا تكونت طبقة جديدة في المجتمع من الضباط والموظفين الذين كانت الدولة في حاجة إليهم.

كما يبدو أن من بين الطلبة اثنين قد بدآ دراستهما في مصر من مدرسة الفرير التي كانت قد فُتحت في تلك الفترة وهي إحدى مدارس الإرساليات التبشيرية الكاثوليكية والتي أفردنا مقالًا سابقًا عن هذا النوع من المدارس من قبل. ويبدو أن كليهما كانا من أوائل المصريين الذين التحقوا بهذا النوع من المدارس وأن كليهما من عائلة البقلي.

ومن الأسماء اللامعة في تلك البعثة حسن أفندي محمود ومحمد أفندي أمين اللذان درسا الطب في فرنسا وكلاهما ترك أعمالًا عديدة منشورة في مجال الطب. كما نذكر أيضًا إبراهيم أفندي حسن الذي درس كذلك الطب في ألمانيا وقد مثل مصر لاحقًا في المؤتمر الطبي الذي عُقد في لندن في عام 1891. وقد توفي في عام 1917.
كما نذكر كذلك علي أفندي رياض الذي أُرسل إلى فرنسا لدراسة الفيزياء والكيمياء والصيدلة وعاد لمصر في عام1867 ، حيث عمل في بعض المستشفيات ثم مدرسًا في مدرسة الهندسة ثم في مدرسة الطب، وقد نشر العديد من الأعمال المهمة. وقد توفي عام 1899.

كذلك فمن الملاحظ أن اثنين من المبعوثين الذين أُرسلوا لدراسة الطب قد عملا في فترات لاحقة (أحدهما بعد التقاعد) في ممارسة المهنة في المجال الحر. وهما محمد أفندي عوف وهو ابن حسن عوف الذي أُرسل إلى النمسا في عهد محمد علي عام 1845 لدراسة الطب، و محمد أفندي عباس سامي الذي عمل في مدرسة الطب ثم أُرسل إلى كريت عام 1866 ثم الحجاز وظل هناك لثلاث سنوات وبعد عودته عمل كطبيب للأسرة الخديوية وبعد خروجه إلى المعاش في1890  مارس المهنة ممارسة حرة.

وفي المقالة القادمة بإذن الله، سوف نتناول التعليم غير الحكومي في عهد سعيد باشا، ونرى كيف زاد الاختراق الأوروبي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد